نواعير حماة: حكاية الماء والتاريخ والتراث على ضفاف العاصي
دراسة توثيقية شاملة لنشأتها، آلية عملها الميكانيكية، وأشهر مجاميعها القائمة
نواعير حماة منظومة مائية تراثية قديمة تقوم على ضفتي نهر العاصي داخل مدينة حماة، تتألف من عجلات خشبية ترفع الماء بقوة التيار إلى قنوات حجرية مرتفعة، ثم توزّعه بالجاذبية إلى البساتين والمساجد والحمامات والبيوت. ليست العجلة وحدها المَعْلَم، بل العلاقة بين النهر والسد والعجلة والقناة والقناطر وحقوق الانتفاع بالماء. ومن هذه الكثافة الهندسية داخل عمران المدينة اكتسبت حماة لقبي «مدينة النواعير» و«أم النواعير».
إن القيمة المعرفية للنواعير لا تُختزل في مشهدها الدائر فوق الماء؛ فهي تقنية لرفع المياه، وحرفة نجارة متخصصة، وشبكة توزيع حضرية، وشاهد أثري على وادي العاصي، ورمز ثقافي سمعي وبصري. وتختلف الأدلة على قدم التقنية عن أدلة تأريخ العجلات الخشبية الباقية اليوم، كما تختلف أرقام الجرد باختلاف السنة والمجال المقصود: داخل المدينة أو في الريف، الباقي أو الذي ما زال يعمل، الدولاب الخشبي أو الحجرية الخالية منه.
أ. عبد الحميد رائد هنداوي — عالم آثار ومراجع تاريخي وأثري
د. عبد الرحمن محمود الشهبندر — باحث متخصص في التاريخ
- الناعورة عجلة خشبية رأسية ترفع ماء العاصي بقوة التيار وحدها، دون وقود أو حيوان.
- نواعير حماة ليست أثراً واحداً بل منظومة: سد، عجلة، قناة حجرية، قناطر، وشبكة توزيع.
- عدد النواعير رقم متغيّر حسب السنة والمجال؛ فالقول بوجود “17 ناعورة” ثابتة غير دقيق منهجياً.
- المحمدية: أقدم ناعورة مؤرخة بالنقش (763هـ/1361م)، وأكبر نواعير حماة.
- المأمورية: مؤرخة 867هـ/1453م، وتسقي تسعة مساجد وأربعة حمامات ومئة بئر.
- أبو الفداء وياقوت الحموي: أقدم شهادتين نصيتين وسيطتين على حضور النواعير في حماة.
- فسيفساء أفاميا (القرن الرابع والخامس الميلاديين): أقدم تمثيل معروف لعجلة مائية في وادي العاصي.
- نواعير حماة مدرجة في القائمة التمهيدية لليونسكو منذ 1999 فقط، وليست مُدرجة في قائمة التراث العالمي المعلنة؛ الفرق بينهما قانوني لا شكلي.
- تقنية العجلة المائية رومانية-بيزنطية الأصل في الإقليم، لكن لا دليل على أن أي ناعورة خشبية قائمة اليوم في حماة تعود إلى تلك الحقبة.
اقرأ أيضاً: تراث سوريا اللامادي: كنز ثقافي يستحق الحفظ
ما هي نواعير حماة، ولماذا ارتبط اسمها بالمدينة؟
ترتبط نواعير حماة باسم المدينة؛ لأنها حلّت مشكلة مائية حضرية محددة في زمن الاعتماد عليها وهي: انخفاض مجرى العاصي عن الأراضي والمنشآت التي تحتاج الماء. ومع تكرار هذه الآلات على شريط نهري يخترق العمران، صارت جزءاً من المشهد اليومي لا من الريف وحده. وصف مركز التراث العالمي لليونسكو النماذج الباقية في حماة بأنها باتت جزءاً لا يتجزأ من المشهد الحضري، وأن بقاءها هو ما منح المدينة شهرتها العالمية في هذا الباب.
الناعورة بوصفها آلة لرفع المياه بقوة جريان العاصي

الناعورة عجلة مائية رأسية تعمل بطاقة التيار، لا عن طريق حيوان ولا بيد إنسان. تُغمر صناديق خشبية مثبتة على محيطها في الماء، فتمتلئ، ثم تفرغ حمولتها في أعلى الدوران داخل حوض أو قناة مرتفعة. بهذا تختلف عن النقل الأفقي للماء في الأقنية المنحدرة؛ لأنها ترفع الماء إلى منسوب أعلى من سطح النهر.
تُسمى هذه الآلة في الدراسات التقنية «ناعورة تيار» أو عجلة رافعة يحركها الماء من الأسفل. ويُقَدِّرُ “متحف بلا حدود” أن ناعورة حماة المتوسطة ترفع نحو خمسين لتراً في الثانية، وأنها كانت تروي ما لا يقل عن خمسة وسبعين هكتاراً. أما دراسة “محمد الدبيات” فتشير إلى قياس أقدم، يعود إلى عام 1930، إذ قدّر القدرة القصوى بنحو خمسة وأربعين لتراً في الثانية. الرقم هنا تقدير تشغيلي مرتبط بحجم العجلة وقوة التيار ومنسوب النهر، لا طاقة ثابتة لكل ناعورة.
تختلف الناعورة عن الساقية وعن الدواليب التي تُدار بالحيوانات. الساقية ترفع الماء في العادة من بئر أو بركة بقوة حيوانية، وقد تستخدم أواني فخارية أو جلدية. أما نواعير حماة فتعتمد على صناديق خشبية وتياراً موجَّهاً بسدود وممرات حجرية، وهو ما يفسر حجمها الاستثنائي مقارنة بعجلات الماء الشائعة التي لا يتجاوز قطر كثير منها مترين أو ثلاثة.
ماذا تعني «ناعورة» و«نواعير» و«دولاب» في المصادر التاريخية؟
الكلمة العربية «ناعورة»، والجمع «نواعير»، ترتبط في الاستعمال التراثي بصوت الآلة في أثناء الدوران، أي نعير الخشب والماء. ولهذا سُمعت في الأدب الحموي عبارة «عنين الناعورة». وفي بعض النقوش والنصوص يرد اسم «دولاب» مرادفاً وظيفياً للعجلة المائية. ملف الترشيح المقدم إلى اليونسكو عام 1999 ينبّه إلى أن كلمة «دولاب» تحل أحياناً محل «ناعورة» في كتابات التأسيس.
الاستعمال المزدوج لا يغيّر الآلية؛ فـ «الناعورة» و«الدولاب» في السياق الحموي يدلان على العجلة الرافعة بقوة النهر، لا على درس لغوي مستقل. أما الصيغة الأوروبية (Noria) فمأخوذة من العربية، واستُخدمت لاحقاً لوصف عجلات مشابهة في حوض المتوسط.
من منشأة مائية إلى العلامة الأكثر ارتباطاً بهوية حماة
ظلت الناعورة زمناً طويلاً آلة نفعية: ترفع الماء، وتملأ الأحواض، وتسقي البساتين، وتغذي المنشآت العامة. ثم أخذ حضورها البصري والسمعي يتجاوز الوظيفة. فالعجلة الضخمة، ورذاذ الماء، وظلال القناطر، والصوت المتكرر للخشب الرطب، صارت علامات تُعرف بها المدينة قبل أن تُعرف بها تفاصيل عمرانها الأخرى.
هذا التحول لم يُلغِ الأصل الهندسي. بل جعل من المنظومة المائية رمزاً ثقافياً بعد أن فقدت كثيراً من دورها التشغيلي في القرن العشرين. وفي هذا المعنى تُفهم ألقاب «مدينة النواعير» و«مدينة أبي الفداء» معاً: فالأول يربط حماة بالماء والآلة، والثاني يربطها بحاكمها الجغرافي أبي الفداء الحموي الذي وصف النواعير من داخل المدينة لا من خارجها.
العاصي وحماة: لماذا كانت النواعير حلاً هندسياً مناسباً؟
لم تُبنَ النواعير لأنها «جميلة» أو لأنها صارت رمزاً لاحقاً، بل بُنيت لأن موضع حماة على العاصي يطرح مشكلة رفع لا مشكلة نقل فحسب. والمتحف الوطني الدنماركي يصوغ المسألة بوضوح: العجلات كانت لازمة؛ لأن النهر محفور على نحو أعمق من أن يُستقى منه بسهولة مباشرة.
علاقة المدينة بنهر العاصي
يخترق العاصي مدينة حماة، فيقسمها إلى ضفتين ويخلق شريطاً حضرياً من البساتين والأحياء والمنشآت العامة على جانبيه. هذا التداخل بين النهر والعمران جعل شبكة المياه جزءاً من تخطيط المدينة، لا مرفقاً خارج أسوارها. ولهذا تكاثرت النواعير على مسافة قصيرة نسبياً، قدّرها الدبيات بنحو كيلومترين للنماذج الحضرية المتأخرة الباقية.
اقرأ أيضاً: الموارد المائية في سوريا: هل تكفي لتحقيق الأمن المائي؟
الاسم العربي «العاصي» فُسّر في المصادر الوسيطة تفسيرين متكاملين لا متعارضين بالضرورة. ياقوت الحموي، في القرن الثالث عشر، ربطه بجريان النهر من الجنوب إلى الشمال على خلاف أكثر الأنهار. أما أبو الفداء في القرن الرابع عشر فربطه باستخدام العجلة لرفع ماء «يعصي» الجريان الطبيعي إلى الأعلى. التفسير الثاني يضع الناعورة في صلب فهم النهر نفسه.
انخفاض مجرى النهر وارتفاع المناطق المستفيدة من الماء
المشكلة الهندسية ليست ندرة الماء في المجرى، بل فرق المنسوب بين سطح النهر والأراضي والمنشآت التي تحتاج السقاية. البساتين الحموية، المعروفة محلياً بالزور، تقوم على مصاطب أعلى من قاع النهر. والمساجد والحمامات والبيوت في الأحياء المرتفعة نسبياً لا يمكن أن يصلها الماء بانحدار طبيعي من المجرى المنخفض.
الناعورة تحل هذه الفجوة الرأسية. قطر العجلة يحدد أقصى ارتفاع للرفع، والقناة الحجرية تستلم الماء عند القمة، ثم تتولى الجاذبية الباقي. من دون هذا الرفع تبقى المدينة على نهر غزير لكنها محرومة من استثماره في الري والتغذية الحضرية.
من العجلة إلى شبكة القنوات والأحواض والقناطر

الناعورة ليست منشأة منفردة. هي عقدة في منظومة تضم:
السد أو الحاجز الحجري الذي يرفع منسوب الماء ويوجّه التيار إلى ممر العجلة؛ العجلة الخشبية وصناديقها؛ الحوض أو المستودع الحجري في الأعلى؛ القناة المحمولة على قناطر؛ والتفرعات التي توصل الماء إلى البساتين والآبار والصهاريج والمنشآت.
ملف اليونسكو يصف هذا التعقيد بوضوح: أحواض، قنوات، أقنية ري تحت الأرض، سدود، وجسور. ودراسة دلبش ورفاقها (1997) بيّنت أن عجلتين أو ثلاثاً أو أربعاً قد تشترك في السد نفسه، واحدة أو اثنتين على كل ضفة. القيمة الهندسية، إذن، في إدارة التيار لا في دوران الخشب وحده.
تفصيل هندسي: العجلة ترفع الماء أمتاراً معدودة فوق سطح النهر. أما وصول الماء إلى حي يبعد مئات الأمتار، أو إلى الجامع الأعلى الكبير على بعد نحو كيلومتر كما في حالة المحمدية، فيعتمد على انحدار القناة الحجرية لا على قوة الدوران بعد نقطة التفريغ.
اقرأ أيضاً: الجامع الأعلى الكبير في مدينة حماة: تاريخ ومعمار
كيف غيّر نظام النواعير العلاقة بين النهر والمدينة والبساتين؟
قبل المضخات الحديثة، كانت ضفتا العاصي داخل حماة فضاءً زراعياً حضرياً. النواعير لم تسقِ الحقول البعيدة وحدها، بل صنعت حزاماً أخضر ملاصقاً للعمران، وجعلت الماء يصل إلى قلب الأحياء. ومع حقوق التوزيع والجداول الزمنية صار النهر مورداً يُدار اجتماعياً، لا مشهداً طبيعياً فقط.
النتيجة العمرانية مباشرة: البستان، والحمام، والجامع، والبيت، كلها ارتبطت بخط ماء يأتي من عجلة على النهر. وعندما انقطع هذا الخط في العصر الحديث لم تختفِ المدينة، لكن علاقتها بالنهر تحولت من اعتماد تشغيلي إلى علاقة تراثية ومشهدية.
اقرأ أيضاً:
متى ظهرت النواعير في حماة؟ وما الذي تثبته الأدلة؟
تاريخ التقنية في وادي العاصي أقدم من أي دولاب خشبي قائم اليوم. وتاريخ المنشأة المؤرخة بالنقش أضيق من تاريخ الاستعمال في المدينة. الخلط بين المستويين هو أكثر الأخطاء شيوعاً في الروايات العامة.
تمثيلات النواعير في أفاميا وما الذي تثبته فعلاً

أقدم تصوير معروف لناعورة في المنطقة جاء من أفامية، على بعد نحو خمسة وخمسين كيلومتراً شمال حماة، لا من حماة نفسها.
في عام 2021 أعلنت جامعة وارسو، بالتعاون مع المديرية العامة للآثار والمتاحف، تحديد تمثيل لعجلة مائية ضخمة على فسيفساء أفامية مؤرخة إلى النصف الأول من القرن الرابع الميلادي، وربما إلى العهد القسطنطيني (306–337م). الباحث ماريك أولشيفسكي وصف العجلة بأنها خشبية رأسية على قاعدة حجرية هرمية متينة، ترفع ماء العاصي إلى منشآت حمامات رومانية صغيرة. هذا التمثيل أقدم بنحو مئة وخمسين عاماً من الفسيفساء التي اعتُمدت طويلاً بوصفها الأقدم.
الفسيفساء الثانية، المكتشفة في ثلاثينيات القرن العشرين على يد بعثة بلجيكية، تؤرخ إلى عام 469م بنقش إهدائي، وكانت تزيّن رواق الكاردو ماكسيموس في أفاميا. وهي التي اعتمدها ملف اليونسكو عام 1999 ومتحف بلا حدود بوصفها الدليل الأيقوني الكلاسيكي. وتظهر فيها عوارض خشبية، وإطار دائري، وماء ينسكب من الصناديق، وقاعدة مثلثة من كتل حجرية تحمل المحور.
اقرأ أيضاً:
ماذا تثبت اللوحتان؟ تثبتان أن تقنية العجلة الرافعة بقوة التيار كانت معروفة ومستعملة في وادي العاصي في العصر الروماني المتأخر والبيزنطي المبكر، وأن هيئتها العامة تشبه نواعير حماة اللاحقة. وماذا لا تثبتانه؟ لا تثبتان أن أي ناعورة خشبية قائمة اليوم في حماة تعود إلى القرن الرابع أو الخامس، ولا أن الرومان بنوا المحمدية أو المأمورية أو الجسرية.
ماذا قال ياقوت الحموي عن وجود النواعير في حماة؟
ياقوت الحموي (ت. 626هـ/1229م) شهادة جغرافية وسيطة قريبة من بلاد الشام. المتحف الوطني الدنماركي يقرأ في نصه أن حماة كانت تضم عدداً من عجلات الماء منذ نحو عام 884م. هذا، إن صحّ التأويل الزمني، دليل على وجود التقنية في المدينة في القرن التاسع الميلادي، أي قبل النواعير المؤرخة بالنقوش بقرون.
لكن شهادة ياقوت دليل على التقنية والحضور، لا على بقاء ناعورة بعينها. هو لا يؤرخ دولاباً خشبياً قائماً اليوم، ولا يحدد أسماء المجموعات الحالية. قيمته أنه يخرج المسألة من الرواية الشعبية إلى نص جغرافي وسيط.
أقدم النواعير الباقية ليست بالضرورة أقدم نواعير عُرفت في المدينة
أقدم النواعير الباقية القابلة للتأريخ بالنقش هما المحمدية (763هـ/1361م) والمأمورية (867هـ/1453م). أما أقدم النواعير الباقية من حيث نسبة الفترة الإنشائية العامة فتعود، وفق متحف بلا حدود والمتحف الدنماركي، إلى العهد الأيوبي، أي إلى أواخر القرن السادس ومطلع السابع الهجريين (أواخر القرن الثاني عشر ومطلع الثالث عشر الميلاديين)، بعد عهد نور الدين محمود بن زنكي وترميمات ما بعد زلزال 552هـ/1157م.
هذا يعني أن المدينة عرفت النواعير قبل العجلات القائمة، وأن كثيراً من المنشآت أعيد بناؤه فوق مواقع أقدم. النقش يؤرخ تدخلاً عمرانياً موثقاً. والموقع قد يكون أقدم من النقش. والخشب الظاهر اليوم أحدث من الاثنين.
ما الذي لا يظهر في الرواية الشائعة عن «أقدم نواعير العالم»؟
تبدو الصورة في الروايات التمهيدية وكأن نواعير حماة كيان واحد عمره «آلاف السنين» بناه الرومان وما زال يدور بخشبه الأصلي. غير أن ترتيب الأدلة يفرض ثلاث طبقات زمنية لا طبقة واحدة: تقنية العجلة المائية في وادي العاصي موثقة أيقونياً منذ القرن الرابع الميلادي في أفاميا؛ وحضور النواعير في حماة موثق نصياً في المصادر الوسيطة على الأقل منذ القرن التاسع أو الثاني عشر بحسب قوة القراءة؛ أما العجلات الخشبية القائمة فتعود في أقدم نسبها المؤكدة إلى العصر الأيوبي، وفي أقدم نقوشها إلى العصر المملوكي.
تكمن أهمية هذا التفصيل في أنه يحفظ للمدينة قدم التقنية من دون أن ينسب إلى الدولاب الحالي عمراً لا تحتمله مادة الخشب ولا الوثائق. الرواية العامة صحيحة في حدودها إذا قيل إن حماة تقع في إقليم عرف الناعورة منذ العصور الكلاسيكية المتأخرة. وهي تتجاوز الدليل إذا حوّلت كل عجلة قائمة إلى أثر روماني محفوظ.
النواعير المؤرخة بالنقوش
لا تحمل كل ناعورة تاريخاً محفوراً. المؤرخ بالنقش أقل عدداً وأعلى قيمة توثيقية. المحمدية مؤرخة سنة 763هـ/1361م على قناتها. والمأمورية مؤرخة سنة 867هـ/1453م. ويشير ملف اليونسكو إلى أن بعض النواعير نُسبت إلى أمراء أو ولاة أنشأوها لري أملاكهم أو لتغذية القصور والدور والمساجد والحمامات والخانات.
النقش وثيقة إدارة مائية بقدر ما هو وثيقة عمارة. هو يثبت لحظة تمويل وبناء، ويسمي الوظيفة، وقد يسمي المسجد أو الحي المستفيد. لكنه لا يجمد العجلة عند تلك السنة إلى الأبد.
لماذا أعيد بناء النواعير الخشبية مراراً؟
الخشب في الماء والشمس قوة ومرونة، لكنه مادة مستهلكة. متحف بلا حدود يقدّر أن العجلة تحتاج استبدالاً دورياً، وأن دورة التجديد الكاملة قد تقع نحو كل خمسة عشر عاماً إذا أُحسنت الصيانة. ودراسة دلبش وثّقت «نجارة النواعير» بوصفها حرفة مستقلة تراقب الفك والتركيب لا الزخرفة.
اقرأ أيضاً: كيفية الحفاظ على التراث الثقافي السوري غير المادي: الإستراتيجيات والرؤى
لذلك فإن تاريخ الموقع أو النقش لا يعني أن كل عارضة ظاهرة اليوم تعود إلى القرن الرابع عشر. الحجرية والقناة قد تحفظان عمراً أطول. أما الدولاب فجسد متجدد فوق قاعدة أقدم. الخلط بين عمر الحجر وعمر الخشب هو ما يولّد عبارة «هذه الناعورة عمرها سبعمئة سنة» من دون قيد.
كيف تعمل نواعير حماة؟ هندسة العجلة والقناة والماء
الآلية بسيطة في المبدأ، دقيقة في المعايرة. التيار يدير العجلة، والصناديق ترفع الماء، والقناة تنقله، والسد يضبط القوة. أي خلل في واحدة من هذه الحلقات يوقف المنظومة حتى لو بقيت العجلة سليمة شكلاً.
1نهر العاصي
2السد / الحاجز
3ريش الناعورة (الأطابيع)
4الصناديق (الجامعات)
5الحوض العلوي
6القناة الحجرية
7القناطر
8البساتين والمنشآت
العجلة الخشبية ومحور الدوران

تتألف العجلة من محور مركزي يُعرف محلياً بالقلب، ومن أعتاب وأذرع ووشاحات ودوائر محيطية. القلب، وفق توثيق الحرفة الحموية، كتلة من خشب الجوز مربعة المقطع في الوسط، أسطوانية الطرفين، ترتكز على قواعد حجرية في المجرى. ومن المحور تنطلق عوارض تُثبت عمودياً، فتكوّن شكلاً مربعاً في المركز ثم تتشعع نحو المحيط، كما وصف متحف بلا حدود.
على المحيط تُثبت ألواح الدفع، أي الأطابيع أو الريش، التي يتلقاها تيار الماء الموجَّه من السد. المسافة بين الريش والصناديق شبه ثابتة في التحليل التقني لدلبش: نحو خمسين سنتيمتراً، بحيث تملك عجلة محيطها ثلاثون متراً ستين صندوقاً وستين ريشة. البنية واحدة مهما اختلف القطر، من نحو سبعة أمتار إلى ما يقارب اثنين وعشرين متراً.
الصناديق الخشبية التي ترفع الماء
الصناديق، وتُسمى أيضاً الجامعات أو الغرف، أوعية خشبية مثبتة على المحيط. تغطس في المجرى فتمتلئ، ثم ترتفع ممتلئة حتى تبلغ أعلى الدوران، فتنسكب في حوض حجري ضيق نسبياً وعريض بما يكفي لاستيعاب دفعة الماء. ليست أواني فخارية معلقة، وهذا من فوارق نواعير العاصي عن بعض دواليب الري في أقاليم أخرى.
حجم الصندوق وعدد الصناديق يحددان كمية الرفع في الدورة الواحدة. ناعورة كبيرة كالمحمدية أو المأمورية تحمل في الروايات المؤسسية نحو مئة وعشرين صندوقاً. والجسرية، وهي أصغر منهما، تُذكر في الجرود المحلية بستين صندوقاً. الرقم جزء من تصميم العجلة، لا تفصيلاً زخرفياً.
كيف ينتقل الماء من الناعورة إلى القنوات؟
بعد التفريغ يستلم حوض حجري الماء، ثم يندفع في قناة محمولة على قناطر. مقطع قصير من القناة يجري موازياً للعجلة والنهر، ثم ينعطف بزاوية قائمة نحو المدينة أو البساتين. الجاذبية هي المحرك بعد هذه النقطة. كلما طالت القناة واتسق انحدارها اتسع مجال الخدمة.
كثير من هذه القناطر قُطع أو هُدم في العصر الحديث. النتيجة أن بعض النواعير ما زالت تدور وترفع الماء، لكنها لا توصله بعيداً. المشهد التشغيلي الحالي، في أحسن أحواله، نصف منظومة: العجلة حية، والشبكة مقطوعة.
السدود والمنشآت المساعدة في تشغيل الناعورة
من دون سد أو حاجز يتركز التيار، تضعف قدرة العجلة أو تتوقف. السد الحجري المنخفض يرفع المنسوب، ويمرر الماء في مجرى ضيق نحو الريش. إذا انخفض النهر مرّ الماء كله تقريباً في ممر الناعورة. وإذا ارتفع فاض الزائد فوق الحاجز. وقد تُضاف بوابات لضبط الضغط والسرعة.
اشتراك أكثر من ناعورة في سد واحد، كما في مجموعة البشريات، يعني أن التيار مورد مشترك يُوزَّع هندسياً قبل أن يُوزَّع اجتماعياً في القنوات. إدارة الماء تبدأ من الحجر في المجرى، لا من الصندوق في الأعلى.
كيف يؤثر منسوب العاصي في تشغيل الناعورة؟
قوة الدوران تابع لمنسوب النهر وسرعته وسلامة الممر. في الموسم المنخفض تتوقف النواعير أو تبطئ، وهو ما سجله ملف اليونسكو: عمل موسمي يتوقف حين يبلغ النهر أدنى مستوياته. وفي سنوات الجفاف الحديثة صار انقطاع الماء نفسه سبباً لتلف الخشب، لأن العجلة الرطبة المصممة للغمر تتضرر إذا جفت وتُركت للشمس.
حجم العجلة ليس ميزة مطلقة في كل منسوب. العجلة الأكبر ترفع أعلى، لكنها تحتاج تياراً أقوى ومجراً أعمق. لذلك تتجاور في الموقع نفسه نواعير مختلفة الأقطار على سد واحد، كل منها معاير لوظيفة ومنسوب.
الأخشاب والحرفة التي صنعت نواعير حماة
حرفة النواعير معرفة مادية متوارثة، لا مهارة عامة في النجارة. دلبش ورفاقه، الذين تابعوا ورش الترميم بين عامي 1980 و1988، وصفوا «نجارة النواعير» جسماً مهنياً مستقلاً. ومن دون هذه المعرفة لا تبقى التقنية، حتى لو بقيت الحجرية.
لماذا صُنعت النواعير من الخشب؟
الخشب يتحمل الصدمات المتكررة للماء، ويقبل الفك والاستبدال قطعة قطعة، وهو أخف من المعدن على محور طويل. وهو أيضاً مادة محلية نسبية، يمكن تجديدها دون إعادة بناء القاعدة الحجرية. المرونة هنا قيمة إنشائية: العجلة يجب أن تدور، لا أن تتجمد في صلابة حجرية.
اختيار النوع ليس عشوائياً. القلب من الجوز لصلابته وقدرته على حمل العجلة. الوشاحات والأذرع من الحور لطول جذوعه وخفته ومقاومته النسبية للماء. الصناديق وأجزاء المحيط من الصنوبر أو المشمش بحسب الوظيفة. في أعمال الصيانة الحديثة استُخدمت أيضاً أخشاب السرو والكينا عند تعذر الأنواع التقليدية. المادة تتبع توافرها، لكن منطق التوزيع الوظيفي بقي: الأثقل في المحور، والأطول في الأذرع، والأخف في الصناديق.
كيف تُركّب العجلة وتُثبت أجزاؤها؟
التركيب عمل معايرة قبل أن يكون تجميعاً. يُثبت القلب بين الأعتاب بأسافين، ثم تُربط الدوائر بالوشاحات، ثم تُركَّب الجامعات والريش. الوصلات تعتمد المسامير والتخشين والتعشيق أكثر مما تعتمد اللصق. وبعد التركيب يُوزن الدوران حتى لا يميل المحور أو يضرب الحجرية.
المصطلحات المحلية موثقة في أدبيات الحرفة: القلب، الأعتاب، الوشاحات، الدائرة، الجامعات، البيكار، الأطابيع، الأسافين. استعمالها مفيد بعد بيان معناها، لأنها تصف أجزاء لا تغطيها كلمة «عجلة» وحدها. نجّار الأثاث قد يعرف الخشب، لكنه لا يعرف بالضرورة كيف تُعاير ناعورة على تيار حي.
الحرفيون المتخصصون في صيانة النواعير

الصيانة ليست ترميم أثر ميت. هي فك دوري لأجزاء تالفة، واستبدال صناديق ووشاحات، وأحياناً «كشطة» كاملة تُنزع فيها الخشبيات كلها ثم تُعاد. الحرفة تنتقل داخل عائلات وورش مرتبطة بدائرة النواعير في مجلس مدينة حماة. ويحيى الظاظا، أحد العاملين الموثقين في المصلحة، ذكر أنه يعلّم أبناءه المهنة ويصنع أيضاً نماذج تزيينية صغيرة، في إشارة إلى تحول جزئي من التشغيل الحضري إلى حفظ المهارة.
التحدي الأوضح منذ العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين هو نقص الخبرات. رئيس دائرة النواعير صرّح عام 2025 أن كثيراً من الخبرات القديمة فقدت، وأن الدائرة تسعى إلى تدريب جيل جديد. الحرفة مهددة لا لأن التقنية غامضة، بل لأن سوقها التشغيلية انكمشت وموادها غلت وخبراتها هاجرت أو تقاعدت.
انتقال حرفة النواعير من الاستخدام إلى التراث
حين كانت الناعورة تسقي المدينة كانت الحرفة بنية تحتية. وحين توقفت عن التغذية اليومية صارت الحرفة تراثاً غير مادي معلقاً بأثر مادي. هذا التحول دقيق: الخشب ما زال يُبدَّل، لكن الغاية صارت بقاء الدوران والصوت والمشهد، لا ملء آبار الحي.
تقارير السنوات الأخيرة وثّقت برامج ترميم وتدريب حرفيين شباب، وربطت صون الحرفة بصون العجلات. سواء أُدرجت الحرفة في قوائم وطنية أو بقيت ممارسة إدارية داخل مجلس المدينة، فالمسألة واحدة: لا حماية طويلة للنواعير من دون حماية معرفة من يصنعها.
اقرأ أيضاً: الحرف التقليدية السورية: كيف نحافظ على إرث عريق ونبني مستقبلاً واعداً؟
أين تنتشر نواعير حماة؟ المجموعات والأسماء
لا يوجد رقم واحد نهائي لعدد النواعير من دون تحديد السنة والمجال. ملف اليونسكو عام 1999 يذكر سبعة عشر نموذجاً مهماً داخل حماة. المتحف الدنماركي يوثق أكثر من خمسين نحو عام 1900، ونحو عشرين في ثلاثينيات القرن العشرين، وسبعة عشر عام 2002 خرجت من الاستخدام الوظيفي بحلول 2009. إحصاءات محافظة حماة عام 2003 ذكرت مئة وثلاث نواعير في المحافظة موزعة على ستين موقعاً. وفي عام 2024 تحدثت مصادر محلية عن أربع وعشرين ناعورة قائمة في المدينة، تسع عشرة منها عاملة آنذاك، مقابل مئة وإحدى عشرة حجرية بلا دولاب على مجرى العاصي من الرستن إلى العشارنة. وفي 2025–2026 هبطت تقديرات العدد العامل مجدداً مع الجفاف والصيانة.
الجرد التاريخي المتداول داخل المدينة ينظم النواعير في خمس مجموعات بحسب موضعها على النهر، لا بحسب شهرتها السياحية. القيمة ليست في قائمة الأسماء، بل في ربط كل مجموعة بالضفة والسد والوظيفة.
- البشرية الكبرى
- البشرية الصغرى
- ناعورتان عثمانيتان
- الجسرية
- المأمورية
- المؤيدية
- العثمانية
- الكيلانية (أم الحسن)
- الجعبرية (ناعورة المرستان)
- الطوافرة
- الخضر (الخضورة)
- الدوالك
- الدهشة
- المحمدية
- القاق (البقصف)
اقرأ أيضاً: معالم حماة التاريخية: رحلة عبر الزمن في مدينة العاصي
مجموعة البشريات

(Photo by Paolo KOCH/Gamma-Rapho via Getty Images)
تقع عند المدخل الشرقي للمدينة، على هيئة أربع نواعير تشترك في منظومة سد واحدة، وتُعرف أيضاً بموقع «النواعير الأربع». تضم البشريتين الكبرى والصغرى، المنسوبتين في الرواية المحلية إلى مقام الشيخ بشر على مرتفع مجاور، والناعورتين العثمانيتين المتماثلتين تقريباً على الضفة الأخرى أو أمامهما.
كانت المجموعة تسقي بساتين المدخل الشرقي، ومنها ما تسميه السجلات الشرعية بستان الجبرانية حين كانت تُعرف بالجاجية. زوال البساتين وحلول المباني مكانها غيّر وظيفة الموقع من ري زراعي إلى معلم دخول بصري للمدينة. وفي عام 2023 تضررت حجرية البشرية الكبرى بفعل الزلزال، ما يذكّر بأن الخطر لا يصيب الخشب وحده.
مجموعة الجسريات

(Photo by FSvetlana via shutterstock)
تقوم في وسط المدينة قرب جسر السرايا وحديقة أم الحسن، وتضم في القوائم المتداولة الجسرية والمأمورية والمؤيدية والعثمانية. الجسرية أشهرها موقعاً لا حجماً؛ قطرها نحو خمسة عشر متراً، وكانت تُسمى اليزبكية في سجل المحكمة الشرعية لسنة 975هـ/1567م، ثم ناعورة العبيسي في وقفية ياسين الكيلاني المؤرخة 1183هـ/1725م.
المأمورية أكبر نواعير المجموعة وأحد أكبر دولابين في المدينة. المؤيدية والعثمانية أصغر، وتُنسبان في الروايات المحلية إلى أحمد بن مؤيد العظم وعثمان باشا، وكانتا تغذيان منشآت مثل جامع الخانقاه وحمام عثماني بحسب الجرود العثمانية المتأخرة. المجموعة، بهذا، ليست سياحية فحسب؛ هي عقدة مائية لوسط المدينة والجسور والحدائق.
مجموعة الكيلانيات

(Photo by Luis Dafos via Getty Images)
تجتمع حول جسر الكيلانية والجامع النوري، وتتألف في الجرد الشائع من أربع نواعير: ثلاث على الضفة اليسرى وواحدة على الضفة اليمنى. الأسماء المتكررة: الكيلانية أو دولاب أم الحسن، الجعبرية أو ناعورة المرستان، والطوافرة. وتظهر في صور البعثة الدنماركية أيضاً الجابرية والصهيونية، ما يدل على اختلاف التسمية بين جيل ميداني وآخر.

(Photo by Paolo KOCH/Gamma-Rapho via Getty Images)
الكيلانية تحمل اسم عائلة الكيلاني، وكانت ملكية خاصة مرتبطة ببساتين الأسرة. الجعبرية ارتبطت بسقاية البيمارستان النوري عبر الضفة. المجموعة توضح أن بعض النواعير كانت وقفاً أو ملكاً عائلياً يخدم منشأة محددة، لا مورداً عمومياً مجرداً.
مجموعة شمال القلعة

(Photo by Waj via shutterstock)
تقع في محلة باب الجسر على الطرف الشمالي لقلعة حماة، وتضم الخضر أو الخضورة، والدوالك، والدهشة. اثنتان على الضفة اليسرى وواحدة على اليمنى في الجرد المتداول. الخضورة مذكورة في وقفية مراد أفندي الدفتري سنة 927هـ/1520م، وتُنسب تسميتها إلى بستان مجاور أو إلى مقام الخضر في الرواية المحلية.

(Photo by MAHER AL MOUNES / AFP) (Photo by MAHER AL MOUNES/AFP via Getty Images)
ارتباط المجموعة بالقلعة يعني أنها كانت جزءاً من تغذية الحافة الشمالية للعمران الدفاعي والديني، ومنها منشآت أبي الفداء في جهة الدهشة. الموقع يربط الماء بالحصن لا بالبستان الريفي فقط.
مجموعة باب النهر
عند مخرج العاصي من المدينة تقع المحمدية والقاق، وإلى جانبهما ناعورتان تذكرهما السجلات القديمة ولم تعودا قائمتين منذ نحو نصف قرن: العونية والبركة. المحمدية أكبر نواعير حماة وأبعدها أثراً في تغذية الحي الغربي نحو الجامع الكبير. القاق أصغر، وتشترك معها في السد، وتُعرف أيضاً في بعض النصوص بالبقصف.
المجموعة تُظهر الفرق بين الجرد الحي والجرد التاريخي. إحصاء «ما بقي» يستبعد العونية والبركة. أما فهم الشبكة القديمة فيحتاج إليهما، لأن اختفاء دولاب لا يمحو أنه كان جزءاً من توزيع باب النهر.
المحمدية والمأمورية: النواعير التي تحفظ تواريخها في النقوش
النقش يحوّل العجلة من آلة مجهولة التاريخ إلى وثيقة. والمحمدية والمأمورية هما الحالتان اللتان تسمحان بدراسة دقيقة للقطر والوظيفة والسنة دون الاعتماد على التقدير العام وحده.
ناعورة المحمدية

Pavel Chlum \ shutterstock
المحمدية أكبر نواعير حماة وأقدمهما تأريخاً بالنقش. بنيت سنة 763هـ/1361م في باب النهر. تتراوح تقديرات قطرها بين نحو عشرين متراً في المتحف الدنماركي، وواحد وعشرين متراً في الجمعية الأميركية للمهندسين الميكانيكيين ومتحف بلا حدود، واثنين وعشرين متراً في ملف اليونسكو. ارتفاع قناتها نحو 17.5 متراً. عدد صناديقها في الروايات الهندسية مئة وعشرون صندوقاً. وبقي من قناطرها أربعة عشر عقداً وفق توثيق الجمعية الأميركية، فيما يذكر المتحف الدنماركي أن القناة كانت تضم اثنين وثلاثين عقداً حين كانت توصل الماء إلى الجامع الكبير.
نص الكتابة التأريخية، كما أوردته نشرة الجمعية الأميركية عام 2006، يفيد أن هذه الناعورة المباركة الكبيرة بنيت لإيصال الماء إلى المسجد الأعلى في حياة ولي أمر مملكة حماة سنة 763هـ. الوظيفة هنا حضرية صريحة: تغذية الجامع الأعلى الكبير، وحمام الذهب، وبساتين وبيوت الحي، عبر قناة تمتد نحو كيلومتر عن ضفة النهر.
بعض المصادر المحلية تنسب الإنشاء إلى الأمير أيدمر بن عبد الله الشيخي. النقش كما نُشر بالإنكليزية لا يورد هذا الاسم صراحة في النص المختصر، لذلك يُعرض النسب الأميري بوصفه رواية تاريخية محلية مكمّلة، لا بديلاً عن الكتابة المؤرخة. رُممت المحمدية عام 1977، وصُنفت في 22 كانون الأول/ديسمبر 2006 معلماً تاريخياً في الهندسة الميكانيكية (Historic Mechanical Engineering Landmark) برقم 241.
الناعورة المأمورية

(Photo by MAHER AL MOUNES / AFP) (Photo by MAHER AL MOUNES/AFP via Getty Images)
المأمورية ثاني أكبر نواعير المدينة، وقطرها في ملف اليونسكو ومتحف بلا حدود واحد وعشرون متراً، وعليها مئة وعشرون صندوقاً خشبياً. تاريخها 867هـ/1453م، أي في بدايات العهد العثماني بحسب تصنيف متحف بلا حدود، وإن بقيت التقنية أيوبية-مملوكية في جوهرها.
وظيفتها أوسع من تغذية جامع واحد. ملف اليونسكو يذكر أنها كانت معدة لسقاية حدائق ومتنزهات، وتسعة مساجد، وأربعة حمامات، ومئة بئر. هذا التوزيع يجعلها عقدة شبكة لا دولاباً زراعياً مفرداً. موقعها ضمن مجموعة الجسريات، قرب الجسرية والمؤيدية والعثمانية، يفسر قدرتها على خدمة وسط المدينة لا طرفها فقط.
في عام 2026 نُقلت المأمورية إلى ورشة دائرة النواعير لصيانة شاملة، في صورة واضحة لتحول الناعورة من آلة في النهر إلى «مريض» خشبي يُفك ويُعاد تركيبه. الغلاء وصعوبة تأمين خشب الجوز والحور صارا جزءاً من تاريخها الحديث مثل نقش 1453 من تاريخها الوسيط.
ماذا تكشف النواعير المؤرخة عن تطور النظام المائي في حماة؟
النقش المملوكي عام 1361 والنقش العثماني المبكر عام 1453 لا يرويَان قصة عجلتين فقط. هما يثبتان أن الإدارة المائية في حماة كانت مشروعاً سياسياً وعمرانياً يُموَّل ويُؤرخ ويُربط بمنشأة عامة كالمسجد الأعلى. كما يثبتان استمرار التقنية نفسها مع تضخم الحجم: العجلة لم تتغير نوعاً، بل كبرت لتخدم مدينة أوسع وحقوق ماء أكثر تعقيداً.
بين الترميم الزنكي بعد 1157، والعجلة الأيوبية غير المؤرخة بدقة، والمحمدية المملوكية، والمأمورية العثمانية، يتضح أن النظام لم يُخترع دفعة واحدة ولم يندثر دفعة واحدة. كان يُعاد بناؤه كلما دعت الحاجة السياسية أو الزلزالية أو الزراعية، فوق مبدأ ثابت: رفع ماء العاصي إلى المدينة.
| وجه المقارنة | المحمدية | المأمورية |
|---|---|---|
| تاريخ البناء | 763هـ / 1361م | 867هـ / 1453م |
| الموقع | مجموعة باب النهر | مجموعة الجسريات |
| القطر التقديري | 20–22 متراً | 21 متراً |
| عدد الصناديق الخشبية | 120 صندوقاً | 120 صندوقاً |
| ارتفاع القناة | نحو 17.5 متراً | غير محدد بدقة في المصادر |
| عقود القناطر الباقية | 14 عقداً (من أصل 32 تاريخياً) | غير مذكور بدقة |
| الوظيفة الأساسية | تغذية الجامع الأعلى الكبير وحمام الذهب | سقاية 9 مساجد و4 حمامات و100 بئر وحدائق |
| التصنيف الدولي | معلم تاريخي هندسي (ASME) 2006 | غير مصنفة دولياً |
| حالة 2025–2026 | صيانة بعد تخريب تموز 2025 | نقل إلى ورشة صيانة شاملة 2026 |
ماذا كانت النواعير تسقي؟ من البساتين إلى قلب المدينة
اختزال النواعير في «الري الزراعي» يحجب نصف وظيفتها. الشبكة كانت حضرية وزراعية في آن، وهذا ما جعلها قادرة على تشكيل عمران حماة لا محيطها الأخضر فقط.
ري البساتين والأراضي الزراعية
الزور، أي الأراضي الخصبة على ضفتي العاصي، كانت تُسقى بناعورة أو أكثر بحسب المساحة والحاجة، كما نص ملف اليونسكو. الأشجار المثمرة والبساتين الحموية اعتمدت على هذا الرفع الموسمي. وحين اندثرت نواعير الأرياف بقي لنواعير المدينة قيمة استثنائية، لأنها حفظت النموذج بعد أن زال كثير من نظائره خارج الحيز الحضري.
البستان هنا ليس خلفية تجميلية. هو اقتصاد محلي ومصدر غذاء وفضاء اجتماعي على النهر. اختفاؤه تحت البناء الحديث يفسر لماذا تدور بعض العجلات اليوم أمام شوارع لا أمام جنات.
تزويد المساجد والحمامات والمنشآت العامة
المحمدية إلى الجامع الكبير وحمام الذهب. المأمورية إلى تسعة مساجد وأربعة حمامات. الجعبرية إلى البيمارستان النوري. العثمانية إلى الحمام العثماني وجامع الخانقاه. هذه الأمثلة تخرج الناعورة من الحقل إلى المؤسسة.
الماء في الحمام والجامع والسبيل وظيفة مدنية. ومن دونها لا تُفهم الناعورة بوصفها بنية تحتية للمدينة الإسلامية الوسيطة، لا آلة فلاحية فقط.
اقرأ أيضاً: أقدم المساجد في سوريا منذ الفتح الإسلامي: خريطة تاريخية لمواضع الصلاة الأولى
وصول الماء إلى البيوت والأحواض والصهاريج
المتحف الدنماركي يذكر أن الماء كان يُوجَّه إلى صهاريج مرتبطة بالبيوت، لا إلى الحقول وحدها. وأبو الفداء نصّ على أن ماء النواعير يدخل كثيراً من الدور. والآبار المئة المرتبطة بالمأمورية، وآبار حي المحمدية عبر سراديب مثل سراب المرابط والباشورة في الجرود المحلية، تدل على شبكة تخزين لا على سقاية فورية فقط.
الصهريج والآبار يمدّان زمن الاستفادة بعد توقف العجلة ليلاً أو في انخفاض النهر. الناعورة ترفع، والبيت يخزّن، والجدول الزمني ينظّم الحصص.
كيف كان يُنظَّم توزيع المياه؟
الرفع الميكانيكي لا يكفي إذا لم يُوزَّع الماء بعدالة زمنية. المتحف الدنماركي يسجل أن جداول دقيقة كانت تنظم حق الانتفاع حتى يمكن اقتسام الماء. هذا الجانب حقوقي وإداري، ويظهر في الوقفيات والسجلات الشرعية التي تسمي البستان المستفيد والناعورة المغذية.
الحق قد يكون لوقف جامع، أو لعائلة مالكة كالكيلاني، أو لبساتين متعددة تتناوب. لذلك كانت الصيانة مسؤولية مشتركة أو وقفية، لا عملاً فردياً متروكاً لنجّار. فهم الناعورة من دون جدول الحصص فهم لآلة بلا مجتمع.
أثر شبكة المياه في نمو حماة عمرانياً
السلسلة كاملة: النهر يمنح القوة، الناعورة ترفع، القناة توصل، البستان يُزرع، الحمام والجامع يُغذَّيان، البيوت تُسكن على مقربة من الماء، والمدينة تتوسع على الضفتين بدل أن تُدير ظهرها للمجرى المنخفض. النواعير لم تُضف إلى مدينة مكتملة؛ ساعدت على جعل موضع حماة قابلاً للعمران الكثيف على نهر عميق المجرى.
عندما حلت المضخات محل العجلات، انفصلت المدينة عن هذا القيد الهندسي. اتسع البناء حيث كان البستان، وقُطعت القناطر، وبقيت العجلة علامة على علاقة قديمة بين الماء والعمران.
نواعير حماة في المصادر والذاكرة الثقافية
الصورة الحديثة للنواعير مدينة للشعر والصوت والسياحة بقدر ما هي مدينة للوثيقة. لكن الشهادة الوسيطة تبقى الأساس، والرواية الأدبية تُعرض بوصفها ذاكرة لا دليلاً إنشائياً.
كيف وصف أبو الفداء نواعير حماة ووظيفتها؟
أبو الفداء، الملك المؤيد صاحب حماة (ت. 732هـ/1331م)، كتب من موقع الحاكم والجغرافي لا من موقع الرحالة العابر. ونُقل عنه قوله: «حماة من الشام، مدينة أزلية، وهي من أنزه البلاد الشامية، وبها نواعير على العاصي تسقي أكثر بساتينها ويدخل منها الماء إلى كثير من الدور».
النص يجمع ثلاثة أمور: قدم المدينة، وامتياز منظرها، ووظيفة مزدوجة للنواعير في البساتين والبيوت. وهو أقدم شهادة حموية نافذة تربط الآلة بالحياة اليومية داخل الأسوار. أبو الفداء نفسه ارتبط عمرانياً بمنشآت الدهشة، ومنها جامع وناعورة في الرواية المحلية، ما يجعل كلامه معرفة قريبة من الإدارة المائية لا وصفاً سياحياً متأخراً.
النواعير في كتب الجغرافيين والمؤرخين
ياقوت يثبت الحضور المبكر في الوعي الجغرافي. وابن جبير وابن بطوطة، وفق دراسة سلام الجيجكلي وعبير أركاوي (2020)، ربطا في رحلتيهما بين نهر حماة وبساتينها ودواليبها. والمصادر الأتابكية والأيوبية تضع ترميم الشبكة بعد زلزال 1157 ضمن إعادة إعمار نور الدين للمدينة ومنشآتها المائية.
في العهد العثماني تظهر الوقفيات والسجلات الشرعية بأسماء النواعير والبساتين المستفيدة، وتتحول التسمية من وظيفة عامة إلى اسم علم: الجسرية، الكيلانية، العثمانية. هذا التراكم النصي أهم من أي عبارة حديثة عن «أقدم نواعير العالم»، لأنه يبني تاريخ استعمال لا شعار هوية.
أنين النواعير في الأدب والشعر الحموي
الصوت جزء من المشهد. احتكاك الخشب الرطب، وانسكاب الماء من الصناديق، وصرير المحور، ولّدت في الذاكرة الحموية صورة الناعورة «النائرة» أو الأَنّانة. الأغنية التراثية «سمعت أنين الناعورة» ليست وثيقة تأريخ، لكنها دليل على أن الآلة دخلت الحس السمعي للمدينة كما دخلت بصرها.
في التحليل الثقافي، الصوت هنا أثر تشغيلي تحول إلى استعارة: الجهد المتكرر، والشكوى المثمرة، والسقاية التي لا تنقطع. يُذكر هذا بوصفه طبقة تراث غير مادي مرافقة للأثر، لا بوصفه مصدراً لتاريخ البناء.
اقرأ أيضاً: الموسيقا السورية: أصوات تعبر الزمان والمكان
كيف تحولت الناعورة إلى رمز بصري لمدينة حماة؟
الرمز وُلد من الكثافة لا من عجلة واحدة. سبع عشرة ناعورة على شريط حضري قصير، اثنتان منها من أكبر عجلات الماء الخشبية في العالم، تصنع علامة بصرية فريدة. وبعد توقف الوظيفة، ثبت الرمز أكثر: صار الدولاب صورة المدينة على الملصقات والمهرجانات وضفاف التنزه.
الخطر في هذه المرحلة أن يُختزل النظام الهندسي إلى ديكور نهري. الرمز قوي لأنه قام على وظيفة. وإذا نُسي الرفع والقناة والحق في الماء، بقي الشكل وفُقد المعنى.
نواعير حماة بوصفها تراثاً هندسياً ذا قيمة عالمية
القيمة العالمية المُدّعاة للنواعير تقوم على المنظومة لا على الشهرة المحلية وحدها. لكن الوضع القانوني في اليونسكو أضيق مما توحي به العبارة الشائعة «مسجلة في اليونسكو».
اقرأ أيضاً: التراث السوري المادي: ما هو وما أهميته؟
إدراج نواعير حماة في القائمة التمهيدية لليونسكو
في 8 حزيران/يونيو 1999 أدرجت الجمهورية العربية السورية «Noréas de Hama» في القائمة التمهيدية للتراث العالمي، بالمرجع 1291، تصنيفاً ثقافياً، وفق المعيارين (i) و(iv). قدّمت الملف المديرية العامة للآثار والمتاحف بمشاركة مركز التراث العالمي. الإحداثيات المعلنة تربط الموقع بحماة على العاصي، على بعد 226 كيلومتراً شمال دمشق.
الملف يصف سبعة عشر نموذجاً مهماً، ويميزها بالضخامة وبطبيعة التيار لا القوة الحيوانية، وبشبكة القنوات والسدود والقناطر. هذا الإدراج اعتراف بأهمية محتملة، لا إدراجاً في قائمة التراث العالمي المعلنة.
ما القيم التي تجعل النواعير ذات أهمية تراثية؟
القيمة الأولى هندسية: حل متكامل لرفع الماء من نهر منخفض المجرى من دون وقود. القيمة الثانية استمرارية التقنية من العصور الكلاسيكية المتأخرة إلى العصر الحديث عبر تجديد الخشب لا عبر تجميد الآلة. القيمة الثالثة مشهدية-حضرية: النهر والآلة والقناطر والبساتين كمنظومة بصرية واحدة. القيمة الرابعة اجتماعية: إدارة الحصص والوقف والملكية العائلية للماء. القيمة الخامسة حرفية: معرفة نجارة لا تنفصل عن تشغيل الأثر.
هذه القيم مجتمعة تفسر لماذا بقيت نواعير حماة أشهر من نواعير أخرى على العاصي اندثرت في الأرياف.
لماذا يجب التفريق بين «القائمة التمهيدية» و«قائمة التراث العالمي»؟
القائمة التمهيدية سجل وطني للنوايا: الدولة تعلن مواقع ترى أنها تستحق الترشيح لاحقاً. قائمة التراث العالمي تضم مواقع أُقرت بعد تقييم لجنة التراث العالمي. نواعير حماة، حتى تاريخ هذه المقالة، في القائمة الأولى لا الثانية.
عبارة «نواعير حماة مسجلة في اليونسكو» مضللة إذا أوحت بأنها موقع تراث عالمي مدرج. العبارة الدقيقة: مدرجة منذ 1999 في القائمة التمهيدية موقعاً ثقافياً. الدقة هنا ليست شكلية؛ هي تمنع خلط الحماية القانونية الفعلية بالترشيح غير المكتمل.
| وجه المقارنة | القائمة التمهيدية | قائمة التراث العالمي |
|---|---|---|
| التعريف | سجل وطني للنوايا تعلن فيه الدولة مواقع ترشّحها لاحقاً | قائمة رسمية لمواقع أُقرّت فعلياً بعد تقييم اللجنة |
| وضع نواعير حماة | مدرجة منذ 1999 (مرجع 1291) | غير مدرجة حتى اليوم |
| الجهة المقدِّمة | المديرية العامة للآثار والمتاحف | لجنة التراث العالمي في اليونسكو |
| الحماية القانونية الفعلية | ترشيح غير مكتمل بلا إلزام دولي | اعتراف وحماية دوليان رسميان |
| الخلاصة العملية | لا يصح قول “مسجلة في اليونسكو” استناداً إليها | هذا هو المسار الذي يمنح صفة “تراث عالمي” |
مكانة ناعورة المحمدية في تاريخ الهندسة الميكانيكية
في عام 2006 صنّفت الجمعية الأميركية للمهندسين الميكانيكيين ناعورة المحمدية معلماً تاريخياً في الهندسة الميكانيكية، بناء على ملف أعدّه المهندس محمود سمّان. النشرة الأصلية تصفها بأنها من أكبر عجلات الماء القائمة وأقدمها استمراراً، قطرها 21 متراً، تعمل بطاقة النهر وحده، وترفع الماء إلى قناة مرتفعة.
التصنيف هنا مهني هندسي، مستقل عن مسار اليونسكو. وهو ينقل المحمدية من خانة «معلم سياحي سوري» إلى خانة تاريخ التقنيات العالمية. للمقارنة: عجلة لاكسي في جزيرة مان تجاوزتها ارتفاعاً عام 1854، بعد نحو خمسة قرون كانت فيها المحمدية من أطول العجلات المعروفة.
من نظام للري إلى معلم تراثي: ماذا حدث للنواعير في العصر الحديث؟
التحول الحديث ليس انهياراً مفاجئاً. هو تراجع وظيفي طويل، أعقبه تحويل تراثي، ثم أزمات صيانة وجفاف وحرب ونقص خبرة.
لماذا تراجعت وظيفتها المائية؟
دخلت المضخات الآلية منطقة حماة منذ أوائل القرن العشرين، وتسارعت في الثلاثينيات. المضخة ترفع الماء حيث يُراد، دون حاجة إلى سد وعجلة وقناة مقنطرة. ومع تغير أنماط الري والشرب، لم تعد الناعورة ضرورة يومية. سد الرستن الذي أُنشئ عام 1960 غيّر نظام الجريان أعلى المدينة، فأضاف قيداً هيدرولوجياً على العجلات التي صُممت لتيار حر نسبياً.
التراجع وظيفي أولاً. العجلة لم تنكسر دفعة واحدة؛ استُغني عنها.
تراجع عدد النواعير وتغير حالتها
الأرقام لا تُلخَّص بجملة «يوجد اليوم 17 ناعورة». الجدول التالي يعيد ترتيب بيانات منشورة بحسب السنة والمجال، من دون خلطها في رقم واحد.
| الفترة | المجال المقصود | العدد أو الحالة | المصدر |
|---|---|---|---|
| نحو 1900 | مدينة حماة | أكثر من 50 عجلة | المتحف الوطني الدنماركي |
| مطلع القرن العشرين | المدينة والأراضي التابعة | 105، منها 25 داخل المدينة | الجرود المحلية المتداولة |
| ثلاثينيات القرن العشرين | المدينة | نحو 20 | البعثة الدنماركية / المتحف الدنماركي |
| 1970 | العاملة فقط | 8 | دراسات التشغيل |
| 1977–1988 | الترميم | ست ثم سبع نواعير في ذروة 1988 | برامج الصيانة الرسمية |
| 1999 | النماذج المهمة داخل المدينة | 17 | اليونسكو، القائمة التمهيدية |
| 2002–2009 | القائمة الحضرية | 17 قائمة، خرجت من الاستخدام بحلول 2009 | المتحف الوطني الدنماركي |
| 2003 | المحافظة | 103 في 60 موقعاً | إحصاء محافظة حماة |
| 2024 | المدينة والريف | 24 قائمة في المدينة (19 عاملة)؛ 111 حجرية بلا دولاب في الريف | تصريحات دائرة النواعير |
| 2025–2026 | المدينة | نحو 15 قائمة؛ تقديرات لاحقة بتسع دوائر فقط | تغطية محلية |
الجدول لا يحسم «العدد الصحيح». هو يفسر لماذا تختلف الأرقام: كل مصدر يحصي شيئاً مختلفاً.
الجفاف وتغير تدفق العاصي وتأثيرهما في التشغيل
في السنوات الأخيرة ارتبط توقف الدوران بانخفاض العاصي لا بفقدان الحرفة وحدها. تقارير 2025–2026 من حماة تذكر أن انقطاع الماء يسرّع تلف الأخشاب، لأن العجلة المصممة للغمر تتشقق إذا جفت. كما أن ضعف التيار يمنع حتى العجلة المرممة من العمل.
البيئة الهيدرولوجية جزء من الأثر. ترميم الدولاب دون ماء في المجرى يعيد شكلاً بلا وظيفة، ولو كانت الوظيفة اليوم مشهدية.
اقرأ أيضاً:
التخريب وتدهور الأخشاب ومشكلة الصيانة
إلى الجفاف أضيف العبث البشري. في تموز/يوليو 2025 أُعلن عن صيانة الجسرية والمحمدية بعد عبث أضر بسلامتهما. والحرب، رغم أن معظم النواعير نجت من دمار واسع، أضعفت الصيانة ورفعت كلفة الخشب وأفقدت المدينة عدداً من الحرفيين. زلزال 2023 صدع حجرية البشرية الكبرى. وكل هذه الأضرار تتراكم على مادة أصلها الاستبدال الدوري لا البقاء الأبدي.
الصيانة الكاملة كل ثلاث سنوات، والجزئية كل عام، قاعدة عمل دائرة النواعير كما تكرر في تصريحات 2023–2025. أي انقطاع في هذه الدورة يحوّل العجلة من آلة قابلة للترميم إلى هيكل مهدد بالسقوط.
ترميم نواعير حماة وحماية حرفة النواعير
الترميم في حماة طبقات: صيانة خشب العجلة، وترميم الحجرية والقناطر، وإعادة تأهيل الضفاف. الخلط بين هذه المستويات يوحي بأن تجميل النهر يعني بالضرورة إحياء الناعورة.
صيانة النواعير وإعادة تشغيلها في السنوات الأخيرة
بعد ذروة ترميم 1977–1988، توالت أعمال جزئية غير منتظمة. في 2020 وُثقت مبادرات حرفية على المحمدية مع نقص التمويل والخبرات. وفي كانون الأول/ديسمبر 2022–2023 أُعيد تأهيل الجسرية بصيانة جزئية من أخشاب الكينا والسرو والصنوبر. ثم جاءت حملة «حماة تنبض من جديد» عام 2025 بأعمال أوسع نطاقاً.
التوثيق بحسب الناعورة والسنة أهم من عبارة «جُددت النواعير». كل دولاب له دورة تلف مستقلة.
صيانة الناعورة الجسرية وإعادتها إلى العمل
في 6 أيار/مايو 2025 بدأت دائرة النواعير في مجلس مدينة حماة صيانة الجسرية عند مدخل حديقة أم الحسن، بهدف إعادة تشغيلها بعد توقف ثلاث سنوات. العمل شمل تبديل المحور والإكليل في مرحلة أولى، ثم استبدال القلب وبعض الوشاحات والصناديق في سياق الحملة الأوسع. قطر الجسرية نحو خمسة عشر متراً، وهي من أكثر النواعير مشاهدة لوقوعها في وسط المدينة.
الجسرية مثال واضح على أن «التوقف ثلاث سنوات» كافٍ لإخراج آلة شهيرة من المشهد، وأن إعادتها قرار صيانة لا معجزة أثرية.
ترميم البشريات والمحمدية وبرامج نقل الحرفة
في أيار/مايو 2025 صُينت البشرية في موقع النواعير الأربع: وشاحات من الحور والسرو، وصناديق وبيكار من الصنوبر. وصُين القاق في باب النهر قرب القلعة. وبقيت المأمورية والكيلانية والجعبرية بانتظار الخشب. وفي تموز/يوليو من السنة نفسها أُعيدت صيانة المحمدية والجسرية بعد التخريب.
نقل الحرفة يسير على مسار موازٍ: تدريب فنيين جدد، وتعليم داخل الأسر الحرفية، وصناعة نماذج صغيرة تحفظ المهارة إذا غاب التشغيل الكامل. هذا الجانب غير المادي هو ما يقرر إن كانت الصيانة المقبلة ممكنة.
إعادة تأهيل ضفاف العاصي وعلاقة ذلك بالنواعير
تجميل الضفاف والمسارات النهرية والجسور، بما في ذلك أعمال قرب جسر الكيلاني، يحسّن بيئة المشاهدة ويحمي أحياناً مداخل الحجرية. لكنه لا يساوي ترميم العجلة. الناعورة تحتاج مجرى مضبوطاً، وسداً سليماً، وخشباً، وتياراً. حديقة على الضفة قد تحجب النهر أو تخدمه بحسب تصميمها.
التأريخ الدقيق يمنع نسبة كل عمل عمراني نهري إلى «إنقاذ النواعير». بعض المشاريع بيئة حضرية، وبعضها صيانة أثر مائي. والتمييز بينهما شرط فهم الوضع الحالي.
ما الذي نعرفه يقيناً عن نواعير حماة وما الذي ما يزال محل بحث؟
المنهج أولى من الحسم. وما يلي يفرّق بين الثابت بالنقش أو الأثر أو المصدر القريب، وبين التفسير اللاحق.
هل النواعير حموية الأصل أم امتداد لتقنية أقدم؟
خصوصية حماة في تكثيف المنظومة وتضخيم العجلة وربطها بالعمران، لا في اختراع مبدأ العجلة الرافعة. المبدأ معروف في شرق المتوسط الروماني وعلى العاصي والفرات. حماة جعلت منه نظام مدينة.
هل كانت النواعير موجودة قبل العصر الإسلامي؟
نعم على مستوى التقنية في وادي العاصي: فسيفساء أفاميا في القرن الرابع ثم سنة 469م تثبتان الاستعمال قبل الإسلام. أما داخل حماة تحديداً، فالدليل الأيقوني المباشر أضعف، والشهادة النصية الإسلامية الوسيطة تثبت الحضور على الأقل منذ القرون الأولى للتأريخ الجغرافي العربي. وجود التقنية في الإقليم لا يُترجم تلقائياً إلى جرد لنعاعير حماة قبل الإسلام.
هل صحيح أن الرومان بنوا جميع نواعير حماة؟
لا. الأدلة تثبت تقنية رومانية-بيزنطية في الوادي، ولا تسمح بنسبة المحمدية أو المأمورية أو الجسرية القائمة إلى الرومان. العجلات الحالية أيوبية إلى عثمانية في نسبها الإنشائية، مملوكية وعثمانية في نقوشها، وحديثة في خشبها المستبدل.
هل تستطيع المصادر تحديد عدد النواعير الحالي بدقة؟
لا بعدد واحد دائم. يمكن تحديد عدد مرتبط بجرد مؤرخ: سبعة عشر في ملف 1999 ورصد 2002؛ أرقام أعلى إذا أُحصيت الحجرية الريفية؛ وأرقام أدنى إذا أُحصيت الدوائر العاملة بعد الجفاف. الدقة تكون بذكر السنة والمجال، لا بالرقم المطلق.
ما الفرق بين الدليل الأثري والرواية الشعبية والتفسير؟
ترتيب القوة المقترح في قراءة نواعير حماة:
النقش المؤرخ، كالمحمدية والمأمورية، أعلى وثيقة لتأريخ منشأة بعينها. يليه الأثر الموثق، كفسيفساء أفاميا، لإثبات التقنية لا لإثبات الدولاب الحالي. ثم المصدر التاريخي القريب، كأبي الفداء وياقوت. ثم الدراسة الأكاديمية الميدانية، كدلبش والدبيات وسمّان. ثم الرواية المتأخرة عن الأسماء والمقامات. ثم الحكاية الشعبية عن الأصل الآرامي أو «آلاف السنين» من دون قيد.
هذا الترتيب ليس آلة صماء. طبيعة السؤال تغيّر الدليل المناسب: لسؤال «كيف تُركَّب العجلة؟» يتقدم الحرفي والدراسة التقنية على النقش. ولسؤال «متى بُنيت المحمدية؟» يتقدم النقش على الحكاية.
اقرأ أيضاً: الأوابد الأثرية في سوريا: رحلة عبر الزمن لأعظم 20 معلماً تاريخياً في مهد الحضارات
تصورات شائعة تحتاج إلى تدقيق
❌ التصور الشائع: نواعير حماة كلها رومانية وعمرها آلاف السنين بخشبها الحالي.
✅ ما تقوله المصادر: التقنية موثقة في وادي العاصي منذ القرن الرابع الميلادي، أما العجلات القائمة فأحدث، وخشبها يُستبدل دورياً، وأقدم نقش باقٍ يعود إلى 1361م.
❌ التصور الشائع: نواعير حماة مسجلة في قائمة التراث العالمي لليونسكو.
✅ ما تقوله المصادر: هي على القائمة التمهيدية منذ 8 حزيران/يونيو 1999، ولم تُدرج في قائمة التراث العالمي.
❌ التصور الشائع: يوجد اليوم رقم ثابت هو 17 ناعورة عاملة.
✅ ما تقوله المصادر: 17 هو جرد حضري شهير لعامي 1999 و2002، وقد خرجت تلك النماذج من الاستخدام الوظيفي بحلول 2009، ثم تغير عدد القائم والعامل بعد الترميم والجفاف والحرب.
التوصية المعرفية من موسوعة سوريا
افصل تاريخ التقنية عن تاريخ الدولاب القائم. فسيفساء أفاميا تثبت قدماً تقنياً في وادي العاصي، ونقش المحمدية يثبت منشأة مملوكية. جمع الطبقتين في جملة واحدة يُنتج عمراً مزيفاً.
اقرأ الناعورة بوصفها شبكة لا عجلة. السد والقناة والقناطر وجدول الحصص ليست ملحقات سياحية؛ هي نصف النظام الذي جعل الآلة مفيدة داخل المدينة.
قيّد كل رقم بسنة ومجال. سؤال «كم عدد نواعير حماة؟» بلا تحديد إن كان المقصود المدينة أو المحافظة، الباقي أو العامل، الخشبي أو الحجري، لا يملك إجابة مسؤولة.
لا تستخدم عبارة «مسجلة في اليونسكو» من دون تمييز. القائمة التمهيدية غير قائمة التراث العالمي، والتصنيف الهندسي الأميركي للمحمدية مسار ثالث مستقل.
وثّق الحرفة كما توثّق الأثر. استبدال القلب والوشاحات والصناديق كل بضع سنوات هو ما أبقى التقنية حية؛ اندثار النجارة المتخصصة أخطر على النواعير من اندثار رواية الأصل الروماني.
اربط الماء بالعمران لا بالمشهد فقط. المحمدية إلى الجامع الكبير، والجعبرية إلى البيمارستان، والمأمورية إلى المساجد والحمامات والآبار: هذه الروابط تفسر لماذا صارت الناعورة هوية مدينة لا أداة حقل.
تعامل مع الوضع الحالي بوصفه متحولاً. صيانة 2025، وجفاف العاصي، والتخريب، ونقص الخشب، كلها تجعل أي وصف لـ«حال النواعير اليوم» صالحاً لتاريخه لا للأبد.
نواعير حماة، في المحصلة، نظام مائي حضري تجدد عبر العصور فوق مبدأ ثابت: رفع ماء العاصي إلى مدينة بُنيت أعلى من مجراه. أقدم ما فيها التقنية والمنظومة. وأحدث ما فيها الخشب الدائر. وبينهما نقوش ومصادر وشبكات بساتين ومساجد وحمامات صنعت هوية مدينة حماة على النهر. حفظ العجلة اليوم حفظ لمعرفة هذا النظام، لا تجميد لصورة مائية جميلة انقطعت عن تاريخها.
يستند هذا المقال إلى أحدث التقارير والدراسات الرسمية والأكاديمية المتعلقة بنواعير حماة:
- مركز التراث العالمي لليونسكو (UNESCO): ملف القائمة التمهيدية “Noréas de Hama” المرجع 1291، لعام 1999.
- المتحف الوطني الدنماركي (National Museum of Denmark): مشروع Digital Hama وتوثيق عجلات الماء التاريخية.
- الجمعية الأمريكية للمهندسين الميكانيكيين (ASME): ملف تصنيف ناعورة المحمدية معلماً هندسياً تاريخياً عام 2006.
- جامعة وارسو ومديرية الآثار والمتاحف السورية (DGAM): اكتشاف فسيفساء أفاميا الممثلة لعجلة مائية عام 2021.
- متحف بلا حدود (Museum With No Frontiers) والدراسات الميدانية الفرنسية (دلبش، الدبيات): التوثيق التقني لهندسة النواعير وحرفتها.
المصادر والمراجع
موسوعة سوريا لا تتحمل مسؤولية أي استخدام يخالف الغرض التثقيفي والتوثيقي للمحتوى.
د. عبد الرحمن محمود الشهبندر — باحث في التاريخ



