تل براك: مدينة ناجار القديمة – أحد أعظم المراكز الحضارية في شمال بلاد الرافدين

يُمثّل تل براك واحداً من أبرز المعالم الأثرية وأكثرها إثارةً في منطقة الشرق الأدنى القديم، ليس فقط بسبب ضخامة حجمه وامتداده الزمني الذي يغطي آلاف السنين من الاستيطان البشري المتواصل، بل أيضاً لأنه يقدّم شهادةً حيّةً على لحظات التحول الكبرى في تاريخ البشرية: من نشوء المجتمعات المعقدة الأولى إلى ولادة المدن وظهور أنظمة الإدارة والكتابة والتجارة بين الأقاليم. يُعدّ هذا الموقع مركزاً رئيساً لفهم ديناميكيات الحضارة في نهاية الألف الخامس وبداية الألف الرابع قبل الميلاد، فضلاً عن أهميته البالغة خلال فترة توسع أوروك والفترات اللاحقة التي شهدها الألفان الثالث والثاني قبل الميلاد. ومن خلال عقود من التنقيبات المتتالية، كشف الباحثون عن مدينة عريقة يُرجّح أنها “ناجار” القديمة، إحدى أهم حواضر الشرق الأدنى التي وردت في وثائق إيبلا ونصوص مسمارية عديدة.
الموقع الجغرافي والأهمية الإستراتيجية
الموقع الطبيعي

يقع تل براك في حوض الخابور الأعلى، شمال شرق سوريا، على بُعد نحو 40 كيلومتراً شمال شرقي مدينة الحسكة، وتحديداً على الضفة اليمنى (الغربية) من نهر جغجغ (الجغجغ)، عند الحد الشمالي من سهل بلاد ما بين النهرين، على أطراف المنطقة الزراعية الممطرة. يبعد الموقع أقل من كيلومترين جنوبي مركز ناحية بئر الحلو، وتفصله عن الضفة الغربية لنهر الجغجغ مسافة تبلغ نحو أربعة كيلومترات، وهي المسافة ذاتها التي تفصله عن نقطة التقاء النهر بوادي الرد في الجنوب.
يُعدّ تل براك من أكبر التلال الأثرية في هذه المنطقة بأكملها، وتتباين التقديرات حول أبعاده بحسب المعايير المستخدمة: فالتل ذو شكل شبه بيضوي تبلغ أبعاده نحو 800 متر من الشرق إلى الغرب و600 متر من الشمال إلى الجنوب وفق بعض القياسات، في حين تشير تقديرات أخرى إلى أن طوله يصل إلى 1000 متر وعرضه إلى 850 متراً. تصل مساحة التل الأساسية إلى 43 هكتاراً، ولكنها يمكن أن تمتدّ مع الامتدادات المحيطة إلى نحو 100 هكتار. يرتفع التل عن السهول المحيطة به بنحو 45 متراً، ويتميّز جزؤه الشمالي بوجود مرتفعين بارزين: أعلاهما في الشمال الغربي حيث تبلغ القمة 43 متراً فوق مستوى السهل، والثاني في الشمال الشرقي بارتفاع يتجاوز 35 متراً. أما جنوب هذين المرتفعين فينبسط سطح التل على ارتفاع يتراوح بين 10 و20 متراً.
الأهمية الإستراتيجية
يكتسب تل براك أهميته الإستراتيجية الفائقة من عدة عوامل متشابكة. فهو يقع في منطقة الهوامش الجنوبية الجافة نسبياً من حوض الخابور الأعلى، مما يجعله يشرف ويسيطر على المناطق الزراعية المحيطة. كما أن موقعه في وسط مجاري الأنهار والأودية التي تميز سهول جنوبي مثلث الخابور منحه سيطرةً على معبر مهم على نهر الجغجغ قريب من وادي الرد. ومما يعزّز أهمية هذا المعبر امتداد المستنقعات في الجهة الشرقية من الجغجغ بموازاة وادي الرد.
والأهم من ذلك أن تل براك يشكّل نقطة دخول رئيسية لمنطقة الخابور من الجنوب الشرقي، إذ يسيطر عملياً على ممرات العبور في منطقة سنجار. فإلى الجنوب الشرقي من الموقع يوجد ممر طبيعي بارز بين طرفي جبلي سنجار وجربة، وهو ممر يشكّل منفذاً لإحدى الطرق القليلة الصالحة التي تربط حوض الخابور بسهول وادي الرافدين الشمالية وآشور وطريق وادي دجلة النازل إلى الجنوب. وبذلك أدّى تل براك دور المدخل إلى سهول الخابور من وادي الرافدين وسهلها الجنوبي.
كما أن الموقع يسيطر على أحد أهم الطرق المؤدية إلى الشمال باتجاه بلاد الأناضول – أحد أهم مصادر المعادن في العالم القديم – وإلى الغرب باتجاه منطقة الفرات والبحر الأبيض المتوسط. وهذا ما جعله مركزاً تجارياً حيوياً يربط المرتفعات الأناضولية الغنية بالموارد الطبيعية في الشمال بمراكز الحضارة المتطورة في وادي الرافدين في الجنوب.
اقرأ أيضاً:
البيئة الطبيعية والموارد

تتصف البيئة التي قام فيها تل براك بالتنوع والغنى النسبي. فموقعه عند الأطراف الجنوبية للمنطقة المطرية – مع نسبة هطل سنوي تصل إلى 300 ملم – يوفّر المياه اللازمة لزراعة ناجحة، سواء بالاعتماد على الأمطار أو بالري. وقد ترافق تعدد مصادر المياه السطحية وتوافرها مع وجود تربة كثيفة قابلة للزراعة، مما ساعد على نشوء زراعة حبوب عالية الإنتاج. وقد أثبتت البقايا النباتية المكتشفة في الموقع وجود كميات كبيرة من حبوب الشعير وبعض القمح.
على مسافة قصيرة إلى جنوب غربي الموقع يتوافر حقل من الصخور البركانية حول البركان الخامد منذ القديم “جبل كوكب”، ويمتدّ هذا الحقل إلى مقربة من نهر الخابور في الغرب. وقد أمكن تحديد آثار لأنواع عديدة من الأشجار، من بينها خشب الدردار والبلوط من الصنف الأحمر والدلب والحور، كما وُجد خشب صنوبر من النوع الصلب في بيوت متأخرة من المنطقة. وكان بعض أصناف الأخشاب يُجلب من شمالي سوريا وبلاد الأناضول. أما البقايا العظمية فقد كشفت عن وجود عظام أسود وخنازير وحيوانات من فصيلة الكلبيات ورباعيات الأرجل، فضلاً عن أصناف الماعز والأبقار.
اقرأ أيضاً:
- النظم الزراعية الموجودة في سوريا
- نباتات سوريا: نظرة عامة على التنوع النباتي
- أصناف الحيوانات في سوريا
تاريخ التنقيبات الأثرية
الاستكشافات المبكرة
يعود تاريخ استكشاف تل براك إلى أعمال المسح الجوي والتحري التي قام بها الباحث بوادبار (A. Poidbard) في عشرينيات القرن العشرين، حيث حدّد التل على أنه موقع حصن روماني من القرن الرابع الميلادي. وفي أواخر العشرينيات قام بوادبار بحفر مجس سبر صغير في القسم الشمالي من التل، حيث ظهر فخار من الألف الأول قبل الميلاد.
تنقيبات ماكس مالوان (1937-1938)
في ربيع عام 1937 شرعت البعثة الأثرية التابعة لـ”معهد الآثار البريطاني في العراق” بالتنقيب في تل براك تحت إدارة الباحث الإنكليزي ماكس مالوان (Max Mallowan). وقامت البعثة بموسمين إضافيين في العام التالي 1938: الأول في الربيع والثاني في الخريف. خلال هذه المواسم كشف مالوان عن العديد من السويات الأثرية المهمة، وكان أبرز اكتشافاته “معبد العيون” الشهير الذي عُثر عليه عام 1938 تحت الجزء الشمالي الغربي من بناية “قصر نرام سن” الأكادية في القسم الجنوبي من التل. ثم توقف عمل البعثة في شمال شرقي سوريا بسبب نشوب الحرب العالمية الثانية.
استئناف التنقيبات (1976 وما بعدها)
بقي العمل في تل براك متوقفاً حتى عام 1975 حينما أُجريت فيه أعمال مسح أثري قام بها ديفيد أوتس (David Oates) وقاسم طوير. وعلى أثر ذلك اتُّخذ قرار باستئناف التنقيب في هذا الموقع. ومن بين الأسباب التي دعت إلى هذا القرار عدم وجود سكنى رئيسية في التل بعد 2000 ق.م، مما يتيح الوصول بسهولة إلى طبقات السكنى الرئيسية من الألفين الرابع والثالث قبل الميلاد، وهو أمر يندر حدوثه في مواقع بلاد آشور الشرقية بسبب التراكم الكثيف فيها لطبقات السكنى المتأخرة من الألف الثاني قبل الميلاد فصاعداً.
استُؤنفت التنقيبات في ربيع 1976، وأدارها ديفيد أوتس بالتعاون مع زوجته جوان أوتس (Joan Oates) من معهد الآثار في جامعة لندن ومعهد ماكدونالد للأبحاث الأثرية في جامعة كامبردج، وكان هدفهما الكشف عن سويات الألف الثالث قبل الميلاد لأن منطقة الخابور تشكّل الحدود الغربية لشمال بلاد الرافدين. استمرّ ديفيد أوتس في إدارة التنقيبات حتى موسم 1993. ثم تولّى روجر ماثيوز (Roger Matthews) إدارة البعثة خلال مواسم 1994-1996، قبل أن تنتقل إدارة العمل الحقلي إلى جيوفري إيمبيرلنغ (Geoffrey Emberling) خلال المواسم اللاحقة. ومنذ عام 2006 تولّت أغوستا ماكماهون (Augusta McMahon) من جامعة كامبردج إدارة الأعمال التنقيبية تحت الإدارة العامة لجوان أوتس.
بفضل هذه التنقيبات المتعاقبة ظهرت هوية تل براك، أي مدينة ناجار القديمة، إحدى أهم مدن الشرق الأدنى القديم. وأظهرت التنقيبات مدينة تمتدّ تواريخها بين 4000 إلى 3800 ق.م وصولاً إلى العصر الروماني.
اقرأ أيضاً:
التسلسل الطبقي والتسلسل الزمني
يتميز تل براك بتسلسل طبقي غني ومعقد يغطي آلاف السنين من الاستيطان البشري. وقد أمكن تتبّع هذا التسلسل من خلال عدة قطاعات تنقيبية رئيسية، أبرزها القطاعان TW (في وسط القسم الشمالي من التل) وCH (في وسط القسم الجنوبي).
الطبقات الأقدم
تعود أقدم الطبقات السكنية التي تمّ الوصول إليها إلى دور العُبيد المتأخر (براك، العصر D: 4400-4200 ق.م)، لكن هذا لا يعني عدم وجود طبقات أقدم من ذلك. فأدنى الطبقات في القطاع TW تقع على ارتفاع 15 متراً فوق مستوى السهل المحيط بالتل، مما يشير إلى وجود تراكم طبقي من عصور أقدم لم يُستكشف بعد. وفي القطاع CH، تأتي الطبقات الأقدم من دور العُبيد على ارتفاع 12 متراً فوق مستوى السهل.
وكان مالوان قد اكتشف عدداً كبيراً من الكسر الفخارية التي تعود إلى دور حلف فضلاً عن فخار العُبيد. كما عُثر في الركام المتأخر على كسرة من فوهة إناء فخاري قد تُؤرَّخ من دور حسونة (ما قبل حلف)، وهذا ما يرجّح وجود سكنى تعود إلى الألفين السادس والخامس قبل الميلاد – تاريخ أقدم بكثير مما هو معروف عن تل براك حالياً.
التسلسل الزمني للطبقات الرئيسية
- العصر الحجري النحاسي المتأخر الأول (براك، العصر D: 4400-4200 ق.م): كُشف عنه في القطاع CH، وهو مرحلة انتقالية بعد دور العُبيد تتميز بفخار مطلي وظهور مبكر للأواني الفخارية الناقوسية الشكل ذات الطينة الخشنة.
- العصر الحجري النحاسي المتأخر الثاني (براك، العصر E: 4200-3900 ق.م): يتمثّل بالطبقتين 18 و19 في القطاع TW، ويتميز باستمرار استعمال الأواني الناقوسية وظهور الفخار المحزز، مع عمارة رسمية ضخمة ذات جدران سميكة تمثّل أقدم مراحل التطور الاجتماعي-السياسي المعقد.
- العصر الحجري النحاسي المتأخر الثالث (براك، العصر F: 3900-3600 ق.م): يتمثّل بالطبقات 14-17، وفيه بلغ الموقع أقصى امتداد له مع ظهور علامات التمدن الناضج.
- العصر الحجري النحاسي الرابع – دور أوروك الوسيط (حتى 3500 ق.م): الطبقة 13.
- العصر الحجري النحاسي الخامس – دور أوروك المتأخر (براك، العصر G: نحو 3250 ق.م): الطبقة 12.
- عصر جمدة نصر (براك، العصر H): الطبقتان 10-11، تضمّنتا “أواني الزهور” الطويلة المشابهة لفخار جنوبي وادي الرافدين.
- عصر فجر السلالات الأول ونينوى 5 (حتى 2800 ق.م): الطبقات 1-9.
اقرأ أيضاً:
تنظيم المدينة والعمارة عبر العصور
العمارة الضخمة في العصر الحجري النحاسي المتأخر الثاني (4200-3900 ق.م)
شهد تل براك أول ظهور للعمارة الضخمة والمعقدة خلال هذه المرحلة. ففي الركن الشمالي الغربي من القطاع TW، ضمن السوية 20، كُشف عن أكبر المباني في الموقع لتلك الحقبة. بُنيت جدران هذا المبنى بالطوب الأحمر بعرض مترين، وله مدخل كبير مع أبراج على كلا الجانبين وعتبة بازلتية ضخمة بأبعاد 1.52×1.85 متر وسماكة 29 سنتيمتراً.

يتألف المبنى من باحة أمامية وغرفتين. وعلى الرغم من أن مخططه غير مكتمل لأن التنقيبات لم تكشف عنه كاملاً، إلا أنه على الأغلب مبنى إداري بسبب مساحته الكبيرة وطريقة بنائه المتقنة. فقد كان المبنى بأكمله مشيداً على أرضية مرصوفة بعناية من الحصى الكبيرة والفخار الأحمر بعمق 80 سنتيمتراً.
القطاع الصناعي
يحدّ المبنى الإداري من الجهة الغربية منطقة أو قطاع صناعي مؤلف من مجمّع يضمّ العديد من الغرف. احتوت هذه الغرف على عدد كبير من المدقّات البازلتية وأحجار الرحى وأدوات عظمية وحجرية، كما ضمّت العديد من المغازل الطينية المدوّرة وأقراصاً ملساء من الأوبسيديان. وقد ضمّت الغرف أيضاً عدداً من الأفران الكبيرة والمخازن، مع أدلة واضحة على صناعة أدوات الصوان والأوبسيديان. أُحيطت هذه المنطقة بشارع مرصوف يصلها ببوابة المدينة الشمالية.
استمرّ استخدام البناء الإداري الضخم والمنطقة الصناعية مع بعض التعديلات خلال المرحلة اللاحقة (السوية 19). ففي هذه السوية ظهرت بقايا معمارية لمجمّع صناعي كانت جدرانه أكثر من متر سماكةً، واحتوت غرفه الأربع على أفران كبيرة وصناديق وأدوات لطحن الحبوب، إضافةً إلى مجموعة من المغازل وأدوات متنوعة من حجر الصوان. كما ضمّت الغرف طبعات أختام على الجرار والسلال.
ذروة التوسع الحضري في العصر الحجري النحاسي المتأخر الثالث (3900-3600 ق.م)
خلال هذه المرحلة وصل تل براك إلى أكبر حجم استيطان ممكن. لم يقتصر الاستيطان على التل نفسه (43 هكتاراً)، بل سكنت أيضاً مستوطنات صغيرة بجوار التل مشكّلةً إكليلاً حوله. كانت هذه المواقع صغيرة لا تتجاوز مساحة الواحد منها 5 هكتارات، وقد شكّلت مجتمعةً تجمّعاً حضرياً غطّى ما لا يقل عن 100 هكتار. كانت هذه المستوطنات تمثّل الحلقة الأولى في منظومة كان تل براك يمارس فيها دور الهيمنة والزعامة السياسية والاقتصادية. وإذا صحّ هذا التفسير فإنه يُعدّ من أولى العلامات على نشوء الدول.
تميّز فخار هذه المرحلة بأنه مصنوع يدوياً، غير مؤكسد تماماً، وهو فخار خشن الملمس تحتوي عجينته على مواد نباتية (Chaff tempered pottery). انتشر هذا النوع من الفخار في سوريا الشمالية وفي جنوب شرق الأناضول، وهو فخار محلي ذو أشكال عديدة.
اقرأ أيضاً:
مبنى المحاريب (Niched Building)
التأريخ والبناء
يُؤرَّخ مبنى المحاريب ببداية الألف الرابع قبل الميلاد، أي قبل فترة توسع أوروك. وهو مبنى فريد من نوعه يُعدّ من أهم شواهد العمارة الضخمة في هذه الحقبة. بُني على طبقة رقيقة من الحصى وُضعت على كامل المنطقة كتهيئة لتأسيسه.
المخطط المعماري
يتميز المبنى بمخطط ثلاثي الأجزاء، مع إضافة جديدة تتمثّل في وجود باحة واقعة على محور البناء الرئيسي. يُعتقد أن مدخل المبنى كان في الجهة الشمالية. كما يتمّ الدخول إلى الباحة بواسطة مدخل يقع على الطرف الغربي منها، غير أن هذه المنطقة مهدّمة ولم تتمكن البعثة من التأكد من وجود هذا المدخل.
الزخرفة والمحاريب
تُزيّن المحاريبُ جدرانَ الباحة الداخلية، وهي عبارة عن دخلات وخرجات منتظمة (Niches and Buttresses) في الجدران كنوع من الديكور والتزيين – وهي تقنية تزيينية مميزة لهذا العصر. وتتميز المحاريب في هذا البناء بوجود نوعين: فبعضها يمتدّ ليصل إلى الأرض، وبعضها الآخر يتوقف قبل أرض المبنى بمتر أو أكثر قليلاً.
المحتويات والاستخدام
تحتوي الباحة على فرن مقبّب بالإضافة إلى مواقد دائرية الشكل أصغر حجماً استُخدمت للطبخ. للباحة ثلاث أرضيات، احتوت على فخار محلي الصنع خشن الملمس تحتوي عجينته على مواد نباتية. وقد رُصفت الأرضية بكسر فخار محلي الصنع. كما تضمّ الباحة غرفة مخصّصة للتخزين.
يقع مدخل البناء الرئيسي على الطرف الجنوبي للباحة. وواجهته مؤلّفة من ثلاثة أبواب: يؤدي اثنان منها إلى الغرفة الرئيسة، أما الممر الثالث الغربي فيؤدي إلى غرفة ربما استُخدمت في التخزين أيضاً.
وفي المستويات 15-18 (بداية الألف الرابع قبل الميلاد) جرى بناء مبنى عام آخر بمخطط ثلاثي مع باحة كبيرة، زُيّنت بقايا جدرانه بزخارف متقنة. ضمّ هذا البناء مجموعة متنوعة من الأفران التي يُظنّ أنها استُخدمت لطهي الطعام، ويقع بجوار الشارع المؤدي إلى المدخل الشمالي للمدينة.

معبد العيون: الجوهرة المعمارية لتل براك
الاسم والتسمية
سُمّي المبنى “معبد العيون” على يد المنقّب ماكس مالوان نسبةً إلى مئات الدمى الصغيرة المسطّحة المصنوعة من حجر الكلس (الحجر الجيري) التي تبرز في كل منها العينان والرقبة والكتفان بشكل مبالَغ فيه من دون سائر التفاصيل الأخرى.
التأريخ والأبعاد
يُؤرَّخ معبد العيون بمرحلة أوروك المتأخرة (عصر جمدة نصر وفق تصنيف مالوان الأصلي). تبلغ أبعاد المعبد 30×25 متراً، وقد اكتشفه مالوان عام 1938 تحت الجزء الشمالي الغربي من بناية “قصر نرام سن” الأكادية في القسم الجنوبي من التل.
المخطط المعماري
بُني المعبد وفق المخطط الثلاثي الأجزاء، ويتألف من ثلاثة أقسام رئيسية: المصلّى (غرفة العبادة)، والجناح الغربي، والجناح الشرقي. لكن المخطط يختلف في تفاصيله عن مخطط المعابد الثلاثي المعروف من دور أوروك الأخير.
المصلّى (غرفة العبادة): عبارة عن غرفة واسعة وطويلة بأبعاد 18×6 أمتار ومخطط متصالب الشكل. يقع الجناح الغربي على جانبها الغربي ويتكوّن من صف من الغرف التي يُدخل إليها عبر مدخل واحد يربطها بغرفة العبادة.
الجناح الشرقي: يتميز بمخطط أكثر تعقيداً، إذ يضمّ غرفتين كبيرتين مع ثلاثة أزواج من غرف ضيقة يُرجَّح أنها كانت مخازن المعبد. ويُعدّ وجود هذه المخازن تعديلاً محلياً مبكراً على المخطط الثلاثي لأبنية المعابد.
لم يتمكن المنقبون من تحديد موضع بوابة المعبد بدقة بسبب فقدان أجزاء كبيرة من الجدران. ويُرجَّح أنها كانت في الطرف الشمالي من الضلع الشرقية حيث تؤدي إلى إحدى الغرفتين الكبيرتين ثم إلى غرفة العبادة. وكان مالوان قد افترض وجود مدخلين في الضلع الشمالية لغرفة العبادة، لكن لم يظهر دليل يؤيد ذلك.
ومن الملاحظ أن أضلاع المعبد الأربعة موجّهة نحو الجهات الأربع الأصلية (شمال، جنوب، شرق، غرب)، بخلاف معابد وادي الرافدين التي كانت زواياها – لا جدرانها – موجّهة نحو الاتجاهات الأربع.
الزخرفة والتزيين
شُيّدت جدران المعبد باللبن وكُسيت بملاط طيني. وكانت الجدران الداخلية لغرفة العبادة مطلية باللون الأبيض ومزيّنة بمخاريط لها رؤوس بشكل أزهار الروزيتا من الحجر الكلسي الأحمر. وزُيّنت الجدران أيضاً بأشرطة من الزخارف المتكوّنة من الحجر الجيري الأحمر والصفائح المعدنية، فضلاً عن الموزاييك المخروطي.
وعند منتصف الجدار القصير الجنوبي لغرفة العبادة وُجدت دكّة مذبح بارتفاع ثلاث أقدام. كُسي الجزء الأعلى من وجه المذبح الأمامي والوجهين الجانبيين بزينة فخمة قوامها شريطان ذهبيان يحصران بينهما ثلاثة حقول من حجر الكلس الجيري والمرمر الأبيض والأردواز الأخضر. كانت هذه الزينة مثبّتة أصلاً على لوح خشبي بمسامير من الفضة برؤوس ذهبية تبدو واضحة في الشريطين الذهبيين. أما الأجزاء الحجرية فقد ثُقبت من الخلف وثُبّتت على اللوح الخشبي بواسطة سلك من النحاس.
المصطبة والبنايات السابقة
إن معبد العيون مشيّد على مصطبة يبلغ ارتفاعها 6 أمتار وتمتدّ إلى مسافة 40 متراً نحو الجنوب من البناية. وقد كُشف تحت بناية المعبد عن تعاقب ثلاث بنايات أقدم، كانت كل منها تُسوَّى وتُدفن لتكون بمنزلة مصطبة أو تراس (terrasse) للبناية الأحدث في سلسلة إعادة بناء المعبد عبر العصور:
- معبد العيون الأبيض: البناية الأعلى في السلسلة، سُمّيت كذلك لكون أرضياتها مكسوّة بالجص الأبيض. بُنيت فوق معبد العيون الرمادي.
- معبد العيون الرمادي: مشيّد بلبن ذي طينة رمادية اللون. يُعاصر الطبقات 14-17 في القطاع TW، أي العصر الحجري النحاسي المتأخر الثالث. ضمّت بقاياه كميات هائلة من المواد الأثرية، من بينها عدد كبير من دمى العيون ومواد نذرية متنوعة مثل دلايات حجرية بأشكال حيوانات، وأختام مسطحة وأسطوانية، ورؤوس دمى بشرية من المرمر، ومئات الآلاف من الخرز.
- معبد العيون الأحمر: أقدم بنايات المعبد المكتشفة، مشيّد بلبن ذي طينة حمراء اللون. يقترن بفخار من طراز الطاسات ذات الفوهات بارزة الحافات والكسر الفخارية المصقولة والمطلية.
دمى العيون: لغز لم يُحلّ بالكامل

عُثر في المعبد على مئات – بل آلاف بحسب تقدير المنقبين من عدد الكسر المكتشفة – من الدمى الصغيرة المسطحة من حجر الكلس. لا يزيد طول الواحدة منها على 11 سنتيمتراً. تتميز هذه الدمى بعيونها الشديدة الاتساع، ولها رقبة طويلة فوقها العيون الكبيرة. بعضها يمثّل شخصاً واحداً (ذكراً أو أنثى)، وبعضها يمثّل زوجاً أو زوجاً مع طفل، وأحياناً أربعة أشخاص معاً أو امرأة وطفلاً.
اكتُشفت هذه الدمى في أسس بناية المعبد وفي طبقاته المختلفة. ولم يكن هناك تفسير نهائي للغاية منها:
- التفسير التقليدي اعتبرها نذوراً وتقدمات لإله المعبد، تمثّل أصحابها لتودع في البناية.
- الدراسات الأحدث قدّرت أنها كانت أدوات استُخدمت في الغزل والنسيج، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كان البناء معبداً بالمعنى الديني أم مبنى ذا وظيفة مختلفة.
كما قدّم المعبد أعداداً من طبعات الأختام والأختام الأسطوانية والرؤوس البشرية المنحوتة من المرمر وآلاف الخرزات. ولا يزال اسم الإله الذي خُصّص المعبد لعبادته مجهولاً، وليس من المؤكد ما إذا كان مخصصاً لعبادة إله واحد أو أكثر. كذلك اكتُشفت في المعبد أختام مسطحة تشهد على تنوع النشاط الإداري والطقسي في المبنى.
اقرأ أيضاً:
- الحرف اليدوية في سوريا: تراث فني عريق
- عشتار في الحضارة السورية: كيف شكلت الإلهة القديمة الهوية الدينية؟
اكتشافات الألف الرابع قبل الميلاد: أختام وحسابات مبكرة

من بين أهم المكتشفات في تل براك من الألف الرابع قبل الميلاد طبعات لأختام أسطوانية على الطين تُؤرَّخ من منتصف دور أوروك، أي من نحو 3600 ق.م. وتُشير هذه الطبعات إلى أقدم استعمال للأختام الأسطوانية في التاريخ، ولا يعاصرها سوى الدليل المكتشف من موقع شرف آباد في جنوب غربي إيران.
وفي عام 1978 اكتُشف في القطاع CH لوح طيني منقوش بعلامات رقمية يعود إلى دور أوروك الأخير. وقد عُدّ هذا اللوح الدليل الأول من شمالي وادي الرافدين على الممارسات الحسابية التي مهّدت لنظام الكتابة الأول.
كما عُثر في غرف من دور أوروك المتأخر على فخار يضمّ مواقد بشكل كمّثري مشابهة لتلك التي كُشف عنها في موقع حبوبة كبيرة من الدور نفسه.
اقرأ أيضاً:
تل براك في الألف الثالث قبل الميلاد
عصر نينوى 5 وفجر السلالات
ازدادت أهمية تل براك مع بداية الألف الثالث قبل الميلاد، حيث أصبح من المواقع المهمة في الأفق الثقافي لما سُمّي بعصر نينوى 5. وقد كُشف من هذا العصر عن بناية معبد من غرفة واحدة في الخندق HS4، وعُثر على فخار نينوى 5 في عدة قطاعات في التل، فضلاً عن طبعات لأختام أسطوانية.
آثار أبنية عصر فجر السلالات وُجدت في القطاع CH في الجهة الشرقية من “قصر نرام سن”. وقد كُشفت حفرة دائرية ضمّت عدداً كبيراً من الأقداح والآنية المخروطية الشكل، وتبيّن أنها كانت بئراً تعود إلى مجمّع بنائي من عصر فجر السلالات الأخير. كما كشفت التنقيبات في القطاع ER عن بقايا بيت ضخم من أواخر عصر فجر السلالات الثالث ضمّ كمية كبيرة من الفخار.
العصر الأكادي وقصر نرام سن
تميّز تل براك بعدة منشآت معمارية بارزة من العصر الأكادي، مما يدلّ على أهميته الكبرى في تلك الحقبة. ومن أهم هذه المنشآت:
قصر الملك نرام سن: كشفت عنه التنقيبات في وسط القسم الجنوبي من التل، وعُثر فيه على آجرّ مختوم باسم هذا الملك حفيد سرجون الأكادي. وعلى الرغم من أن النقش المدوّن على الآجر يصف البناية بأنها “قصر”، فإن ملامحها المعمارية تدلّ على حصن أو مستودع أكثر من كونها قصراً بالمعنى التقليدي.
البناء ذو مخطط تبلغ أبعاده 95×90 متراً، ويبلغ سمك جدرانه 9 أمتار. وللبناء بوابة واحدة في الضلع الغربية تقوم على جانبيها برجان، وتؤدي إلى الباحة الرئيسية عبر غرفة مدخل صغيرة. يضمّ القسم الشمالي من البناية ثلاث باحات أصغر محاطة بعدد من الغرف والصالات. وقدّر المنقبون أن ارتفاع البناية كان يصل إلى 15 متراً.
المجمّع البنائي في القطاع SS: كُشف عنه في الزاوية الجنوبية الشرقية من التل إلى الغرب من القصر الأكادي. يعود إلى العصر الأكادي ويضمّ ساحة واسعة محاطة بصف من الغرف، وإلى الشمال منها ساحة أصغر تؤدي إلى معبد من طراز معابد شمالي وادي الرافدين. وعُثر فيه على دمية حجرية تمثّل ثوراً رابضاً له رأس بشري.
المجمّع البنائي في القطاع FS: في الزاوية الشمالية الشرقية من التل، يضمّ معبداً آخر مشابهاً في تخطيطه. ولمّا عُثر فيه على بقايا حيوانات رباعية الأرجل مثل الحمير، فسّره المنقبون على أنه كان خاناً أو محطة للقوافل.
الكنز الأكادي

في القطاع HS3 في الزاوية الشمالية الغربية من التل، كُشف عن بقايا غرفتين من بيت أكادي. وتحت أرضية إحدى الغرفتين عُثر على جرّة احتوت على كنز ثمين: سبائك وحلقات من الفضة، ودمى من اللازورد والذهب للطائر الأسطوري “أنزو” مشابهة للدمية المكتشفة في “كنز أور” من ماري. ومن ضمن المحتويات لوح ذهبي صُوّر عليه أسدان يقفان بشكل متقاطع.
النصوص المسمارية والقطع الفريدة
تتميز الرقم المسمارية المستخرجة من أبنية العصر الأكادي في تل براك بمقاساتها الكبيرة. تحمل هذه الرقم نصوصاً إدارية خاصة بتوزيع الأرزاق والفضة مع قوائم بالملابس والماشية، ويعود تاريخها إلى عهدي الملكين الأكاديين نرام سن وشار كالي شري.
ومن بين المكتشفات الاستثنائية قطعة من زجاج خام بلون أزرق مائل إلى البياض، وهو ما يسبق بكثير التاريخ المعروف لصناعة الزجاج في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد.
اقرأ أيضاً:
تل براك في الألف الثاني قبل الميلاد
العصر البرونزي الوسيط
اعتقد مالوان أن السكنى في تل براك انقطعت في بداية الألف الثاني، لكن التنقيبات اللاحقة أثبتت تواصل الاستيطان خلال العصر البرونزي الوسيط. فقد كشفت التحريات في الجهة الشمالية الشرقية (القطاع TW) عن بناية منتظمة مع بقايا تحصينات يُرجَّح أنها من عهد الملك الآشوري شمشي أداد الأول (1813-1781 ق.م). ضمّت هذه البناية غرفاً مربعة تقريباً مشيّدة بلبن أحمر الطينة، وعُثر فيها على كسر من فخار الخابور المطلي من نحو 1800 ق.م. كما أظهر مجس سبر عميق في القطاع HH وجود طبقة أثرية تعود إلى القرن السابع عشر قبل الميلاد.
مملكة ميتاني
في القرن السادس عشر قبل الميلاد ضمّ تل براك إحدى المدن الرئيسية في مملكة ميتاني التي قامت في شمال شرقي سوريا. وقد اكتُشفت بناية قصر ومعبد من عصر ميتاني في قمة التل الكائنة في الجهة الشمالية الغربية (القطاع HH).
قصر ميتاني: على الرغم من فقدان أجزاء كبيرة من جدرانه، أمكن تحديد مخططه ذي الشكل القريب من المربع (45×43 متراً). يضمّ القصر باحة واسعة رُصفت أرضيتها بالآجر، وتحيط بها من الشمال والجنوب مجموعة غرف مترابطة. وكُشف عن سلّمين في الجناحين الشرقي والغربي، مما يدلّ على وجود طابق ثانٍ يُرجَّح أنه كان خاصاً بالإقامة. ومن المواد المكتشفة أوانٍ زجاجية وخرز وجرار من المرمر وأجزاء أثاث من العاج والخشب، فضلاً عن تمثال صغير من حجر الكلس لرجل جالس على كرسي – يُعدّ مثالاً نادراً للنحت المجسّم في منطقة ميتاني.
كان تل براك في هذا العصر أحد المواقع السورية التي قدّمت أولى القطع الفخارية المزجّجة. ومن الرقم الطينية المكتشفة نصوص مسمارية تتضمّن قضايا شرعية عُرضت على ملوك ميتاني مثل أرتاشومارا (Artashumara) وتوشراتا (Tushratta)، وقد حملت الرقم طبعات الختم الأسطواني الخاص بالسلالة الملكية ويظهر فيها اسم مؤسس السلالة ساوستارا (Saustara).
معبد ميتاني: شُيّد قرب الركن الجنوبي الغربي للقصر، ومدخله في الضلع الجنوبية. يتألف من باحة تؤدي إلى غرفة عبادة متقدمة تؤدي بدورها إلى غرفة العبادة الرئيسية في جانبها الغربي. ويتطابق هذا المخطط مع مخططات معابد العصور السابقة في تل براك المشيّدة بحسب المخطط الرافديني الشمالي.
النهاية والهجران
تعرّض قصر ميتاني في تل براك للتخريب في القرن الثالث عشر قبل الميلاد. وظهرت بعد ذلك دلائل فخارية على سكنى محدودة من العصر الآشوري الوسيط، قبل أن يُهجر التل في نحو 1200 ق.م مع حلول نهاية العصر البرونزي الحديث – حين هُجرت مراكز إقليمية عديدة مثل ألالاخ وحمام التركمان وتل براك نفسه، ودُمّرت مراكز رئيسية مثل أوغاريت وإيمار (تل مسكنة).
اقرأ أيضاً:
- المعارك القديمة في سوريا: من العصر البرونزي إلى الإمبراطورية الرومانية
- تأثير الحضارات القديمة على الثقافة السورية
العصور المتأخرة
وُجدت دلائل سكن جزئي في الجزء الشمالي الشرقي من التل خلال القرنين العاشر والتاسع قبل الميلاد. كما عُثر على تمثال بازلتي ضخم لثور برأس إنسان يعود إلى العصر الآشوري الحديث. أما من العصور المتأخرة فلم تكن هناك آثار واضحة من العصور الهلنستية باستثناء جزء من أرضية كُشف عنها في القسم الجنوبي من التل خلال تنقيبات 1981. وكان بوادبار قد حدّد في وقت سابق آثار حصن روماني من القرن الرابع الميلادي.
اقرأ أيضاً:
الاسم القديم: هل تل براك هو مدينة ناجار؟
لم تؤدِّ التنقيبات الأثرية بشكل مباشر إلى اكتشاف الاسم القديم للموقع عبر نقش صريح يُحدّد الهوية. غير أن هناك افتراضاً قوياً يجعل تل براك موقعاً للمدينة القديمة ناجار (Nagar)، وهي إحدى المدن السورية القديمة التي ورد ذكرها في نصوص الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد. ويُستدلّ من تلك النصوص على أن مدينة ناجار كانت في منطقة الخابور. وقد ذُكرت ناجار في وثائق إيبلا كواحدة من أهم مدن الشرق الأدنى القديم.
أما الدليل الرئيسي الذي بُني عليه هذا الافتراض فهو تكرار الإشارة إلى المدينة وملكها في النصوص المكتشفة في تل بيدر الذي يبعد نحو 45 كيلومتراً غربي تل براك. ولا يزال هذا الافتراض بحاجة إلى دليل حاسم لتأكيده أو نفيه نهائياً.
تل براك ومسألة نشوء التمدن
إن الفترة التي سبقت مباشرةً فترة توسع أوروك خارج نطاق الجنوب الرافدي أظهرت في تل براك ولادة المجتمعات المعقدة. فمدى اتساع الاستيطان وتطوّر التنظيم المدني – من العمارة الإدارية الضخمة إلى القطاعات الصناعية المنظمة والشوارع المرصوفة والبوابات – يقترح بدء التمدّن في وقت مبكر جداً ومستقلاً عن تأثيرات الجنوب الرافدي. وهذا ما أكدته أيضاً الشواهد المكتشفة في تلال أخرى مثل حموكار في منطقة الخابور الشرقية.
إن المنظومة الاستيطانية المتكاملة – حيث يحيط بالمدينة الرئيسية إكليل من المستوطنات التابعة – تشير إلى نظام هرمي ابتدائي كانت فيه لتل براك سيادة سياسية واقتصادية. وإذا صحّ هذا التفسير فإن تل براك يقدّم واحدة من أقدم الشهادات على نشوء الدولة في تاريخ البشرية.
اقرأ أيضاً:
- الهوية الحضارية لسوريا: ما الذي شكّل ملامحها عبر آلاف السنين؟
- الأموريون أو العموريون: الحضارة التي غطت سوريا القديمة
خلاصة
يبقى تل براك شاهداً فريداً على مسيرة الحضارة الإنسانية في منطقة الشرق الأدنى القديم. من قرية صغيرة في الألف السادس قبل الميلاد إلى مدينة عظيمة سيطرت على طرق التجارة ومصادر الثروة، ومن معبد العيون الغامض إلى قصر نرام سن الأكادي المهيب، ومن أقدم طبعات الأختام الأسطوانية إلى أولى الممارسات الحسابية التي مهّدت للكتابة – يروي هذا الموقع قصة التحوّل الكبير من المجتمعات القروية البسيطة إلى المدن والدول المعقدة. ولا تزال أعماق التل تخبّئ أسراراً كثيرة تنتظر الكشف عنها، مما يجعل من تل براك مشروعاً أثرياً واعداً لأجيال قادمة من الباحثين.
اقرأ أيضاً:
- الأوابد الأثرية في سوريا: رحلة عبر الزمن لأعظم 20 معلماً تاريخياً في مهد الحضارات
- أفضل عشرة مواقع تاريخية في سوريا
- متاحف سوريا: كيف حفظت ذاكرة الحضارات عبر العصور؟
- نهب التراث الثقافي السوري: لمحة تاريخية
المصادر والمراجع:
- Oates, J. & Oates, D. 1997. “An Open Gate: Cities of the Fourth Millennium BC (Tell Brak 1997).” Cambridge Archaeological Journal 7/2.
- Akkermans, P. and Schwartz, G. 2003. The Archaeology of Syria. Cambridge University Press.
- Emberling, G. and McDonald, H. 2001. “Excavations at Tell Brak 2000: Preliminary Report.” Iraq 63.
- McMahon, A. 2012. “Syria: Tell Brak.” Current World Archaeology.
- Oates, J., McMahon, A., Karsgaard, P., Al-Quntar, S. & Ur, J. 2007. “Early Mesopotamian Urbanism: A View from the North.” Antiquity 81 (313).
- Khalidi, L., Gratuze, B. & Boucetta, S. 2009. “Provenance of Obsidian Excavated from Late Chalcolithic Levels at the Sites of Tell Hamoukar and Tell Brak, Syria.” Archaeometry 51(6).
مصادر عربية
- آثار سوريا خلال عصور ما قبل التاريخ: د. حسام غازي، د. مي حايك.
- ىثار بلاد الشام القديمة: د. علا التونسي، د. جمال تموم، د. أحمد دياب.
- موسوعة آثار سوريا.




