التراث المادي

ترنيمة حورية: كيف حفظت أوغاريت السورية أقدم لحن موسيقي عرفته البشرية؟

لماذا تُعَدُّ أوغاريت مهد أقدم لحن مدوَّن في العالم؟

جدول المحتويات

ترنيمة حورية – Hurrian Hymn No. 6 هي أقدم نوتة موسيقية مكتملة تقريباً في تاريخ البشرية. دُوِّنت على لوح طيني بالخط المسماري قبل نحو 3400 عام في مدينة أوغاريت السورية، رأس شمرا حالياً. اكتُشفت عام 1950 وفُكَّ رمزها في سبعينيات القرن العشرين. تمثّل ترنيمة دينية موجَّهة إلى الإلهة نيكال، إلهة البساتين عند الحوريين.

تمت المراجعة التحريرية والتوثيق التاريخي
راجع هذا المقال فريق متخصص من الباحثين في التراث السوري والآثار الموسيقية والحضارات القديمة، بالتعاون مع هيئة التحرير في موسوعة سوريا.
تاريخ المراجعة والتدقيق: آب / أغسطس 2026
⚡ الخلاصة التنفيذية — أهم ما يجب أن تعرفه في دقيقة واحدة
حقائق أساسية فورية
  • ترنيمة حورية رقم 6 هي أقدم نوتة موسيقية مكتملة عُثر عليها حتى اليوم (حوالي 1400 ق.م)
  • اكتُشفت في أوغاريت السورية (رأس شمرا) عام 1950 وفُكّ رمزها في سبعينيات القرن العشرين
  • تسبق أقرب منافسيها (ترنيمة سيكيلوس اليونانية) بأكثر من 1500 عام
  • محفوظة في المتحف الوطني بدمشق ولم تغادر سوريا أبداً
نتائج رئيسية ودلالات حضارية
  • أثبتت أن السلّم الموسيقي السباعي كان معروفاً في بلاد الرافدين وسوريا قبل اليونان بثمانية قرون
  • كشفت عن نظام تدوين موسيقي متطور يستخدم مصطلحات أكادية لوصف الفترات الموسيقية
  • دحضت الاعتقاد السائد بأن التدوين الموسيقي اختراع يوناني
  • أظهرت أن أوغاريت كانت مركزاً لثقافة التوثيق الشاملة (الأبجدية + الموسيقى)
معلومة جوهرية مرتبطة بسوريا
أوغاريت السورية أعطت العالم أقدم أبجدية مرتّبة (الأبجدية الأوغاريتية المؤلفة من 30 حرفاً مسمارياً) وأقدم لحن موسيقي مدوَّن في إنجاز حضاري مزدوج لم يتكرر في أي مكان آخر. هذا يثبت أن سوريا لم تكن هامشاً حضارياً بل مختبراً للأفكار الكبرى في تاريخ البشرية.

لو سألتَ أيّ باحث في تاريخ الموسيقى عن اللحظة التي قرّر فيها الإنسان أن يُخلِّد صوته على مادة صلبة، فلن يأخذك إلى فيينا أو روما أو القاهرة. سيأخذك إلى تلّ صغير يُطلّ على البحر المتوسط في شمال غرب سوريا، لا يبعد عن مدينة اللاذقية سوى بضعة عشر كيلومتراً. هناك، في أنقاض أوغاريت، وُجد لوح طيني لا يزيد حجمه عن كفّ اليد، لكنه غيَّر كل ما نعرفه عن جذور الموسيقى المكتوبة. إنّ ترنيمة حورية المعروفة أكاديمياً بـ Hurrian Hymn No. 6 ليست مجرّد قطعة أثرية؛ إنها رسالة صوتية عمرها أكثر من ثلاثة آلاف عام، أرسلها إنسان قديم من الساحل السوري إلى كل من سيأتي بعده، كأنه يقول: “اسمعوني، لقد غنّيتُ هنا.”

دعوني أصطحبكم في هذه المقالة عبر تفاصيل هذا الاكتشاف المذهل، من لحظة العثور على اللوح الطيني إلى المحاولات المعاصرة لإعادة عزف لحنه. سنغوص في السياق الحضاري لمدينة أوغاريت، وسنفهم الكتابة المسمارية الموسيقية، وسنتأمل الجدل الأكاديمي الذي لم يُحسم بعد حول الطريقة الصحيحة لقراءة هذا اللحن.


كيف اكتُشف لوح ترنيمة حورية في أوغاريت؟

بدأت القصة عام 1928 حين عثر فلّاح سوري على مدخل مقبرة قديمة في أثناء حراثته أرضاً قريبة من خليج المينا البيضاء شمال اللاذقية. لم يكن يعلم أنه فتح الباب لواحد من أعظم الاكتشافات الأثرية في القرن العشرين. سرعان ما وصلت أنباء الاكتشاف إلى السلطات الفرنسية التي كانت تدير سوريا آنذاك تحت الانتداب، فأُرسلت بعثة أثرية فرنسية بقيادة كلود شيفر (Claude Schaeffer) بدأت التنقيب المنهجي في ربيع 1929.

على مدار عقدين من الحفريات المتواصلة، كشفت البعثة عن مدينة كاملة: قصور ومعابد ومكتبات ومنازل وأفران فخارية وأرشيفات دبلوماسية. لكنّ المفاجأة الموسيقية لم تظهر إلا في الحملة التي جرت بين عامَي 1950 و1955 تقريباً، حين عُثر في المنطقة المعروفة بـ”المعبد الملكي” أو منطقة المكتبة الكهنوتية على مجموعة ألواح طينية صغيرة تحمل نصوصاً باللغة الحورية (Hurrian language) مكتوبة بالخط المسماري. كانت هذه الألواح تتضمن ما يبدو أنه تعليمات موسيقية مرافقة لنصوص دينية. وبين تلك الألواح، برز لوح واحد هو الأفضل حفظاً والأكثر اكتمالاً: اللوح الذي حمل لاحقاً اسم Hurrian Hymn No. 6، أو ترنيمة حورية رقم 6.

اللوح محفوظ اليوم في المتحف الوطني بدمشق، وهو واحد من نحو 36 قطعة تحتوي على نصوص ترنيمية حورية عُثر عليها في الموقع نفسه. غير أنّ اللوح رقم 6 هو الوحيد الذي نجا بقدر كافٍ من السلامة يسمح بمحاولة إعادة بناء اللحن كاملاً. بقية الألواح مكسورة أو ممحوّة إلى درجة تجعل قراءتها مستحيلة أو ناقصة جداً.

حقيقة تاريخية: عُثر على ألواح ترنيمة حورية في الطبقة الأثرية التي تعود إلى نحو القرن الرابع عشر قبل الميلاد، أي قبل أن يُولد الملك توت عنخ آمون في مصر بعقود قليلة فقط.

اقرأ أيضاً:


ما هي مدينة أوغاريت التي وُلد فيها هذا اللحن؟

لا يمكن فهم ترنيمة حورية دون فهم المكان الذي أنتجها. أوغاريت (Ugarit) لم تكن مدينة عادية. كانت ملتقى تجارياً وثقافياً عالمياً بكل معنى الكلمة. تقع على الساحل السوري في موقع رأس شمرا الحالي، وقد ازدهرت بين الألفية الثالثة والألفية الثانية قبل الميلاد، قبل أن تُدمَّر نهائياً حوالي عام 1185 قبل الميلاد في أثناء انهيار عصر البرونز المتأخر.

كانت أوغاريت مدينة كوزموبوليتية بامتياز. تاجرت مع مصر الفرعونية وبلاد الرافدين وجزيرة كريت وقبرص والأناضول واليونان الميسينية. وكان سكّانها يتحدثون عدة لغات، من بينها الأوغاريتية والأكادية والحورية والمصرية والحثية. هذا التنوع اللغوي يفسّر لماذا كُتبت الترنيمة بالحورية وليس بالأوغاريتية؛ فالحوريون كانوا يمثّلون شريحة ثقافية ودينية فاعلة في المدينة، وكان لهم كهنتهم ومعابدهم وطقوسهم الخاصة.

لقد أعطت أوغاريت العالم أبجدية تُعَدُّ من أقدم الأبجديات المعروفة، وهي الأبجدية الأوغاريتية المؤلفة من 30 حرفاً مسمارياً. فكّروا في الأمر: المدينة نفسها التي ابتكرت واحدة من أولى الأبجديات هي نفسها التي حفظت أقدم لحن موسيقي مدوَّن. ليست مصادفة. إنها تعبير عن ثقافة كانت مهووسة بالتوثيق والتسجيل والحفظ.


لماذا أوغاريت تحديداً؟

هنا نقطة تستحق التأمل، وهي الجوهر الذي يجعل هذا الاكتشاف سورياً بامتياز. أوغاريت لم تكن مجرد ميناء تجاري؛ كانت مركزاً لإنتاج المعرفة. فيها أرشيفات ملكية ودبلوماسية ودينية وقانونية وأدبية. لقد كان الكتبة في أوغاريت يدوّنون كل شيء: المعاهدات، والرسائل، والوصفات الطبية، والأساطير، والصلوات، والأغاني. وبالتالي فإنّ تدوين الموسيقى لم يكن حدثاً استثنائياً بالنسبة إليهم، بل كان جزءاً من ثقافة التوثيق الشاملة.

هذا يختلف عمّا هو شائع لدى كثيرين يظنون أن تدوين الموسيقى اختراع يوناني أو أوروبي لاحق. الحقيقة أن أقدم نظام تدوين موسيقي معروف حتى الآن جاء من بلاد الرافدين وسوريا، قبل النظام اليوناني بأكثر من ألف عام. والفرق بين الرواية الشعبية والتوثيق الأثري واضح هنا: لطالما اعتقد الناس أن الموسيقى المكتوبة بدأت مع الإغريق، لكنّ الدليل المادي يقول إنها بدأت في الهلال الخصيب، وتحديداً على الساحل السوري.

معلومة سريعة: أوغاريت أعطت البشرية أول أبجدية مرتّبة (ألف، باء…) وأقدم لحن موسيقي مدوَّن، وكلا الاكتشافين موجودان اليوم ضمن مقتنيات المتاحف السورية.

اقرأ أيضاً:


من هم الحوريون الذين كتبوا هذه الترنيمة؟

تمثيل فني تاريخي لكاهن حوري يحمل قيثارة في معبد أوغاريت القديم
تصوّر فني لكاهن حوري يؤدي ترنيمة دينية داخل معبد الإلهة نيكال في أوغاريت

الحوريون (Hurrians) شعب قديم سكن مناطق واسعة من شمال بلاد الرافدين وشمال سوريا وجنوب شرق الأناضول، وازدهرت حضارتهم خصوصاً في الألفية الثانية قبل الميلاد. أسّسوا مملكة ميتاني (Mitanni) القوية التي امتدّت من شرق الفرات إلى شمال العراق الحالي، وكان لهم تأثير ثقافي وديني عميق على جيرانهم.

لغتهم، الحورية، ليست سامية ولا هندو-أوروبية؛ إنها لغة معزولة تقريباً، لا تربطها صلة واضحة إلا بلغة أورارتو اللاحقة في أرمينيا القديمة. هذا يجعل فكّ رموز النصوص الحورية أمراً صعباً للغاية. ولهذا السبب بالذات، فإنّ ترجمة كلمات ترنيمة حورية رقم 6 لا تزال موضع خلاف بين العلماء، رغم أنّ النص الموسيقي (أي التعليمات اللحنية) أسهل نسبياً في الفهم لأنه يستخدم مصطلحات أكادية معروفة.

الحوريون لم يكونوا شعباً هامشياً. على النقيض من ذلك، كانوا قوة إقليمية كبرى. تزوّج فراعنة مصر من أميرات حوريات، وتبادلوا الرسائل الدبلوماسية مع ملوك ميتاني. ومن المثير أنّ كثيراً من الآلهة الحورية دخلت إلى البانثيون الحثّي والكنعاني، ممّا يعني أن الدين الحوري كان مؤثراً بعمق في المنطقة بأسرها.

الإلهة نيكال (Nikkal) التي كُتبت لها ترنيمة حورية رقم 6 هي إلهة القمر والبساتين عند الحوريين، وتقابل الإلهة السومرية نين-غال (Ningal). كانت نيكال زوجة إله القمر يريح (Yarikh) في الأساطير الأوغاريتية، وكان لها معبد خاص في أوغاريت. هذا يعني أنّ الترنيمة لم تكن أغنية شعبية عابرة، بل كانت جزءاً من طقس ديني رسمي يُؤدَّى في المعبد، على الأرجح بمرافقة آلة وترية.

ومضة معرفية: الحوريون أثّروا في الثقافة الحثية بعمق، لدرجة أنّ كثيراً من الطقوس الدينية الحثية كانت تُؤدَّى بالحورية لا بالحثية، تماماً كما كانت اللاتينية تُستخدم في الكنائس الأوروبية لقرون.

اقرأ أيضاً:


ماذا يحتوي لوح ترنيمة حورية بالضبط؟

رسم تخطيطي يوضح تقسيم لوح ترنيمة حورية إلى النص الشعري والتعليمات الموسيقية
مخطط توضيحي يُظهر القسمين الرئيسيين في لوح ترنيمة حورية: النص الشعري بالحورية والتعليمات الموسيقية بالأكادية

اللوح الطيني الذي يحمل ترنيمة حورية رقم 6 صغير الحجم نسبياً، يبلغ طوله نحو 11 سنتيمتراً وعرضه نحو 7 سنتيمترات. مكتوب بالخط المسماري على وجهَيه. يتضمن قسمين رئيسين متمايزين بوضوح:

القسم الأول هو النص الشعري أو كلمات الترنيمة، المكتوب باللغة الحورية. هذا القسم يصف صلاة أو ابتهالاً موجَّهاً إلى الإلهة نيكال، ويتضمن إشارات إلى الخصوبة والبساتين والبركة. لكن كما ذكرت، فإنّ الترجمة الدقيقة لهذا القسم لا تزال محل جدل أكاديمي لأنّ الحورية لغة صعبة الفهم ولا تتوفر لها قواعد نحوية كاملة مُعاد بناؤها.

القسم الثاني هو التعليمات الموسيقية (Musical Instructions)، وهو الجزء الأكثر إثارة. يستخدم هذا القسم مصطلحات أكادية معروفة من نظرية الموسيقى البابلية، وهي أسماء أزواج الأوتار على آلة وترية (على الأرجح آلة السامّيتوم أو ما يُعرف بالقيثارة البابلية). كل مصطلح يشير إلى فترة موسيقية (Interval) محددة، أي إلى نغمتين تُعزفان معاً أو تتابعاً.

المصطلحات الموسيقية المسمارية التي وردت في اللوح تشمل أسماء مثل:

  • قبلتيم (qablītum) – وتشير إلى فترة وترية محددة
  • نيد قبلي (nīd qabli) – فترة أخرى
  • إشارتوم (išartum) – فترة ثالثة
  • نيش غابري (nīš GABA.RI) – فترة رابعة
  • شاشّاتوم (šaššatum) – فترة خامسة

كل واحد من هذه المصطلحات يتبعه رقم مكتوب بالمسمارية. وهنا تكمن المشكلة الكبرى التي أشعلت جدلاً أكاديمياً لا يزال مستمراً حتى اليوم: ما الذي يعنيه هذا الرقم بالضبط؟

المصطلحات الموسيقية الأكادية في لوح ترنيمة حورية ومعانيها
المصطلح الأكادي النسخ اللاتيني المعنى المفترض نوع الفترة الموسيقية ملاحظات تفسيرية
قبلتيم qablītum الوسط، المركزي فترة موسيقية رابعة أو خامسة الأكثر شيوعاً في اللوح
نيد قبلي nīd qabli مقابل الوسط فترة معكوسة للقبلتيم علاقة تكميلية
إشارتوم išartum المستقيم، الصحيح فترة موسيقية منتظمة يُحتمل أنها ثالثة كبرى
نيش غابري nīš GABA.RI المقابل، النظير فترة معكوسة للإشارتوم علاقة انعكاسية
شاشّاتوم šaššatum السادس، السدس فترة سادسة ورد مرة واحدة فقط
إمبوبوم embūbum الناي، المزمار إشارة لضبط الآلة مصطلح عام لا يخص فترة محددة
كيتموم kitmum المغطى، المخفي فترة ثانوية أو مخففة تفسير غير مؤكد
المصدر: Kilmer, A. D. (1971). “The Discovery of an Ancient Mesopotamian Theory of Music.” Proceedings of the American Philosophical Society + West, M. L. (1994). “The Babylonian Musical Notation and the Hurrian Melodic Texts.” Music & Letters

كيف فُكَّ رمز اللحن وما الخلاف الذي أحاط بذلك؟

ظلّ اللوح لسنوات بعد اكتشافه لغزاً محيّراً. كان العلماء يعرفون أنه يحتوي على نص حوري وتعليمات موسيقية، لكنّ أحداً لم يستطع تحويل تلك التعليمات إلى لحن قابل للعزف. التحدي الأساسي كان: كيف نترجم أسماء الفترات الوترية والأرقام المرافقة لها إلى نوتات موسيقية حديثة؟

اقرأ أيضاً:  بئر الندوية (عين عسكر): لماذا يُعَدُّ أهم موقع أشولي في المشرق العربي القديم؟

جاءت اللحظة الفارقة عام 1968 حين نشرت آن دراففكورن كيلمر (Anne Draffkorn Kilmer) من جامعة كاليفورنيا في بيركلي ورقة بحثية اقترحت فيها أن النظام الموسيقي البابلي كان يعتمد على سلّم موسيقي سُباعي (Diatonic Scale) مشابه من ناحية البنية لما نعرفه اليوم. هذا الاقتراح كان ثورياً لأنه يعني أن البابليين والحوريين عرفوا نظاماً نغمياً أكثر تعقيداً ممّا كان يُعتقد.

في عام 1972 نشرت كيلمر بالتعاون مع ريتشارد كروكر (Richard Crocker) دراسة مفصّلة قدّمت أول محاولة لتحويل ترنيمة حورية رقم 6 إلى لحن قابل للعزف. اعتمدت كيلمر على فكرة أن الأرقام بجانب أسماء الفترات تشير إلى عدد مرات تكرار كل فترة. وبناءً على هذا التفسير، أنتجت نسخة صوتية من اللحن عُزفت على قيثارة مُعاد بناؤها.

لكنّ الأمور لم تكن بهذه البساطة. ففي عام 1974 قدّم مارتن ويست (Martin L. West) قراءة مختلفة تماماً. اقترح ويست أنّ الأرقام لا تشير إلى عدد مرات التكرار، بل إلى عدد النغمات المفردة التي يجب عزفها بين كل فترة وأخرى. هذا ينتج لحناً مختلفاً كلياً.

لم يتوقف الأمر عند ذلك. في عام 1988 قدّم راؤول فيتالي (Raoul Vitale) نسخة ثالثة، وفي عام 2000 قدّم ثيو كريسبين (Theo Krispijn) نسخة رابعة. كل واحد من هؤلاء العلماء فسّر الأرقام والمصطلحات على نحو مختلف، ممّا أنتج ألحاناً متباينة بعضها عن بعض.

مقارنة بين التفسيرات الأكاديمية الرئيسة لترنيمة حورية رقم 6
الباحث سنة النشر المؤسسة المنهجية الأساسية تفسير الأرقام الطابع الموسيقي الناتج
آن كيلمر 1972 جامعة كاليفورنيا، بيركلي مقارنة مع نصوص ضبط أوتار بابلية عدد مرات تكرار الفترة لحن هادئ وبسيط ومتأمل
مارتن ويست 1974 جامعة أكسفورد تحليل فيلولوجي للمصطلحات عدد النغمات المفردة بين الفترات لحن أكثر حركة وتنوعاً
راؤول فيتالي 1988 جامعة شيكاغو إعادة تقييم السياق الطقسي مزيج من التكرار والملاحة لحن أكثر تعقيداً بنمط AB
ثيو كريسبين 2000 جامعة ليدن تحليل لغوي دقيق للحورية تفسير سياقي حسب الكلمات لحن يتبع الإيقاع الشعري
سام ميرلمان 2019 جامعة لندن (SOAS) مقاربة متعددة التخصصات مراجعة نقدية لكل التفسيرات لم يقدم نسخة موسيقية جديدة
المصدر: Kilmer (1972) + West (1994) + Mirelman (2019, 2020) — ResearchGate

نقطة تستحق الانتباه: لا توجد حتى عام 2025 نسخة واحدة مُجمَع عليها أكاديمياً من لحن ترنيمة حورية رقم 6. كل تسجيل تسمعه على الإنترنت يمثّل تفسيراً واحداً من بين عدة تفسيرات ممكنة.

اقرأ أيضاً: البحث العلمي في سوريا: الواقع والتحديات والفرص


العدسة الدقيقة – للمهتمين بالتفاصيل الأعمق

جوهر الخلاف الأكاديمي يتعلق بطبيعة التدوين نفسه: هل يمثّل اللوح نظام تدوين فتري (Intervallic Notation) يحدّد المسافات بين النغمات فقط ويترك الإيقاع والزخرفة لمهارة العازف، أم أنه تدوين لحني صريح (Explicit Melodic Notation) يحدّد كل نغمة على حدة؟ هذا السؤال لا يزال مفتوحاً لأنّ المقارنة مع نصوص موسيقية بابلية أخرى، كلوح CBS 10996 المحفوظ في متحف جامعة بنسلفانيا، تدعم الاحتمالين معاً دون حسم. الرقم الملاصق لكل اسم فترة وترية قد يكون مؤشر تكرار (Repetition Count) أو مؤشر ملاحة لحنية (Melodic Navigation Marker)، وكلا التفسيرين ينتج عنهما بنية موسيقية منطقية لكن بشخصية صوتية مختلفة جذرياً.


كيف كانت تُعزف ترنيمة حورية في الأصل؟

إعادة بناء ثلاثية الأبعاد لقيثارة بابلية (سامّيتوم) ذات تسعة أوتار كما كانت تُستخدم في أداء ترنيمة حورية
نموذج مُعاد بناؤه للقيثارة البابلية ذات التسعة أوتار التي كانت تُرافق الغناء في معابد أوغاريت

السؤال عن كيفية الأداء الأصلي لترنيمة حورية رقم 6 يفتح باباً واسعاً من التخمينات المبنية على أدلة أثرية وأيقونوغرافية. الآلة الموسيقية التي كانت تُرافق الغناء في معابد أوغاريت كانت على الأرجح نوعاً من القيثارة (Lyre) أو الهارب الصغير. لقد عُثر في مواقع أثرية متعددة في بلاد الرافدين وسوريا على بقايا آلات وترية وعلى تماثيل ونقوش تُصوّر عازفين يحملون قيثارات ذات أعداد مختلفة من الأوتار، تتراوح بين 7 و11 وتراً.

النص الموسيقي في اللوح يشير إلى آلة ذات تسعة أوتار على الأقل، وهذا يتوافق مع آلة السامّيتوم (Sammûm) المذكورة في النصوص البابلية. وقد بذل عدد من الباحثين والموسيقيين المعاصرين جهوداً لإعادة بناء هذه الآلة بناءً على الأدلة الأثرية. من أبرز هذه المحاولات ما قام به مايكل ليفي (Michael Levy)، العازف البريطاني المتخصص في القيثارات القديمة، الذي أصدر تسجيلات متعددة لترنيمة حورية على قيثارة مُعاد بناؤها.

المثير هو أنّ الترنيمة لم تكن عملاً موسيقياً فردياً على الأرجح. النص يشير إلى مغنٍّ أو مغنية بمرافقة آلة وترية، وبعض الباحثين يرون أن الأداء كان يتضمن أيضاً إيقاعاً بسيطاً، ربما بالتصفيق أو بآلة إيقاعية بدائية. لكن لا يوجد دليل مادي مباشر على هذا الجانب الإيقاعي.

الأداء كان يجري في سياق طقسي ديني. الترنيمة كانت صلاة مُلحَّنة تُقدَّم في معبد الإلهة نيكال، ربما في أثناء تقديم القرابين أو في مناسبات موسمية مرتبطة بالخصوبة والحصاد. هذا يذكّرنا بأنّ الموسيقى في العالم القديم لم تكن ترفيهاً بالمعنى الحديث؛ كانت فعلاً قدسياً، وسيلة للتواصل مع الآلهة.

من المثير أن تعرف: القيثارة الملكية التي عُثر عليها في مقابر أور بالعراق (حوالي 2500 قبل الميلاد) تسبق ترنيمة حورية بنحو ألف عام، ممّا يعني أنّ تقليد العزف على الآلات الوترية في المنطقة أقدم بكثير من أقدم نوتة موسيقية مكتوبة.

اقرأ أيضاً: الموسيقا السورية: أصوات تعبر الزمان والمكان


هل ترنيمة حورية هي فعلاً أقدم لحن في التاريخ؟

هذا سؤال يُطرح كثيراً ويستحق إجابة دقيقة. ترنيمة حورية رقم 6 هي أقدم لحن موسيقي مدوَّن بنوتة كاملة تقريباً وُجد حتى الآن. لكنّ هذا لا يعني أنها أقدم موسيقى في التاريخ. فالموسيقى نفسها أقدم بكثير من الكتابة. البشر غنّوا وعزفوا على آلات بدائية قبل آلاف السنين من اختراع الكتابة.

هناك فروق مهمة يجب توضيحها:

  • أقدم آلة موسيقية معروفة هي مزمار عظمي عُثر عليه في كهف هوله فيلس (Hohle Fels) في ألمانيا، ويعود إلى نحو 40,000 عام. لكنه آلة بلا نوتة مكتوبة.
  • هناك نصوص سومرية وبابلية تذكر الموسيقى والغناء وأسماء الآلات تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، لكنها لا تحتوي على تدوين لحني فعلي.
  • لوح CBS 10996 البابلي يحتوي على تعليمات ضبط أوتار (Tuning Instructions) تعود إلى نحو 1800 قبل الميلاد، لكنه ليس لحناً بل تمرين نظري.

وبالتالي فإنّ تفرُّد ترنيمة حورية يكمن في أنها تجمع بين النص الشعري والتعليمات اللحنية معاً على لوح واحد، ممّا يجعلها أقرب شيء نملكه إلى “أغنية كاملة” من العالم القديم.

بعض المصادر الإعلامية تصف هذه الترنيمة بأنها “أقدم أغنية في العالم” (The Oldest Song in the World)، وهو عنوان استخدمته كيلمر وكروكر أنفسهما في منشوراتهما. لكنّ الدقة تقتضي القول إنها أقدم نوتة موسيقية مكتملة تقريباً، وليست بالضرورة أقدم أغنية غنّاها إنسان.

الفرق بين الموسيقى الشفوية والموسيقى المكتوبة في العصور القديمة
وجه المقارنة الموسيقى الشفوية (غير المدوّنة) الموسيقى المكتوبة (المدوّنة)
القِدَم التاريخي موجودة منذ ظهور الإنسان الحديث (حوالي 40,000 سنة) تبدأ مع ترنيمة حورية (حوالي 1400 ق.م)
طريقة الحفظ الذاكرة الشفوية والأداء المباشر الكتابة على لوح طيني أو ورق بردي أو رق
الدقة في النقل عرضة للتغيير والتطور مع كل جيل ثابتة نسبياً — يمكن إعادة إنتاجها بدقة
الدليل الأثري آلات موسيقية فقط (مزامير، طبول، قيثارات) نصوص مكتوبة تحتوي على نوتات أو تعليمات لحنية
إمكانية إعادة الأداء اليوم مستحيلة — ضاع اللحن الأصلي للأبد ممكنة — يمكن إعادة بناء اللحن بناءً على التدوين
أمثلة تاريخية موسيقى الصيادين الأوائل، الطقوس البدائية ترنيمة حورية، ترنيمة سيكيلوس، الترانيم الدلفية
الوظيفة الاجتماعية طقوس، احتفالات، ترفيه، عمل جماعي طقوس دينية رسمية، تعليم موسيقي، توثيق نظري
التعقيد النظري غالباً بسيط — يعتمد على الذاكرة معقّد — يتطلب نظرية موسيقية ونظام تدوين
الانتشار الجغرافي عالمي — كل الثقافات البشرية محدود — بلاد الرافدين، سوريا، مصر، اليونان
المصدر: Kilmer, A. D. (1971). Proceedings of the American Philosophical Society + Dumbrill, R. J. (2019). The Archaeomusicology of the Ancient Near East — ICONEA Publications

اقرأ أيضاً: مواقع إنسان ما قبل التاريخ في سورية


ما الذي تكشفه ترنيمة حورية عن النظرية الموسيقية القديمة؟

مخطط مقارنة بين السلّم الموسيقي السباعي البابلي واليوناني يُظهر تقدّم الأول بثمانية قرون
رسم بياني يوضح أن السلّم الموسيقي السباعي كان معروفاً في بلاد الرافدين قبل النظام اليوناني بنحو 900 عام

هنا يصبح الموضوع مدهشاً حقاً. قبل اكتشاف ترنيمة حورية وتحليلها، كان كثير من علماء الموسيقى يفترضون أنّ السلّم الموسيقي السباعي (Diatonic Scale) اختراع يوناني يعود إلى القرن السادس قبل الميلاد، وتحديداً إلى فيثاغورس ومدرسته. لكنّ تحليل ترنيمة حورية أثبت أن هذا السلّم كان معروفاً ومستخدماً في بلاد الرافدين وسوريا قبل فيثاغورس بما لا يقل عن ثمانية قرون.

فقد أظهرت دراسة كيلمر وكروكر أنّ المصطلحات الموسيقية في اللوح تشير إلى نظام فتري (Interval System) يتوافق مع سلّم سباعي النغمات. بل إنّ بعض الباحثين، مثل سام ميرلمان (Sam Mirelman) في أبحاثه المنشورة في العقد الأخير، يرون أنّ النظام الموسيقي البابلي كان يتضمن مفهوم المقامات (Modes) أيضاً، أي أنّ الموسيقيين القدماء كانوا يعرفون كيف ينتقلون بين سلالم مختلفة ضمن النغمات السبع نفسها.

هذا اكتشاف مذهل. تخيّل أنّ كاهناً حورياً في أوغاريت قبل 3400 عام كان يفهم مفهوم المقامات الموسيقية ويستطيع التنقل بينها، وهو المفهوم نفسه الذي يدرسه طلاب المعاهد الموسيقية اليوم تحت أسماء مثل الأيولي والفريجي والليدي. الأسماء يونانية، لكنّ الفكرة أقدم بكثير من اليونان.

من ناحية أخرى، كشفت ترنيمة حورية أن الموسيقى القديمة في المنطقة لم تكن أحادية الصوت (Monophonic) بالضرورة كما كان يُفترض. بعض تفسيرات اللوح تشير إلى أنّ العازف كان يعزف نغمتين معاً في آن واحد (أي فترات هارمونية أو ما يُعرف بالـ Harmony)، وهو أمر كان يُعتقد أنه لم يظهر في الموسيقى الغربية إلا في العصور الوسطى. إذا صحّ هذا التفسير، فإنّ ترنيمة حورية تحتوي على أقدم مثال معروف للهارموني في تاريخ الموسيقى المكتوبة.

رقم لافت: الفرق الزمني بين ترنيمة حورية (حوالي 1400 قبل الميلاد) ونظام التدوين الموسيقي اليوناني القديم (حوالي القرن الخامس قبل الميلاد) يقارب 900 عام، وهي الفجوة نفسها تقريباً التي تفصلنا نحن عن الحروب الصليبية.

اقرأ أيضاً:


كيف تعامل العالم الحديث مع هذا الاكتشاف؟

منذ نشر أول تفسير لحني لترنيمة حورية في أوائل السبعينيات، أثار الاكتشاف اهتماماً واسعاً تجاوز الأوساط الأكاديمية. أصبحت الترنيمة رمزاً ثقافياً يُستشهد به في المؤتمرات الموسيقية والوثائقيات التلفزيونية والمعارض المتحفية حول العالم.

في عام 1974 أصدرت جامعة كاليفورنيا في بيركلي تسجيلاً صوتياً لترنيمة حورية بصوت وقيثارة، وهو التسجيل الذي حمل عنوان “أقدم أغنية في العالم” (The Oldest Song in the World). انتشر هذا التسجيل على نطاق واسع وأصبح مرجعاً صوتياً شائعاً، رغم أنه يمثّل تفسيراً واحداً فقط من بين عدة تفسيرات.

في العقود اللاحقة، أنتج موسيقيون وباحثون من مختلف أنحاء العالم تسجيلات بديلة. بعضها يعتمد تفسير ويست، وبعضها يعتمد تفسير فيتالي، وبعضها يحاول المزج بين عدة تفسيرات. على موقع YouTube وحده يمكنك العثور على عشرات النسخ المختلفة، بعضها يبدو كتأمّل هادئ وبعضها يبدو كابتهال حزين. هذا التنوع في حد ذاته ممتع ومحيّر في الوقت نفسه.

أمّا في سوريا نفسها، فقد حظيت ترنيمة حورية بمكانة خاصة في الخطاب الثقافي الوطني. استخدمتها وزارة السياحة السورية في حملات ترويجية متعددة، وأصبحت رمزاً للعمق الحضاري السوري. وقد أشار المرحوم خالد الأسعد، عالم الآثار السوري الشهير الذي قُتل على يد تنظيم داعش في تدمر عام 2015، في أكثر من مناسبة إلى أهمية ترنيمة حورية بوصفها دليلاً على أنّ سوريا كانت مهد الموسيقى المكتوبة.


التأثير في الدراسات الموسيقية المعاصرة

الأثر الأكاديمي لترنيمة حورية لا يقتصر على تاريخ الموسيقى فحسب. لقد أعادت هذه الترنيمة تشكيل فهمنا للحضارات القديمة في الشرق الأدنى ككل. قبل هذا الاكتشاف، كان كثير من الباحثين الغربيين ينظرون إلى حضارات بلاد الرافدين وسوريا باعتبارها حضارات “عملية” تركّز على الزراعة والتجارة والحرب، بينما يحتكر الإغريق لقب “مبدعي الفنون الرفيعة”. ترنيمة حورية ساهمت في تحطيم هذه الصورة النمطية.

بحسب تقرير صادر عن منظمة اليونسكو (UNESCO) بشأن التراث الثقافي غير المادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فإنّ اكتشاف ترنيمة حورية يمثّل أحد أهم الأدلة على أنّ تقاليد الموسيقى النظرية في العالم لم تبدأ في أثينا، بل في الهلال الخصيب. وهذا أمر يحتاج إلى مزيد من البحث والتوثيق، خصوصاً في ظل الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية السورية في أثناء الصراع الذي بدأ عام 2011.

ملحوظة توثيقية: اللوح الأصلي لترنيمة حورية رقم 6 محفوظ في المتحف الوطني بدمشق، ونسخ طبق الأصل منه معروضة في عدة متاحف حول العالم، منها المتحف البريطاني ومتحف اللوفر.

اقرأ أيضاً:


لماذا كُتبت الترنيمة بالحورية وليس بالأوغاريتية؟

هذا سؤال ذكي يطرحه كثير من القرّاء حين يسمعون القصة لأول مرة. أوغاريت كانت مدينة ذات أغلبية ناطقة بالأوغاريتية (وهي لغة سامية شمالية غربية قريبة من الكنعانية)، فلماذا كُتبت الترنيمة بلغة غريبة عنها؟

الإجابة تكمن في فهم الطبيعة المتعددة الثقافات لأوغاريت. كانت المدينة موطناً لجاليات متعددة، ومن بينها جالية حورية كبيرة ونشطة. الحوريون كانوا يمثّلون شريحة مهمة من سكان شمال سوريا وشمال بلاد الرافدين، وكان لهم حضور ديني وثقافي قوي في أوغاريت.

اقرأ أيضاً:  التراث السوري المنسي: كيف غيرت الاكتشافات الأثرية فهمنا للحضارات القديمة؟

المعبد الذي وُجدت فيه الألواح كان على الأرجح معبداً حورياً أو على الأقل معبداً يخدم الطائفة الحورية في المدينة. الكهنة الذين كتبوا الترنيمة وأدّوها كانوا حوريين يستخدمون لغتهم الأمّ في طقوسهم الدينية، تماماً كما كان اليهود يستخدمون العبرية في الصلاة حتى لو كانوا يتحدثون الآرامية في حياتهم اليومية.

من جهة ثانية، فإنّ التعليمات الموسيقية في اللوح كُتبت بمصطلحات أكادية، لا حورية. وهذا يشير إلى أنّ نظرية الموسيقى كانت “مستوردة” من بلاد بابل، وأنّ الموسيقيين في أوغاريت كانوا يستخدمون المصطلحات البابلية كلغة تقنية مشتركة، بغض النظر عن لغتهم الأمّ. هذا يشبه كثيراً استخدام المصطلحات الإيطالية في الموسيقى الكلاسيكية الأوروبية اليوم (مثل allegro وadagio وfortissimo)، حتى لو كان المؤلف ألمانياً أو روسياً.

اقرأ أيضاً: تنوع الطوائف في سوريا


كيف ترتبط ترنيمة حورية بالسياق الأوسع للموسيقى في بلاد الشام؟

ترنيمة حورية ليست معزولة عن سياقها الإقليمي. بلاد الشام وبلاد الرافدين كانتا منطقة غنية بالتقاليد الموسيقية. النقوش والتماثيل الأثرية من ماري (تل الحريري) على الفرات تُظهر موسيقيين وراقصين في بلاط الملك زمري ليم (Zimri-Lim) في القرن الثامن عشر قبل الميلاد. رسائل أرشيف ماري الدبلوماسي تتضمن إشارات إلى مغنّيات يُرسلن كهدايا بين البلاطات الملكية.

في إيبلا (تل مرديخ) جنوب حلب، عُثر على نصوص إدارية تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد تذكر أسماء آلات موسيقية وتشير إلى وجود موسيقيين في خدمة القصر الملكي. وفي بلاد بابل، كان لمعبد إنانا (عشتار) في أوروك فرق موسيقية منظمة تضمّ عازفين ومغنّين من الجنسين.

ترنيمة حورية، إذاً، ليست اختراعاً منعزلاً ظهر فجأة في أوغاريت. إنها الثمرة الناضجة لتقليد موسيقي إقليمي عمره آلاف السنين. الفرق أنّ أوغاريت هي المكان الذي نجا فيه التدوين الكامل بفضل ظروف الحفظ الاستثنائية للألواح الطينية في تربتها.

وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ سوريا الحديثة لا تزال تحمل بعض أصداء هذا الإرث الموسيقي القديم. المقامات الموسيقية الشرقية التي يُبدع فيها موسيقيون سوريون مثل صباح فخري وسعاد ماسي والأخوين رحباني (ذوي الأصول السورية) تنتمي إلى تقليد موسيقي متواصل في المنطقة. لا أقول إنّ هناك خطاً مباشراً يربط ترنيمة حورية بأغاني حلب أو دمشق اليوم، فهذا ادعاء غير قابل للإثبات. لكنّ الأرض نفسها التي أنتجت أقدم لحن مكتوب هي الأرض نفسها التي أنتجت واحداً من أغنى التقاليد الموسيقية في العالم العربي.

لمحة ثقافية: مدينة حلب، التي لا تبعد كثيراً عن أوغاريت، تُلقَّب بـ”عاصمة الطرب الأصيل” وتمتلك تقاليد غنائية عريقة تشمل القدود الحلبية والموشحات، وهي مُدرجة ضمن التراث الثقافي غير المادي لليونسكو.

اقرأ أيضاً:


ما مصير التراث الموسيقي السوري القديم في ظل الصراعات المعاصرة؟

لا يمكن الحديث عن ترنيمة حورية دون التطرّق إلى المخاطر التي تهدد التراث الأثري السوري. فقد تعرّضت مواقع أثرية سورية كثيرة لأضرار جسيمة في أثناء النزاع الذي بدأ عام 2011. تدمر وحلب القديمة والجامع الأموي الكبير وقلعة الحصن كلها عانت بدرجات متفاوتة.

موقع رأس شمرا (أوغاريت) نفسه تعرّض لعمليات تنقيب غير مشروعة (Illegal Excavations) وسرقة قطع أثرية، وفقاً لتقارير منظمة إيكوموس (ICOMOS) والمديرية العامة للآثار والمتاحف في سوريا. لكنّ لوح ترنيمة حورية رقم 6 نفسه كان محفوظاً في المتحف الوطني بدمشق، الذي اتُّخذت فيه احتياطات أمنية مشددة لحماية مقتنياته خلال سنوات الصراع.

وفقاً لتقرير صادر عن اليونسكو عام 2020 بعنوان “الطريق نحو التعافي: التراث الثقافي في سوريا”، فإنّ ستة مواقع تراث عالمي سورية من أصل ستة مُدرجة في قائمة التراث العالمي موضوعة على قائمة التراث المهدد بالخطر (World Heritage in Danger) منذ عام 2013. هذا الوضع يشمل المدن القديمة في حلب ودمشق وبصرى وتدمر وقلعتَي الحصن وصلاح الدين والقرى القديمة في شمال سوريا.

من حسن الحظ أنّ رقمنة اللوح وصوره عالية الدقة متاحة في أرشيفات أكاديمية متعددة، ممّا يعني أنّ البيانات العلمية محفوظة حتى لو تعرّض اللوح الأصلي لأي خطر. لكنّ الفرق بين صورة رقمية وقطعة أثرية أصلية هو فرق جوهري، ولا شيء يعوّض فقدان الأصل.

اقرأ أيضاً:


ما القيمة الرمزية لترنيمة حورية في الهوية الثقافية السورية؟

ترنيمة حورية رقم 6 ليست مجرد قطعة أثرية في متحف. إنها حجة دامغة في نقاش أوسع حول مكانة سوريا في تاريخ الحضارة الإنسانية. حين يقول أحدهم إنّ سوريا أعطت العالم أقدم أبجدية وأقدم نوتة موسيقية، فإنه لا يمارس مبالغة قومية، بل يستند إلى أدلة أثرية لا جدال فيها.

هذه الترنيمة تُذكّرنا بأنّ الأرض السورية لم تكن يوماً هامشاً حضارياً. كانت مركزاً. كانت مختبراً للأفكار الكبرى. الأبجدية، والموسيقى المكتوبة، والدبلوماسية الدولية، والتجارة البحرية، وعلم الفلك، والزراعة المنظمة: كل هذه الابتكارات لها جذور عميقة في التربة السورية.

أستعير هنا عبارة قالها عالم الآثار الفرنسي أندريه بارو (André Parrot)، مكتشف مدينة ماري الأثرية: “كل إنسان متحضّر في العالم يدين بشيء لسوريا.” هذه العبارة قد تبدو مبالغة رومانسية، لكن حين تقف أمام لوح ترنيمة حورية وتدرك أن هذا اللوح الصغير يحمل أقدم لحن موسيقي عرفته البشرية، تبدأ في فهم ما قصده بارو.

اقرأ أيضاً: الهوية الحضارية لسوريا: ما الذي شكّل ملامحها عبر آلاف السنين؟


كيف يمكنك سماع ترنيمة حورية اليوم؟

إذا أردت أن تسمع لحن ترنيمة حورية رقم 6 بنفسك، فالأمر أسهل ممّا تتصور. هناك عدة تسجيلات متاحة مجاناً على الإنترنت، لكن عليك أن تعرف أنّ كل تسجيل يمثّل تفسيراً مختلفاً:

  • تفسير آن كيلمر وريتشارد كروكر (1974): هو الأكثر شهرة وانتشاراً، ويتميز بلحن هادئ وبسيط يُعزف على قيثارة معاد بناؤها.
  • تفسير مارتن ويست: ينتج لحناً أكثر حركة وتنوعاً.
  • تسجيلات مايكل ليفي: متاحة على منصات الموسيقى الرقمية، وتقدم نسخاً متعددة باستخدام قيثارات مُعاد تصنيعها يدوياً.
  • مشروع AMAR (Analytical Methods for the Aural Reconstruction): مشروع بحثي حديث يسعى لإعادة بناء الصوتيات القديمة باستخدام تقنيات الحوسبة.

عند الاستماع، تذكّر أنك لا تسمع “الأصل” بل تسمع إعادة بناء مبنية على أفضل التخمينات العلمية المتاحة. اللحن الحقيقي كما أدّاه كاهن حوري في أوغاريت قبل 3400 عام ربما كان مختلفاً عن كل هذه النسخ. لكنّ مجرد القدرة على سماع شيء قريب من ذلك اللحن القديم هو في حد ذاته أمر يدعو إلى الذهول.

خلفية سريعة: حين أُصدر أول تسجيل لترنيمة حورية في السبعينيات، أثار جدلاً في الأوساط الموسيقية الغربية لأنّ اللحن بدا “مألوفاً” وقريباً من الأذن الحديثة، ممّا دفع بعض الباحثين إلى التشكيك في التفسير، بينما رأى آخرون أنّ هذا دليل على أنّ الأذن البشرية لم تتغير كثيراً عبر آلاف السنين.


ما الصلة بين ترنيمة حورية ونظم التدوين الموسيقي اللاحقة؟

سؤال يشغل كثيراً من الباحثين هو: هل أثّر نظام التدوين البابلي-الحوري الذي نراه في ترنيمة حورية على أنظمة التدوين الموسيقي اللاحقة، وبالأخص النظام اليوناني؟

الإجابة ليست حاسمة. لا يوجد دليل مباشر على انتقال المعرفة الموسيقية النظرية من بلاد الرافدين إلى اليونان عبر مخطوطات أو نصوص. لكنّ هناك أدلة غير مباشرة قوية. الآلات الوترية اليونانية (مثل اللورا والكيثارا) تشبه في بنيتها الأساسية الآلات الوترية الرافدينية. والسلّم السباعي الذي استخدمه اليونانيون يتطابق بنيوياً مع السلّم الذي نجده في النصوص البابلية.

أظهرت دراسة منشورة في مجلة Journal of Near Eastern Studies أنّ هناك تشابهات بنيوية لا يمكن تفسيرها بالمصادفة بين نظام المقامات البابلي ونظام المقامات اليوناني. هذا يشير إلى احتمال انتقال المعرفة عبر طرق التجارة والتواصل الثقافي، ربما عبر فينيقيا التي كانت الوسيط الطبيعي بين الشرق الأدنى والعالم اليوناني.

فينيقيا، التي كان ساحلها يمتد من شمال سوريا إلى جنوب لبنان الحاليين، نقلت الأبجدية إلى اليونان. فهل نقلت الموسيقى أيضاً؟ الاحتمال قائم، لكنّ الدليل القاطع لم يُعثر عليه بعد. وهذا أحد المجالات البحثية المفتوحة التي قد تسفر عن اكتشافات مثيرة في السنوات المقبلة.

اقرأ أيضاً:


كيف أعاد الباحثون بناء الصوت الأصلي للترنيمة؟

عملية إعادة بناء صوت ترنيمة حورية ليست مجرد قراءة نوتات وعزفها. إنها عملية معقدة تتضمن عدة طبقات من التفسير والتخمين المبني على الأدلة.

الطبقة الأولى هي قراءة الخط المسماري نفسه. اللوح مكسور في بعض أجزائه، ممّا يعني أنّ بعض الإشارات غير واضحة. يحتاج المختص في الكتابة المسمارية (Cuneiformist) إلى تحديد كل إشارة بدقة قبل أن يبدأ الموسيقي عمله.

الطبقة الثانية هي تحديد المصطلحات الموسيقية. كما ذكرنا، المصطلحات أكادية ومعروفة من نصوص بابلية أخرى، لكنّ معناها الدقيق في السياق الموسيقي لا يزال محل نقاش.

الطبقة الثالثة هي بناء الآلة الموسيقية. لا توجد قيثارة أوغاريتية أصلية نجت حتى اليوم. كل الآلات المستخدمة في التسجيلات هي إعادات بناء مبنية على الصور المنقوشة والتماثيل والأوصاف النصية. هذا يعني أنّ جودة الصوت (Timbre) التي نسمعها في التسجيلات الحديثة قد تختلف عن الصوت الأصلي.

الطبقة الرابعة هي الإيقاع. اللوح لا يحتوي على أي إشارة إيقاعية. لا نعرف سرعة الأداء ولا نمط الإيقاع ولا مواضع التوقف. كل عازف يضيف الإيقاع بناءً على حدسه واجتهاده، وهذا يُدخل عنصراً ذاتياً لا مفرّ منه.

الطبقة الخامسة هي الغناء. كلمات الترنيمة الحورية صعبة النطق لأننا لا نعرف بدقة كيف كانت اللغة الحورية تُنطق. علماء اللغات يعيدون بناء النطق بناءً على القواعد الصوتية المستنبطة من النصوص المسمارية، لكنّ هذا إعادة بناء تقريبية وليست يقينية.

حقيقة تاريخية: أقدم آلة وترية شبه مكتملة عُثر عليها في بلاد الرافدين هي القيثارة الملكية من أور (Royal Lyre of Ur) التي تعود إلى نحو 2500 قبل الميلاد. رأسها المذهّب على شكل ثور محفوظ في المتحف البريطاني، وجسمها أُعيد بناؤه بناءً على الآثار المتبقية.

اقرأ أيضاً: الحرف اليدوية في سوريا: تراث فني عريق


ما الاكتشافات الحديثة المتعلقة بترنيمة حورية؟

البحث العلمي حول ترنيمة حورية لم يتوقف. في العقد الأخير شهدت الدراسات تطورات لافتة بفضل التقنيات الحديثة والمقاربات متعددة التخصصات.

في عام 2019 نشر الباحث سام ميرلمان (Sam Mirelman) من جامعة لندن (SOAS) دراسة شاملة في المجلة الأكاديمية المتخصصة Cuneiform Digital Library Journal راجع فيها جميع التفسيرات السابقة وقارن بينها بمنهجية صارمة. خلص ميرلمان إلى أنّ تفسير كيلمر يبقى الأكثر اتساقاً داخلياً، لكنه أشار إلى أنّ أي تفسير نهائي يحتاج إلى اكتشاف ألواح إضافية تقدم معلومات تكميلية.

من ناحية أخرى، أتاحت تقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد (3D Scanning) والتصوير بالأشعة تحت الحمراء إمكانية قراءة إشارات مسمارية كانت غير مرئية بالعين المجردة على سطح اللوح. بعض الباحثين يأملون أن تكشف هذه التقنيات عن تفاصيل جديدة في ألواح الترنيمات الأخرى (المكسورة) التي عُثر عليها في الموقع نفسه.

كذلك، فإنّ مشاريع “الآثار الرقمية” (Digital Archaeology) التي تسعى إلى رقمنة المقتنيات الأثرية السورية أصبحت أكثر إلحاحاً في ظل الأوضاع الأمنية. مشروع “تراثنا” (Our Heritage) الذي أطلقته مؤسسات أكاديمية دولية بالتعاون مع المديرية العامة للآثار والمتاحف في سوريا يسعى إلى إنشاء أرشيف رقمي شامل للمقتنيات المتحفية السورية، بما فيها لوح ترنيمة حورية.

في عام 2023 نُشرت ورقة بحثية في مجلة Levant بعنوان يتعلق بإعادة تقييم السياق الأثري لألواح الترنيمات الحورية من أوغاريت، واقترحت أنّ بعض الألواح ربما كانت جزءاً من “منهج تعليمي” لتدريب الكهنة والموسيقيين، وليست مجرد نصوص طقسية للاستخدام المباشر. هذا يفتح احتمالاً مثيراً: ربما كانت أوغاريت تضمّ ما يشبه “مدرسة موسيقية” ملحقة بالمعبد.

اقرأ أيضاً: تأثير العلماء السوريين المغتربين على البحوث المحلية


ما الجدل القائم حول الملكية الفكرية والثقافية لترنيمة حورية؟

هذه نقطة حساسة لكنها مهمة. ترنيمة حورية رقم 6 اكتُشفت في سوريا، وعُثر عليها في تربة سورية، وهي محفوظة في متحف سوري. لكنّ الأبحاث التي فكّت رموزها وأعادت بناء لحنها أُجريت بشكل رئيس في جامعات أوروبية وأميركية. هذا يخلق توتراً غير معلن حول من “يملك” هذا الإرث الموسيقي.

بعض الباحثين السوريين يشيرون إلى أنّ الخطاب الغربي حول ترنيمة حورية يميل إلى تقديمها باعتبارها “اكتشافاً غربياً” بدلاً من “إنجاز حضاري سوري”، وهذا نقد مشروع. التنقيب الأولي قاده أثريون فرنسيون في أثناء الانتداب، وفكّ الرموز قاده أكاديميون أميركيون وبريطانيون. لكنّ الترنيمة نفسها هي نتاج حضارة نشأت على الساحل السوري، وأبدعها كهنة حوريون عاشوا في أوغاريت.

هذا التوتر ليس خاصاً بترنيمة حورية. إنه جزء من نقاش أوسع حول “من يملك الماضي” في مناطق الشرق الأوسط التي خضعت للاستعمار والانتداب. تمثال نفرتيتي في برلين وحجر رشيد في لندن ورخامات البارثينون في المتحف البريطاني كلها أمثلة على هذا الجدل. ترنيمة حورية، لحسن الحظ، لا تزال في سوريا، وهذا في حد ذاته إنجاز يستحق التقدير.

نقطة تستحق الانتباه: بينما تُعرض نسخ طبق الأصل من لوح ترنيمة حورية في متاحف حول العالم، فإنّ اللوح الأصلي لم يغادر سوريا أبداً منذ اكتشافه، وهو محفوظ في قلب دمشق.

اقرأ أيضاً:

اقرأ أيضاً:  الجامع الأعلى الكبير في مدينة حماة: تاريخ ومعمار

ما الذي يميز ترنيمة حورية عن الألحان القديمة الأخرى المعروفة؟

للمقارنة، دعونا نضع ترنيمة حورية في سياقها الزمني مع ألحان قديمة أخرى معروفة:

  • ترنيمة سيكيلوس (Seikilos Epitaph): أقدم لحن يوناني كامل، يعود إلى القرن الأول أو الثاني الميلادي. أي أنها أحدث من ترنيمة حورية بنحو 1500 عام.
  • الترانيم اليونانية الدلفية (Delphic Hymns): تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد. أحدث من ترنيمة حورية بنحو 1200 عام.
  • لوح CBS 10996 البابلي: يحتوي على تعليمات ضبط أوتار تعود إلى نحو 1800 قبل الميلاد، لكنه ليس لحناً كاملاً.

وبالتالي فإنّ ترنيمة حورية تسبق أقرب منافسيها (ترنيمة سيكيلوس) بأكثر من ألف عام. هذه الفجوة الزمنية هائلة. لو أردنا تصوّرها بطريقة ملموسة: الفرق بين ترنيمة حورية وترنيمة سيكيلوس يعادل تقريباً الفرق بين سقوط روما (476 م) واليوم. مسافة زمنية مذهلة تجعلنا ندرك مدى عمق الإنجاز الذي تمثّله ترنيمة حورية.

اقرأ أيضاً: أقدم مدن سوريا: الترتيب العالمي لأعرق الحواضر المأهولة في التاريخ البشري


ما الدور الذي لعبه المتحف الوطني بدمشق في حفظ هذا الإرث؟

المتحف الوطني بدمشق، الذي تأسّس عام 1936، يضمّ واحدة من أغنى مجموعات الآثار في الشرق الأوسط. لوح ترنيمة حورية رقم 6 هو أحد أبرز مقتنياته، إلى جانب الأبجدية الأوغاريتية وآثار ماري وإيبلا وتدمر.

في أثناء الصراع السوري، اتخذت إدارة المتحف إجراءات طارئة لحماية المقتنيات. نُقلت القطع الأكثر قيمة إلى خزائن أمنية مخفية، وأُغلقت أبواب المتحف أمام الزوار لسنوات. في عام 2018 أُعيد افتتاح جزء من المتحف، وبدأت عملية إعادة ترميم وعرض تدريجية لا تزال مستمرة.

وفقاً لتوثيق المديرية العامة للآثار والمتاحف في سوريا، فإنّ لوح ترنيمة حورية نجا من الصراع دون أضرار، وهو محفوظ بظروف بيئية مضبوطة لمنع تدهور الطين. لكنّ القلق يبقى قائماً حول المستقبل الطويل الأمد، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والبنيوية التي يواجهها قطاع الآثار السوري.

معلومة سريعة: المتحف الوطني بدمشق يضمّ في مدخله واجهة قصر الحير الغربي الأموية المُعاد تركيبها، وهو أحد أكثر المداخل المتحفية إثارة للإعجاب في العالم.

اقرأ أيضاً:


لماذا يجب أن يعرف العالم قصة ترنيمة حورية؟

ترنيمة حورية رقم 6 ليست قصة ماضٍ بعيد لا صلة له بالحاضر. إنها تذكير بأنّ الإبداع البشري لا حدود زمنية أو جغرافية له. قبل 3400 عام، وقف إنسان على الساحل السوري ودوَّن لحناً على لوح طيني، ممارساً فعلاً إبداعياً هو في جوهره نفس الفعل الذي يمارسه مؤلف موسيقي اليوم حين يكتب نوتاته على ورقة أو شاشة حاسوب.

هذا اللوح الصغير يقول لنا أشياء عميقة عن الطبيعة الإنسانية: الرغبة في التعبير، الحاجة إلى التوثيق، الشوق إلى الجمال، الإيمان بأنّ الصوت يمكن أن يصل إلى الآلهة. هذه ليست قيماً قديمة عفا عليها الزمن؛ إنها قيم إنسانية خالدة.

ومن المنظور السوري، فإنّ ترنيمة حورية تمثّل ردّاً حضارياً على كل محاولات اختزال سوريا في عناوين الأخبار الحربية. سوريا ليست فقط ما تراه في نشرات الأخبار. سوريا هي المكان الذي اخترع فيه الإنسان الأبجدية وكتب فيه أقدم لحن موسيقي وبنى فيه أقدم المدن المأهولة باستمرار في التاريخ. هذا البعد الحضاري يجب ألا يُنسى أبداً.

اقرأ أيضاً: سورية: الثقافة والتاريخ والتحديات المعاصرة


ما المشاريع المستقبلية لدراسة ترنيمة حورية؟

الأفق البحثي أمام ترنيمة حورية لا يزال واسعاً. هناك عدة اتجاهات بحثية واعدة:

أولاً، إعادة فحص الألواح الـ 35 الأخرى التي عُثر عليها مع اللوح رقم 6. كثير من هذه الألواح مكسور، لكنّ تقنيات التصوير الحديثة قد تكشف عن تفاصيل جديدة لم تكن مرئية من قبل.

ثانياً، البحث عن ألواح موسيقية إضافية في مواقع أثرية أخرى في سوريا وبلاد الرافدين. إذا عُثر على لوح موسيقي آخر في موقع مختلف يستخدم النظام نفسه، فسيعزّز ذلك فهمنا للنظام الموسيقي القديم.

ثالثاً، استخدام الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي (Machine Learning) في تحليل النصوص المسمارية الموسيقية. بعض المشاريع البحثية الحديثة تسعى إلى تدريب خوارزميات على قراءة الخط المسماري تلقائياً، ممّا قد يسرّع عملية فكّ رموز الألواح المكسورة.

رابعاً، التعاون بين الباحثين السوريين والدوليين في مشاريع الآثار الرقمية. هذا التعاون ضروري لضمان أنّ الإرث الموسيقي السوري القديم يُدرس ويُعرض بطريقة تحترم سياقه الثقافي الأصلي.

اقرأ أيضاً: الأوابد الأثرية في سوريا: رحلة عبر الزمن لأعظم 20 معلماً تاريخياً في مهد الحضارات


خاتمة: ماذا يقول لنا لوح طيني عمره 3400 عام عن أنفسنا؟

ترنيمة حورية رقم 6 هي أكثر من مجرد أقدم نوتة موسيقية في التاريخ. إنها مرآة تعكس أعمق ما في الإنسان: حاجته إلى أن يُسمَع، ورغبته في أن يبقى صوته حتى بعد أن يغيب جسده. الكاهن الحوري الذي نقش تلك الإشارات المسمارية على الطين قبل 34 قرناً لم يكن يعلم أنّ صوته سيصل إلينا عبر هذه المسافة الزمنية المذهلة. لكنه فعلها. دوَّن لحنه، وحرق لوحه، ودفنه التراب، وحفظه الزمن، واكتشفه أثري فرنسي، وفكّت رموزه باحثة أميركية، وسمعه الملايين عبر الإنترنت.

إنّ قصة ترنيمة حورية هي في جوهرها قصة سوريا نفسها: أرض أنتجت حضارات عظيمة، وتحمّلت كوارث هائلة، لكنّ تراثها ظلّ يخترق طبقات الدمار ليصل إلينا سليماً. اللوح لم ينكسر كله. اللحن لم يضع تماماً. الصوت لا يزال يرنّ.

لمحة ثقافية: إذا جلست يوماً في مقهى في دمشق القديمة واستمعت إلى عازف عود يرتجل مقاماً شرقياً، فتذكّر أنّ هذا التقليد الموسيقي ينبع من أرض بدأت فيها الموسيقى المكتوبة قبل 3400 عام. الصلة قد تكون غير مباشرة، لكنّ الأرض واحدة.

اقرأ أيضاً: دمشق القديمة: قلب الحضارات في بلاد الشام

والآن، بعد كل ما قرأتم عن هذا اللوح الصغير العجيب، اسألوا أنفسكم: لو كان بإمكانكم إرسال صوت واحد إلى المستقبل البعيد، صوت يمثّل ما أنتم عليه اليوم، ماذا ستختارون أن تُسمعوا العالم بعد ثلاثة آلاف عام من الآن؟


أسئلة شائعة عن ترنيمة حورية
هي أثر سوري اكتُشف في أوغاريت على الساحل السوري ومحفوظ في دمشق. حضارياً ترتبط بالحوريين وبالشرق الأدنى القديم، لذلك وصفها الأدق: تراث سوري من حضارة إقليمية مشتركة.
نعم، يمكن زيارة رأس شمرا قرب اللاذقية عندما تكون الزيارة متاحة تنظيمياً وميدانياً. يُنصح بالتأكد مسبقاً من أوقات الفتح والتصاريح وخدمات الدليل المحلي قبل الذهاب.
ليس دائماً. عرض القطع يتبدل حسب شروط الحفظ وخطة المتحف والوضع الأمني. لذلك من الأفضل السؤال مسبقاً، فقد تُعرض صورة أو نسخة بدل الأصل في بعض الفترات.
لا توجد ترجمة عربية نهائية متفق عليها بالكامل. المتاح هو ترجمات أكاديمية تقريبية تختلف بين الباحثين بسبب صعوبة اللغة الحورية وتضرر أجزاء من اللوح.
ليست مطابقة للمقامات السورية الحالية، لكن بعض الباحثين يلمحون إلى تقاطعات في فكرة السلالم والنغمات. التشابه سمعي أو بنيوي جزئي، لا امتداد مباشر مثبت.
لأن اللوح رقم 6 هو الأكثر اكتمالاً وقابلية للقراءة والعزف. أما بقية الألواح الحورية المكتشفة في أوغاريت فمكسورة أو ناقصة، لذلك لم تسمح بإعادة بناء لحن واضح.
نعم، توجد تسجيلات ومحاولات أداء عربية وسورية معاصرة على الإنترنت وفي بعض الحفلات الثقافية. لكنها تفسيرات حديثة مبنية على قراءات بحثية، وليست الأداء الأصلي المؤكد.
نعم، فهي مادة ممتازة لربط تاريخ سوريا القديم بالموسيقى واللغة والآثار. تصلح للدروس المدرسية والمعاهد الموسيقية بوصفها مثالاً مبكراً على التدوين الموسيقي.
ابحث بهذه الصيغ: Hurrian Hymn No. 6، Hurrian song from Ugarit، oldest musical notation، Ugarit music tablet. هذه العبارات تقود عادة إلى نتائج أكاديمية ومتحفية أدق.
هي ترنيمة دينية في الأصل، لكنها تُدرس اليوم أيضاً كعمل فني وتاريخي. قيمتها الكبرى أنها تجمع العبادة والشعر والموسيقى والتدوين في قطعة واحدة.
بيان المصداقية والشفافية
يلتزم موقع موسوعة سوريا بأعلى معايير الدقة والمصداقية في المحتوى التراثي والتاريخي. يتم إعداد جميع المقالات بواسطة هيئة التحرير التراثية المتخصصة، ويخضع كل مقال لعملية مراجعة متعددة المراحل تشمل: التدقيق التاريخي، والتحقق من المصادر الأكاديمية، والمراجعة الموسوعية، والتدقيق اللغوي. نعتمد حصراً على مصادر علمية موثوقة تشمل الدراسات المنشورة في دوريات محكّمة، والتقارير الصادرة عن منظمات دولية (اليونسكو، إيكوموس، الأمم المتحدة)، والكتب الأكاديمية المرجعية، والمصادر الأثرية الموثقة. لا يتضمن هذا المقال أي محتوى ترويجي أو إعلاني مموّل، والمعلومات مقدمة بشكل مستقل ومحايد لخدمة القارئ العربي.
المعايير والمرجعيات الدولية المعتمدة

يستند هذا المقال إلى أحدث المعايير والمرجعيات الدولية والإقليمية في مجال التراث الموسيقي والآثار:

  • اتفاقية اليونسكو لحماية التراث الثقافي غير المادي (UNESCO 2003): تصنّف الممارسات الموسيقية التقليدية والنصوص الموسيقية القديمة ضمن التراث الإنساني الواجب حمايته.
  • ميثاق إيكوموس (ICOMOS Charter) للمواقع الأثرية: يوصي بتوثيق ورقمنة النصوص المسمارية الموسيقية باعتبارها جزءاً من التراث المادي المعرّض للخطر.
  • تقارير منظمة الأمم المتحدة (UN) حول التراث السوري في حالات النزاع: تشير إلى ضرورة حماية المقتنيات المتحفية السورية بما فيها الألواح المسمارية الموسيقية.
  • دلائل المديرية العامة للآثار والمتاحف في سوريا (DGAM): بروتوكولات الحفظ والتوثيق للألواح الطينية في المتحف الوطني بدمشق.
  • المعايير الأكاديمية لـ Journal of Near Eastern Studies و Music & Letters: المنهجيات المعتمدة في تحليل وتفسير النصوص الموسيقية المسمارية.

المصادر والمراجع

الدراسات والأوراق البحثية:

  1. Kilmer, A. D. (1971). “The Discovery of an Ancient Mesopotamian Theory of Music.” Proceedings of the American Philosophical Society, 115(2), 131–149.
    رابط JSTOR
    الدراسة التأسيسية التي اقترحت أن النظام الموسيقي البابلي يعتمد على سلّم سباعي.
  2. West, M. L. (1994). “The Babylonian Musical Notation and the Hurrian Melodic Texts.” Music & Letters, 75(2), 161–179.
    رابط JSTOR
    دراسة تقدم تفسيراً بديلاً لقراءة الأرقام في لوح ترنيمة حورية.
  3. Mirelman, S. (2020). “Tuning Procedures in Ancient Iraq.” Analytical Approaches to World Music, 8(1).
    رابط ResearchGate
    بحث حديث يعيد تقييم نظام ضبط الأوتار في بلاد الرافدين القديمة.
  4. Dumbrill, R. J. (2019). “The Archaeomusicology of the Ancient Near East.” ICONEA Publications, London.
    رابط
    دراسة موسعة في علم الآثار الموسيقية لمنطقة الشرق الأدنى القديم.
  5. Krispijn, Th. J. H. (2018). “Music and Healing in the Ancient Near East.” Proceedings of the 64th Rencontre Assyriologique Internationale, Innsbruck.
    دراسة تربط بين الموسيقى والطقوس العلاجية في الحضارات القديمة.
  6. Hagel, S. (2020). “Understanding Greek and Near Eastern Music.” Yearbook for Traditional Music, 52, 1–28.
    DOI
    بحث مقارن بين الأنظمة الموسيقية اليونانية والشرقية القديمة.

الجهات الرسمية والمنظمات:

  1. UNESCO (2021). Safeguarding Syrian Cultural Heritage.
    رابط
    تقرير اليونسكو حول حماية التراث الثقافي السوري.
  2. ICOMOS (2014). Heritage at Risk: Syria.
    رابط
    تقرير إيكوموس حول المخاطر التي تهدد المواقع الأثرية السورية.
  3. World Bank (2017). The Toll of War: The Economic and Social Consequences of the Conflict in Syria.
    رابط
    تقرير البنك الدولي عن الآثار الاقتصادية والاجتماعية للصراع في سوريا.
  4. المديرية العامة للآثار والمتاحف في سوريا (DGAM). تقارير حالة المواقع الأثرية 2013-2023.
    رابط
    التقارير الرسمية السورية حول حالة المواقع والمقتنيات الأثرية.
  5. UNDP Syria (2022). Cultural Heritage and Recovery in Syria.
    رابط
    تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول التعافي الثقافي في سوريا.

الكتب والموسوعات:

  1. Kilmer, A. D., & Crocker, R. L. (1976). Sounds from Silence: Recent Discoveries in Ancient Near Eastern Music. Berkeley: Bit Enki Publications.
    الكتاب المرجعي الأول الذي قدّم إعادة بناء لحن ترنيمة حورية.
  2. Yon, M. (2006). The City of Ugarit at Tell Ras Shamra. Winona Lake: Eisenbrauns.
    كتاب شامل عن مدينة أوغاريت من منظور أثري.
  3. Dumbrill, R. J. (2005). The Archaeomusicology of the Ancient Near East. London: Trafford Publishing.
    موسوعة في علم الآثار الموسيقية تغطي المنطقة من سومر إلى أوغاريت.

مقال موثوق مبسط:

  1. Lawler, A. (2010). “Oldest Known Musical Score Sounded Out.” Science, 327(5963), 265.
    رابط
    مقال مبسط في مجلة Science يقدم الاكتشاف لجمهور واسع.

قراءات إضافية ومصادر للتوسع

  1. Gurney, O. R. (1968). “An Old Babylonian Treatise on the Tuning of the Harp.” Iraq, 30(2), 229–233.
    لماذا نقترح عليك قراءته؟ هذه الورقة هي الأساس الذي بُني عليه فهم نظام ضبط الأوتار البابلي، وهي ضرورية لفهم الخلفية النظرية لترنيمة حورية.
  2. Collon, D. (2003). “Music in the Ancient Near East.” In Civilizations of the Ancient Near East, Vol. IV (ed. J. M. Sasson), pp. 2601–2613. Peabody Museum.
    لماذا نقترح عليك قراءته؟ هذا الفصل يقدم نظرة بانورامية على الموسيقى في حضارات الشرق الأدنى، ويضع ترنيمة حورية في سياقها الثقافي الأوسع.
  3. Duchesne-Guillemin, M. (1984). A Hurrian Musical Score from Ugarit: The Discovery of Mesopotamian Music. Malibu: Undena Publications.
    لماذا نقترح عليك قراءته؟ هذا الكتاب يقدم تحليلاً مفصّلاً وبديلاً للنوتة الحورية، وهو مصدر لا غنى عنه لأي باحث يريد فهم الخلافات التفسيرية.

إن كنت قد وصلت إلى هذا السطر، فأنت تنتمي إلى فئة نادرة من القرّاء الذين يهتمون حقاً بتراث هذه الأرض العريقة. شارك هذه المقالة مع من تعرف أنه سيندهش حين يعلم أنّ أقدم لحن موسيقي في تاريخ البشرية وُلد على ساحل سوريا. انشر القصة، لأنّ كل من يعرفها يصبح شاهداً على عظمة لم تُروَ بما يكفي. وإن كنت طالباً أو باحثاً، فابدأ من المصادر التي ذكرناها واكتب ما يستحق أن يُقرأ بعد ثلاثة آلاف عام.

هيئة تحرير موسوعة سوريا

الحساب الرسمي الموحد لفريق البحث والتدقيق في موسوعة سوريا. تخضع جميع المواد المنشورة عبر هذا الحساب لمراجعة دقيقة من قبل مختصين في التاريخ والجغرافيا والتراث، لضمان دقة المعلومات وحيادية الطرح ومطابقتها لسياسة النشر المعتمدة لدينا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى