موقع أم التلال الأثري: رحلة عبر 800 ألف سنة من الاستيطان البشري في حوضة الكوم السورية
يُعدّ موقع أم التلال (Umm el Tlel) من أبرز المواقع الأثرية في منطقة المشرق العربي القديم وأكثرها أهمية من الناحية العلمية، إذ يقدّم شهادة استثنائية على الاستيطان البشري المتواصل لمئات الآلاف من السنين. يقع هذا الموقع الفريد في حوضة الكوم (Cuvette d’El Kowm) على بعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي مدينة تدمر التاريخية، وعلى بُعد نحو 8 كيلومترات شمال قرية الكوم. وحوضة الكوم هي انهدام جيولوجي يبلغ عرضه 25 كيلومتراً وطوله 80 كيلومتراً، يمتد بين منطقتي تدمر والفرات، ويحدّه من الشرق جبل البشري ومن الجنوب جبل المنشار، فيما تتوسطه هضبة القدير. وقد شكّلت هذه البيئة الجغرافية المتميزة عاملاً حاسماً في جذب الجماعات البشرية عبر العصور، بفضل توافر مصادر المياه والموارد الطبيعية المتنوعة.
✓ جرت مراجعة هذا المقال وتدقيقه من قِبل هيئة التحرير في موسوعة سوريا
تاريخ المراجعة: يوليو 2026 | هيئة التحرير
🔍 خلاصة المقال في دقيقة
حقائق أساسية
- يقع موقع أم التلال في حوضة الكوم على بُعد 90 كم شمال شرقي تدمر، ويتألف من تلّين أثريين وينبوع مياه قديم.
- يحتوي على أكثر من 100 طبقة أثرية بسماكة تتجاوز 22 متراً، تمتد من الأشولي (أكثر من 450,000 سنة) حتى العصر الحجري الحديث.
- يُعدّ من أطول المقاطع الطبقية المتواصلة المكتشفة في الشرق الأوسط بأكمله.
اكتشافات غيّرت الفهم العلمي
- أقدم دليل على استخدام مادة القار كمادة لاصقة لتثبيت الأدوات الحجرية في مقابض (40,000-75,000 سنة).
- نبلة صوانية مغروزة في فقرة حمار: أقدم دليل مباشر على أسلحة الصيد المركّبة.
- جزء من جمجمة يُرجَّح عودتها لإنسان النياندرتال (~50,000 سنة ق.م).
دلالات سورية وإقليمية
- يؤكد الموقع أن البادية السورية الداخلية كانت مركز استيطان بشري رئيسياً لا منطقة هامشية.
- يكشف عن تنوع بيئي ومناخي كبير عاصره الإنسان في سوريا الوسطى عبر مئات آلاف السنين.
⚡ تنبيه يستحق الانتباه
- صاغ بويدا ومحيسن مصطلح “الباليوليت الانتقالي” انطلاقاً من هذا الموقع تحديداً، مما جعل أم التلال مرجعاً دولياً في دراسة الانتقال بين العصرين الحجريين القديم الأوسط والأعلى.
اقرأ أيضاً:
التكوين الجغرافي والطبوغرافي للموقع

يتشكّل موقع أم التلال من تلّين مختلفين في الارتفاع والمساحة. يُعدّ التل الشمالي الجزء الأكثر ارتفاعاً في الموقع حيث يبلغ ارتفاعه 10 أمتار، وهو ذو شكل متطاول باتجاه شرق-غرب، بطول 208 أمتار وعرض 18 متراً. أما التل الجنوبي فهو ذو شكل شبه مسطح لا يزيد ارتفاعه على 3 أمتار، ويمتد على سطح أكبر بقليل يبلغ 168 متراً عرضاً و937 متراً طولاً، ويقع بشكل مواجه للتل الشمالي.
ومن أبرز المعالم الجغرافية في الموقع وجود ينبوع مياه كان يقع في وسطه باتجاه الشرق خلال العصور القديمة والتاريخية. وقد قام السكان خلال الفترات الحديثة بحفر بئر مكان ينبوع الماء، وهي البئر ذاتها التي اكتشفها لاحقاً الباحث الفرنسي فرنسيس أور (F. Hours)، والذي أكّد وجود توضّعات أثرية لأكثر من 12 متراً تعود إلى فترات مختلفة.
اقرأ أيضاً:
تاريخ الاكتشاف والتنقيب
الاكتشاف الأول والمسوحات المبكرة
تم اكتشاف موقع أم التلال في عام 1987م، إلا أن الدراسات الأولية للموقع بدأت في وقت أبكر من ذلك، حيث دُرس الموقع على نحو أوّلي من قِبل البعثة الفرنسية الدائمة في منطقة الكوم عام 1978م تحت إدارة جاك كوفان (J. Cauvin). كما تمت الإشارة إلى الموقع ثانية منذ بداية الثمانينيّات من قِبل فريق بحث علمي مؤلف من كل من: بول سانلافيل (P. Sanlaville)، وجاك بيزنسون (J. Besançon)، ولورين كوبلان (L. Copeland)، وفرنسيس أور، وسلطان محيسن، حيث قاموا بإجراء مسوحات أثرية واسعة في تلك المنطقة.
أعمال السبر الأثري (1987-1989)
بعد الاكتشاف الرسمي للموقع عام 1987م، أُجريت أسبار أثرية فيه بين عامي 1987 و1989م بإشراف كل من ميغيل موليست (M. Molist) وماري كلير كوفان (M.C. Cauvin) وأحمد طه، بهدف الكشف عن اللقى الأثرية المتوضّعة في ترسّبات عصر الهولوسين. وتركّزت الأعمال عموماً في الجزء الأعلى من المقطع الأثري الذي احتوى طبقات من الفترة الرومانية ومن العصر الحجري الحديث (Néolithique). ومن أهم نتائج هذه الأسبار اكتشاف مجموعة من الطبقات الأثرية العائدة للعصر الحجري القديم الأعلى متبوعة بطبقات أحدث تعود للثقافة الكبارية الهندسية، فضلاً عن اكتشاف طبقات أثرية تعود إلى الفترة الأورينياسية (Aurignacien).
كما قامت الباحثة الفرنسية آن فانسان (A. Vincent) بعمل سبر أثري عام 1987م ضمن سويّات العصر الحجري القديم الأوسط (Paléolithique moyen).
البعثة السورية الفرنسية المشتركة (منذ 1991)
في عام 1991م بدأت البعثة الأثرية السورية الفرنسية المشتركة تنقيباتها في الموقع تحت إشراف إريك بويدا (Eric Boëda) وسلطان محيسن وهبة السخل، بهدف كشف آثار العصر الحجري القديم. واستمرت أعمال التنقيب الأثري في الموقع منذ ذلك الحين، وأثمرت هذه التنقيبات في كشف مقطع ستراتغرافي فريد من نوعه مؤلف من أكثر من مئة طبقة أثرية، تُؤرَّخ أقدمها على المرحلة الحديثة من العصر الحجري الأوسط، أي الموستيرية المشرقية نموذج الطابون B، ثم تلتها الطبقات العائدة للعصر الانتقالي بين العصرين الحجريين القديم الأوسط والقديم الأعلى، ثم تتبعها الطبقات العائدة للعصر الحجري القديم الأعلى الممثلة بالطبقات الأحمرية والأورينياسية، أما الطبقات الأحدث في المقطع فتعود لنهاية العصر الحجري القديم وتحتوي على صناعات حجرية تعود للثقافة الكبارية.
اقرأ أيضاً:
المقاطع الطبقية (الستراتغرافية) وأهميتها

يحتوي موقع أم التلال على مقاطع طبقية (ستراتغرافية) بارتفاع يزيد على 20 متراً تعود إلى فترات ما قبل التاريخ، وتُعدّ واحدة من أهم المقاطع المنقّبة في الشرق الأوسط بأكمله. وتمتد هذه المقاطع زمنياً من العصر الحجري الحديث إلى الأشولي (العصر الحجري القديم الأدنى)، ونادراً ما توجد توضّعات طبقية طويلة زمنياً بهذا الشكل ضمن موقع مكشوف كموقع أم التلال.
وقد ساعدت الطبيعة الطبوغرافية للموقع على القيام بأعمال تنقيب على شكل درجات مختلفة الارتفاعات، الأمر الذي أدى إلى الكشف عن عدة أمتار تحتوي على طبقات أثرية متعددة الفترات تعود إلى مراحل مختلفة. كما أدى الاستيطان في الموقع خلال العصر الروماني ضمن سفوح التل إلى تخريب بعض الطبقات، لكن هذا التخريب قد ساعد في الوقت نفسه على الوصول إلى الطبقات القديمة المتراكمة تحت العديد من الطبقات الأحدث منها، والتي كان الوصول إليها عن طريق التنقيب سيحتاج إلى العديد من مواسم التنقيب والوقت الطويل.
وتؤكد نتائج التنقيب الأثري الاستيطان شبه المستمر من قِبل جماعات بشرية حول بحيرة وينابيع مياه، وقد امتد هذا الاستيطان لمدة تزيد على 800 ألف سنة بحسب ما تم تحديده إلى الآن. وهذه الطبقات الأثرية محفوظة بشكل متميز ضمن طبقات تزيد سماكتها الإجمالية على 22 متراً.
نتيجة لمواسم التنقيب العديدة وإعادة فتح البئر القديمة الموجودة في وسط الموقع، تشكّل مقطع طبقي متواصل بارتفاع 22 متراً على الأقل، يمتد من فترات العصر الحجري الحديث إلى الأشولي (العصر الحجري القديم الأدنى) من دون انقطاع حضاري واضح إلا في فترات بداية العصر الحجري الحديث. وتبلغ سماكة كل طبقة أثرية ما بين 5 و10 سنتيمترات.
الإطار الزمني الستراتغرافي
يمكن تحديد مئة طبقة أثرية في موقع أم التلال تعود إلى الفترات التالية:
- العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار ب (Néolithique PPNB)
- الكباري الهندسي (Kébarien géométrique)
- الأحمري (Ahmarien)
- الأورينياسي (Aurignacien)
- الانتقالي (Transition)
- اللوفالوازي – الموستيري (Levalloiso-Moustérien)
- اليبرودي الحديث (Yabroudien récent)
- حضارة غير معروفة
- اللوفالوازي الموستيري ذو النصال (Levalloiso-Moustérien laminaire)
- الهُمّلي (Hummalien)
- اليبرودي القديم (Yabroudien inférieur)
- الأشولي (Acheuléen)
اقرأ أيضاً:
أهمية الموقع العلمية
يُعدّ موقع أم التلال ذا أهمية متميزة من الناحية العلمية لسببين أساسيين:
أولاً: حالة اللقى الأثرية جيدة جداً، ولاسيما ضمن الطبقات القديمة التي يعود تأريخها إلى أكثر من 450 ألف سنة. وقد كان لطبيعة ترسّب أتربة الطبقات الأثرية في الموقع، والتي كان أغلبها طمياً من بحيرات أو مستنقعات أو ينابيع، الدور الكبير في الحفاظ على هذه اللقى سواء الصوانية أم العظمية بحالة ممتازة وكأنها لم تُترك إلا منذ فترة قصيرة.
ثانياً: العدد الكبير للطبقات الأثرية الموجودة فيه، مما يوفّر سجلاً أثرياً متواصلاً ونادراً لا مثيل له في مواقع مماثلة.
اقرأ أيضاً:
الطبقات الأثرية الرئيسة وصناعاتها الحجرية
الطبقة الموستيرية
عُثر في موقع أم التلال على أكثر من مئة طبقة أثرية يعود حوالي الستين منها إلى العصر الحجري القديم الأوسط، وتُؤرَّخ هذه الطبقات على نحو 71 إلى 42 ألف سنة قبل الميلاد. وهي تقدّم صناعات حجرية من النوع اللفلوازي الموستيري تتشابه من الناحيتين التيبولوجية والتكنولوجية مع الصناعات الحجرية المعروفة في منطقة المشرق العربي القديم بالصناعات الموستيرية المشرقية الحديثة نموذج الطابون B.
وتتميز هذه الصناعات بالاستخدام الكثيف للتقنية اللفلوازية في التصنيع لإنتاج الأدوات اللفلوازية الموستيرية القصيرة ذات الشكل المثلثي والقاعدة العريضة.
ومن المكتشفات المميزة التي عُثر عليها ضمن الطبقات الموستيرية جزء من عظم جمجمة من مؤخرة الرأس (عظم القذال)، يُؤرَّخ على نحو 50 ألف سنة قبل الميلاد. وتشير الدراسات التي أُجريت على هذا الجزء من الجمجمة إلى أنها تعود على الأرجح لإنسان النياندرتال. ومن الاكتشافات المميزة أيضاً حربة لفلوازية مغروزة في عظم حمار، وهي تعطينا فكرة جيدة عن عملية الصيد خلال تلك الفترة.
الطبقات الانتقالية بين العصرين الحجريين القديم الأوسط والقديم الأعلى
تتمثل هذه الطبقات بالطبقات (base II) و(III2a) و(III2b) المؤرَّخة على نحو 36 ألف سنة قبل الميلاد. وتمثل الصناعات الحجرية التي عُثر عليها في هذه الطبقات صناعات حجرية انتقالية أطلق عليها كل من إريك بويدا وسلطان محيسن في عام 1993م اسم “الباليوليت الانتقالي”.
تتميز هذه الصناعات بتكنولوجيا موجّهة نحو إنتاج النصال من خلال نظامَيْ تقصيب:
النظام الأول: نظام التقصيب اللفلوازي الذي يعتمد على منهجية التقصيب اللفلوازية وحيدة القطب لاستخراج أكبر عدد من النصال اللفلوازية من النواة الواحدة من خلال سطح طرق واحد فقط.
النظام الثاني: نظام تقصيب نصال يُعدّ قريباً جداً من نظام تقصيب النصال المعروف في العصر الحجري القديم الأعلى، وهو أيضاً وحيد القطب، حيث يتم استخراج نصال ونصيلات ضيقة ومستقيمة من السطح السميك للنواة من خلال سطح طرق واحد فقط بالاعتماد على تقنية الطرق المباشر بالمطرقة الحجرية القاسية.
أما بالنسبة للأدوات فتُلاحظ ندرة الأدوات الخاصة بالعصر الحجري القديم الأوسط كالمقاحف والحراب اللفلوازية، ووفرة الرقائق المشذّبة والأدوات الخاصة بالعصر الحجري القديم الأعلى مثل المقاشط والأزاميل والمسنّنات المصنّعة على نصال. وفيما يخص الأدوات المميزة لهذه الفترة فهي ممثلة بشكل أساسي بنوع من الحراب الطولانية يُطلق عليها اسم “حراب أم التلال”.
الطبقات الأحمرية
عُثر على الصناعات الحجرية الأحمرية في عدة طبقات من القطاع الثاني وبخاصة في الطبقات (14C) و(F1) و(1P). وتتميز هذه الصناعات بتكنولوجيا موجّهة بشكل أساسي نحو إنتاج النصيلات المستقيمة بالاعتماد على تقنية الطرق المباشر بالمطرقة الحجرية الطرية. أما بالنسبة للأدوات فهي ممثلة بالنصيلات المشذّبة مع حضور ضعيف للمقاشط والأزاميل.
الطبقات الأورينياسية
عُثر على الصناعات الحجرية الأورينياسية في القطاعين الثاني والخامس، وهي مؤرَّخة على نحو 32 ألف سنة قبل الميلاد.
في القطاع الثاني: تتميز هذه الصناعات بتكنولوجيا موجّهة نحو إنتاج النصيلات الملتوية من الأزاميل المسطحة سفينية الشكل بشكل أساسي، ومن المقاشط سفينية الشكل بشكل ثانوي. وفيما يخص الأدوات تغلب فيها النصيلات الملتوية المشذّبة مع حضور للمقاشط البسيطة المصنّعة على نصال، والأزاميل المصنّعة على بتر مستقيم أو محدب.
في القطاع الخامس: تتميز الصناعات الحجرية بتكنولوجيا موجّهة نحو إنتاج النصيلات الملتوية من الأزاميل المسطحة المعترضة سفينية الشكل باستخدام تقنية الطرق المباشر بالمطرقة الطرية. أما الأدوات فتغلب فيها النصيلات المشذّبة، مع حضور ملحوظ للمقاشط البسيطة المصنّعة على نصال والأزاميل المصنّعة على بتر محدب.
اقرأ أيضاً:
البيئة القديمة والتقلّبات المناخية
واجهت الجماعات البشرية التي استقرت في أم التلال بيئات مختلفة ومتنوعة سواء في النظام النباتي والحيوانات البرية والموارد المعدنية أم في مجالات الحصول على هذه الموارد.
وقد أدّت الدراسات الأولية الميكرومورفولوجية (micro-morphologiques) ودراسات غبار الطلع (palynologiques) الموجود في تربة الطبقات المترسّبة في الموقع، ودراسة عظام الحيوانات التي عُثر عليها في الطبقات الأثرية (paléontologiques)، إلى استنتاج وجود تقلّبات مناخية أدّت إلى اختلاف في طبيعة موارد الحياة ومدى توافرها.
ووفقاً للفترات التي عاصرها موقع أم التلال يمكن الاستدلال على البيئة القديمة التي تباينت بين:
- غابات مفتوحة ورطبة (forestier ouvert) كما في مجموعة الطبقات (complexe VI2)
- مناطق سهوب قاحلة (steppique aride) كما في مجموعة الطبقات (complexe VI3)
- سهوب عشبية أو سهوب ذات شجيرات (savane arbustive) كما في مجموعة الطبقات (complexe V2)
الحيوانات في الموقع
أما بالنسبة إلى الحيوانات التي كانت موجودة في الموقع فهي تُقسم إلى مجموعتين:
مجموعة حيوانات السهوب الجافة: الجمال والمها والغزال والحمار والبغل والنعامة.
مجموعة السهوب ذات الشجيرات: حمار الوحش والثور ووحيد القرن الذي يعيش في السهوب.
اقرأ أيضاً:
أنماط الاستيطان البشري ووظائف الموقع
خضع الموقع لعدّة أشكال من الاستيطان البشري، لكن هذا التنوع لم يكن يتعلق بالبيئة وتغيّراتها كما يمكن أن يُتخيّل، بل وُجد في أم التلال العديد من الأنواع المختلفة في طرق عيشها بغض النظر عن طبيعة المناخ السائد في تلك الفترة، وذلك يعكس قدرة الإنسان العالية على التكيّف في وسطه والبيئة التي من حوله.
ومن أهم الوظائف التي تم تحديدها ضمن الموقع:
مواقع ذات نشاطات متخصصة
مثل مكان لتقطيع اللحوم، ويُستدَلّ على ذلك من خلال العدد الكبير للعظام الحيوانية ذات الأجزاء الغنية باللحوم كعظم الفخذ أو الكتف والتي تم اختيارها في مكان الصيد ثم أُحضرت إلى الموقع. وهذه الدراسات النوعية والكمية لعظام الحيوانات إضافة إلى نوع الأدوات الصوانية وأعدادها تساعد على فهم طبيعة الاستيطان في هذه الطبقة على أنه من أجل القيام بنشاط معين والعودة إلى المعسكر الذي يعيشون فيه والموجود بالقرب من الموقع.
مواقع للصيد
وهي على النقيض من السابقة، حيث إن أعداد العظام الحيوانية الفقيرة باللحوم كالرأس والأقدام هي الغالبة في الطبقة الأثرية، مما يدل على أنها العظام غير المرغوب فيها لثقلها وقلة الفائدة فيها، وبذلك يتخلّى عنها الصيّادون.
مواقع طرق الصوان وتصنيع الأدوات الحجرية
وقد تم الكشف عنها ضمن الطبقات الأثرية التي يغلب فيها عدد الأدوات الحجرية على اللقى العظمية، كما يُلاحظ فيها وجود قطع حجرية ناجمة عن جميع مراحل الطرق من القشرة الكلسية للصخور الصوانية إلى النواة النهائية، مروراً بشظايا التحضير والأدوات المرغوب تصنيعها، إضافة إلى شظايا تشذيب هذه الأدوات. ويمكن أن يُلاحظ نقص في أعداد الأدوات المشذّبة النهائية، وذلك يعود إلى انتقاء هذه الأدوات وأخذها إلى مواقع النشاطات الأخرى.
مواقع للنشاطات المتعددة
وهذا ما يُسمّى بالمعسكر أو بطبقات السكن المركزية، والتي يقوم فيها الإنسان بالعديد من النشاطات التي تتعلق بحياته عموماً والتي تحتوي على لقى أثرية من كل الأنواع بنسب مئوية متساوية تقريباً.
اقرأ أيضاً:
أهم المكتشفات الأثرية في الموقع
إن العدد الكبير للطبقات الأثرية وحالة الحفظ الجيدة للقطع الأثرية مكّنا من الكشف عن دلائل تقنيات سلوكية مارسها الإنسان في فترات العصر الحجري القديم والتي لم تكن معروفة سابقاً. وعموماً تُعدّ الطبقات الأثرية التي تعود إلى فترات العصر الحجري القديم غنية جداً مقارنة بالمواقع الأخرى المماثلة سواء في سورية أم في منطقة الشرق الأدنى عامة. ومن أبرز هذه المكتشفات:
آثار مادة القار على الأدوات الصوانية

عُثر على آثار مادة القار على العديد من الأدوات الصوانية التي يعود تاريخها إلى 40 ألف سنة و75 ألف سنة، وهي تدل على استخدام هذه المواد كمقابض للأدوات الصوانية أو كمادة لاصقة لتثبيت المقابض. ويُعدّ هذا الاكتشاف من أقدم الأدلة على استخدام الإنسان لمواد لاصقة في تركيب أدواته.
نبلة صوانية داخل فقرة حمار

يُعدّ اكتشاف نبلة صوانية داخل فقرة حمار أقدم دليل على استخدام أسلحة الصيد المركّبة، وهو اكتشاف استثنائي يُلقي الضوء على تطوّر تقنيات الصيد لدى الإنسان القديم.
سكين صوانية في عظم حوض نعامة
يُعدّ العثور على سكين صوانية عالقة داخل عظم حوض لحيوان النعامة، والتي يعود تاريخها لأكثر من 75 ألف عام، من أهم دلائل نشاطات تقطيع اللحوم بوساطة أدوات مركّبة.
جزء من جمجمة النياندرتال
اكتشاف جزء من عظم جمجمة من مؤخرة الرأس (عظم القذال) يُؤرَّخ على نحو 50 ألف سنة قبل الميلاد، وتشير الدراسات إلى أنه يعود على الأرجح لإنسان النياندرتال.
حجر محزّز
وأخيراً يُشار إلى وجود حجر محزّز بطريقة غير معروفة، مما يدل على أن المجتمع كان أكثر تعقيداً مما هو متوقع لتلك الفترات الموغلة في القدم.
اقرأ أيضاً:
الأسئلة الشائعة حول موقع أم التلال الأثري
📋 المرجعيات والمعايير الرسمية المرتبطة
- معايير التراث العالمي – اليونسكو (UNESCO): المعايير المعتمدة لتقييم المواقع الأثرية ذات القيمة العالمية الاستثنائية.
- ميثاق فينيسيا وميثاق بورا – إيكوموس (ICOMOS): المبادئ الدولية لحماية المواقع الأثرية وترميمها وتوثيقها.
- المديرية العامة للآثار والمتاحف في سوريا (DGAM): الجهة الرسمية المسؤولة عن إدارة وحماية المواقع الأثرية في الجمهورية العربية السورية.
- المركز الوطني للبحث العلمي الفرنسي (CNRS): الجهة العلمية الداعمة لبعثات التنقيب الأثرية الفرنسية في سوريا بما في ذلك بعثة حوضة الكوم.
- المعهد الفرنسي للشرق الأدنى (IFPO): مؤسسة بحثية فرنسية رائدة في دراسات آثار المشرق العربي ونشر الأبحاث المتخصصة.
المصادر والمراجع
المراجع العربية
- آثار سورية خلال عصر ما قبل التاريخ: د. حسام غازي، د. مي حايك.
المراجع الأجنبية
- Marshack A. Op, Cit. 1997.
- Boeda E. et Muhesen S. Op, Cit. 1993.
- Boeda E. et al. Op, Cit. 2001.
- Bourguignon L. Op, Cit. 1998.
- Plous S. Sariano S. Op, Cit. 2003.
- Heba AL SAKHEL, Le Paléolithique moyen dans la région de Palmyre. État des connaissances et implications à l’échelle du Levant. Thèse de l’Université de Paris X- Nanterre (Paris, 2004).
- E. BOËDA., S. MUHESEN, H. AL SAKHEL, C. GRIGGO, SA. SORIANO et SY. SORIANO SY, Le site d’Umm el Tlel (Syrie centrale). Orient Express, Notes et Nouvelles d’Archéologie Orientale, 2000/2, (2000) pp. 36-38.
- J. CAUVIN, G. ALCADE, E. BOËDA, S. MUHESEN, D. STORDEUR et A. TAHA, Chronique de la campagne 1992 à El Kowm (Syrie). Chronique archéologique en Syrie, Volume 1. Ministère de la Culture, Direction générale des Antiquités et des Musées (1992) pp. 16-19.
اقرأ أيضاً:
- سورية: الثقافة والتاريخ والتحديات المعاصرة
- أهمية موقع سوريا الجغرافي: قلب ينبض على خريطة العالم
- التطور التكتوني والجيولوجي لسوريا




