مال وأعمال

زيت الزيتون السوري: كنز طبيعي بين التحديات والآمال

هل سيعيد إلغاء العقوبات الاقتصادية زيت الزيتون السوري إلى مكانته العالمية؟

يُعَدُّ زيت الزيتون السوري واحداً من أعرق المنتجات الزراعية وأكثرها أصالة في سورية: الثقافة والتاريخ والتحديات المعاصرة، فهو يمثل جزءاً لا يتجزأ من الهوية الثقافية والاقتصادية للبلاد. إن تاريخ زراعة الزيتون في سورية يعود إلى آلاف السنين؛ إذ شهدت الأراضي السورية – وخاصة في مناطق حلب وإدلب واللاذقية – نمو أشجار الزيتون التي باتت رمزاً للعطاء والصمود. وقد اشتهر زيت الزيتون السوري بجودته العالية ونكهته المميزة، ما جعله محط أنظار الأسواق الدولية على مر العصور.

مع ذلك، فإن هذا القطاع الحيوي واجه تحديات جسيمة خلال السنوات الماضية بسبب الحرب المدمرة التي مرت بها سوريا، والعقوبات الاقتصادية الدولية، وتداعيات التغير المناخي، إضافة إلى نقص الاستثمارات والدعم الفني. ولكن هل يا ترى سيتمكن القطاع الزراعي في سوريا من النهوض من جديد في ظل التطورات السياسية الأخيرة؟ هذا ما سنستكشفه في هذه المقالة الشاملة.

في هذا السياق، أدى سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 ورفع العقوبات الاقتصادية على سورية في ديسمبر 2025 إلى فتح أبواب الأمل أمام إعادة إحياء صناعة زيت الزيتون السورية. إن الصادرات السورية من هذا المنتج قد تشهد انتعاشاً كبيراً في السنوات المقبلة، ما يمكن أن يعيد لسوريا مكانتها كواحدة من أهم الدول المنتجة لزيت الزيتون في العالم.

تهدف هذه المقالة إلى تقديم نظرة شاملة ومعمقة عن واقع زيت الزيتون السوري، تاريخه العريق، جودته المميزة، التحديات التي يواجهها، والفرص الواعدة التي تلوح في الأفق. سنستعرض أيضاً دور هذا المنتج في الاقتصاد السوري، وآفاق تطوره في المستقبل القريب، وكيف يمكن للجهود المحلية والدولية أن تسهم في إعادة بناء هذا القطاع الحيوي.


ما هو تاريخ زراعة الزيتون في سوريا؟

تُعَدُّ سوريا من أقدم المناطق في العالم التي عرفت زراعة الزيتون؛ إذ تشير الأدلة الأثرية والتاريخية إلى أن سكان المنطقة كانوا يزرعون أشجار الزيتون ويستخرجون زيتها منذ أكثر من خمسة آلاف عام. لقد اكتُشفت بقايا معاصر زيتون قديمة في مواقع أثرية متعددة، مثل أوغاريت وإيبلا، ما يدل على أهمية هذا المحصول في الاقتصاد والحياة اليومية للحضارات السورية القديمة.

في العصور القديمة، كان زيت الزيتون يُستخدم ليس فقط في الطعام، بل أيضاً في الإضاءة، والطب، والطقوس الدينية، ومستحضرات التجميل. إن النصوص المسمارية التي عُثر عليها في إيبلا تذكر تجارة زيت الزيتون مع مناطق أخرى في الشرق الأوسط، ما يعكس القيمة الاقتصادية الكبيرة لهذا المنتج. كما أن الحضارات السورية القديمة كانت رائدة في تطوير تقنيات زراعة الزيتون وعصره، وهي تقنيات انتقلت لاحقاً إلى الإغريق والرومان.

خلال العصر الروماني، ازدهرت زراعة الزيتون في سوريا بشكل كبير؛ إذ كانت المنطقة تُعَدُّ سلة غذاء الإمبراطورية الرومانية. لقد أُنشئت معاصر ضخمة ومتطورة في مناطق مثل البادية السورية والمناطق الجبلية، وكان زيت الزيتون السوري يُصدَّر إلى روما وأنحاء أخرى من الإمبراطورية. بينما ازداد الإنتاج في تلك الفترة، فإن الجودة أيضاً كانت محل تقدير كبير.

في العصر الإسلامي، استمرت زراعة الزيتون بالازدهار، وأصبحت سوريا مركزاً مهماً لإنتاج زيت الزيتون في العالم الإسلامي. إن الجغرافيين والرحالة العرب القدماء، مثل أبو الفداء الحموي، وصفوا بساتين الزيتون الواسعة في حماة وحلب وإدلب، وأشاروا إلى جودة الزيت المُنتَج في هذه المناطق. كما أن صناعة صابون الغار الحلبي التي اشتهرت بها حلب تعتمد بشكل أساسي على زيت الزيتون، وهي تُعَدُّ من أقدم الحرف اليدوية في سوريا وأكثرها شهرة عالمياً.

خلال الحكم العثماني، شهدت زراعة الزيتون في سوريا فترات من التوسع والانكماش تبعاً للظروف السياسية والاقتصادية. لكن بشكل عام، حافظت سوريا على مكانتها كمنتج رئيسي لزيت الزيتون في المنطقة. وفي القرن العشرين، وخاصة بعد الاستقلال عام 1946، اهتمت الحكومات السورية المتعاقبة بتطوير هذا القطاع، وتم إنشاء مشاريع لاستصلاح الأراضي وزراعة ملايين أشجار الزيتون في مناطق مختلفة، خاصة في محافظة طرطوس ومحافظة اللاذقية.


ما هي المناطق الرئيسية لزراعة الزيتون في سوريا؟

تنتشر زراعة الزيتون في سوريا عبر عدة محافظات، ولكن تتركز بشكل أساسي في المناطق الشمالية والساحلية والغربية من البلاد، حيث المناخ في سوريا والتربة مناسبان لنمو هذه الأشجار المباركة.

تُعَدُّ محافظة إدلب من أهم مناطق إنتاج الزيتون في سوريا؛ إذ تحتوي على ملايين أشجار الزيتون المعمرة، وتشتهر بإنتاج زيت زيتون عالي الجودة ذو حموضة منخفضة. إن منطقة جبل الزاوية في إدلب تحديداً تُعَدُّ قلب إنتاج الزيتون السوري، حيث تنتشر البساتين على السفوح الجبلية، وتتميز أشجارها بأعمار قد تصل إلى مئات السنين. لقد واجهت هذه المنطقة تحديات كبيرة خلال الحرب، لكنها حافظت على جزء كبير من طاقتها الإنتاجية.

محافظة حلب هي أيضاً منطقة رئيسية لزراعة الزيتون، وخاصة في المناطق الغربية والشمالية الغربية منها. إن ريف حلب الغربي يحتوي على بساتين واسعة من الزيتون، وكانت مدينة حلب تاريخياً مركزاً لتجارة زيت الزيتون وتصنيع الصابون الحلبي الشهير. مع ذلك، فإن الحرب ألحقت أضراراً جسيمة بهذا القطاع في المحافظة، وتدمرت العديد من المعاصر والبنى التحتية.

على الساحل السوري، تُعَدُّ محافظة طرطوس ومحافظة اللاذقية من المناطق المهمة أيضاً؛ إذ تنتشر بساتين الزيتون في جبال الساحل السوري، حيث الجغرافيا الطبيعية لسورية توفر مناخاً معتدلاً وأمطاراً جيدة. إن الزيتون المزروع في هذه المناطق يتميز بنكهة مختلفة قليلاً عن زيتون المناطق الشمالية، ويُستخدم بشكل كبير في الاستهلاك المحلي وفي المطبخ السوري.

محافظة حماة هي الأخرى تحتوي على مساحات واسعة من أشجار الزيتون، خاصة في المناطق الغربية منها. إن منطقة مصياف والقرى المحيطة بها تُعَدُّ من المناطق الزراعية المهمة، حيث يُنتَج زيت زيتون ذو جودة ممتازة. كما أن بعض المناطق في محافظة حمص الغربية تحتوي على بساتين زيتون، لكن بنسبة أقل مقارنة بالمحافظات الأخرى.

من الجدير بالذكر أن معظم زراعة الزيتون في سوريا تعتمد على النظم الزراعية الموجودة في سوريا التقليدية، حيث تُزرع الأشجار بطرق بعلية (تعتمد على مياه الأمطار)، وهو ما يجعل الإنتاج متأثراً بشكل كبير بظروف المياه والجفاف وتغير المناخ في سوريا. إن هذا الأسلوب الزراعي التقليدي يمنح الزيتون السوري خصائص فريدة، لكنه يجعله أيضاً عرضة للتقلبات المناخية.

اقرأ أيضاً:


ما الذي يميز جودة زيت الزيتون السوري؟

يتمتع زيت الزيتون السوري بسمعة طيبة على الصعيد الدولي بفضل مجموعة من العوامل الطبيعية والتقنية التي تجعل منه منتجاً متميزاً. إن الجودة العالية لهذا الزيت لا تأتي من فراغ، بل هي نتيجة عوامل عدة تتعلق بالتربة، والمناخ، وأصناف الزيتون، وطرق العصر، والخبرة المتراكمة عبر الأجيال.

أولاً، إن التنوع الجيني لأشجار الزيتون السورية يلعب دوراً أساسياً في جودة الزيت؛ إذ تحتوي سوريا على أصناف محلية قديمة مثل “الصوراني” و”الدان” و”القيسي” و”الزيتي”، وهي أصناف تطورت عبر آلاف السنين وتكيفت تماماً مع الظروف البيئية المحلية. إن هذه الأصناف تُنتج زيتوناً غنياً بالمركبات الفينولية والأحماض الدهنية الأحادية غير المشبعة، ما يمنح الزيت خصائص صحية ممتازة ونكهة فريدة.

ثانياً، إن طريقة الزراعة البعلية (الاعتماد على مياه الأمطار فقط) التي تُتبع في معظم بساتين الزيتون السورية، على الرغم من تحدياتها، تساهم في إنتاج زيت بجودة أعلى؛ إذ إن الأشجار التي تنمو دون ري صناعي تُنتج ثماراً أقل حجماً لكنها أكثر تركيزاً في المواد الفعالة والنكهات. إن هذا يجعل الزيت المستخرج منها أكثر كثافة وغنى بالمركبات المفيدة.

ثالثاً، إن التربة البركانية والكلسية السائدة في مناطق زراعة الزيتون في سوريا توفر عناصر معدنية متوازنة تساهم في تحسين جودة الثمار. كما أن المناخ المتوسطي المعتدل، مع فصل صيف جاف وحار وشتاء بارد وممطر، يخلق ظروفاً مثالية لنمو أشجار الزيتون ونضج ثمارها بشكل تدريجي ومتوازن.

رابعاً، إن طرق العصر التقليدية التي ما زالت تُستخدم في العديد من المعاصر السورية، بالرغم من بدائيتها أحياناً، تحافظ على الخصائص الطبيعية للزيت. إن العصر البارد (Cold Pressing) على درجات حرارة منخفضة يحافظ على الفيتامينات ومضادات الأكسدة والنكهات الطبيعية. كما أن بعض المعاصر الحديثة التي تم إنشاؤها قبل الحرب تستخدم تقنيات متطورة مثل الفصل بالطرد المركزي، ما يضمن الحصول على زيت بكر ممتاز (Extra Virgin Olive Oil) بحموضة منخفضة جداً (أقل من 0.8%).

خامساً، إن التقاليد العريقة في زراعة الزيتون وعصره في سوريا، والتي توارثتها الأجيال، تضمن الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة التي تؤثر على جودة المنتج النهائي. مثلاً، يعرف المزارعون السوريون التقليديون التوقيت المثالي لقطف الزيتون – عندما تكون الثمار في مرحلة النضج المناسبة، لا خضراء جداً ولا ناضجة أكثر من اللازم – وهو عامل حاسم في تحديد جودة الزيت. كما أنهم يحرصون على نقل الثمار إلى المعاصر بسرعة لتجنب التخمر والأكسدة.

هذا وقد أظهرت التحليلات المخبرية التي أُجريت على عينات من زيت الزيتون السوري أنه يتمتع بمحتوى عالٍ من حمض الأوليك (Oleic Acid)، وهو حمض دهني أحادي غير مشبع يُعتبر مفيداً لصحة القلب والأوعية الدموية. بالإضافة إلى ذلك، يحتوي الزيت على مستويات ممتازة من البوليفينولات (Polyphenols) ومضادات الأكسدة الطبيعية، التي تساهم في الحماية من الأمراض المزمنة وتبطئ عملية الشيخوخة.

أخيراً، فإن الطعم الفريد لزيت الزيتون السوري – الذي يجمع بين المرارة الخفيفة والحدة اللطيفة والنكهة الفاكهية – يجعله محبوباً لدى خبراء الزيتون والطهاة حول العالم. إن هذا التوازن في النكهة يعكس التناغم بين العوامل الطبيعية والبشرية في إنتاج هذا الزيت الاستثنائي.


ما هي التحديات التي واجهت صناعة زيت الزيتون السورية؟

على الرغم من التاريخ العريق والجودة الممتازة لزيت الزيتون السوري، فإن هذه الصناعة واجهت – وما زالت تواجه – تحديات جسيمة أثرت بشكل كبير على الإنتاج والتصدير والتطور التقني. إن فهم هذه التحديات ضروري لوضع خطط فعالة لإنعاش القطاع في المرحلة المقبلة.

1. تأثير الحرب السورية (2011-2024)

لقد كانت الثورة السورية ضد بشار الأسد والحرب الدموية التي تلتها هي أكبر ضربة تلقتها صناعة زيت الزيتون في سوريا؛ إذ أدت الأعمال العسكرية إلى تدمير مئات الآلاف من أشجار الزيتون، سواء بسبب القصف المباشر أو لاستخدامها كحطب للتدفئة من قبل السكان النازحين. كما أن العديد من البساتين تُركت دون رعاية لسنوات بسبب نزوح أصحابها أو مقتلهم، ما أدى إلى تراجع إنتاجيتها بشكل كبير.

بالإضافة إلى ذلك، تعرضت مئات المعاصر للدمار الكلي أو الجزئي، وسُرقت المعدات والآليات الحديثة، ما أدى إلى تراجع القدرة الإنتاجية بشكل كبير. إن المناطق التي شهدت أعنف المعارك، مثل ريف حلب وإدلب، كانت من أكثر المناطق تضرراً. هذا وقد تسببت الحرب أيضاً في انقطاع سلاسل الإمداد والتوريد، وصعوبة الحصول على المدخلات الزراعية (مثل الأسمدة والمبيدات)، وارتفاع تكاليف النقل بسبب تدمير الطرق والبنية التحتية.

2. العقوبات الاقتصادية الدولية

فرضت الدول الغربية عقوبات اقتصادية قاسية على نظام الأسد، شملت قطاعات عديدة بما فيها القطاع الزراعي. إن هذه العقوبات أدت إلى صعوبات كبيرة في تصدير زيت الزيتون السوري إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية، التي كانت من أهم وجهات التصدير قبل الحرب. كما أن القيود المالية والمصرفية جعلت من الصعب على الشركات السورية إجراء معاملات دولية، والحصول على التمويل اللازم لتطوير مشاريعها.

بالإضافة إلى ذلك، أدت العقوبات إلى صعوبة استيراد المعدات والتقنيات الحديثة اللازمة لتحسين جودة الإنتاج وكفاءة المعاصر. إن هذا العزل الاقتصادي أبقى صناعة زيت الزيتون السورية متخلفة تقنياً مقارنة بالدول المنافسة مثل إسبانيا وإيطاليا واليونان وتونس.

3. تأثير تغير المناخ على الزراعة السورية

لطالما كانت سوريا عرضة لتقلبات مناخية، لكن تأثيرات التصحر في سورية وظاهرة التغير المناخي تفاقمت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة. إن ارتفاع درجات الحرارة، وتناقص معدلات الأمطار، وطول فترات الجفاف، كلها عوامل أثرت سلباً على إنتاجية أشجار الزيتون. فبينما تُعَدُّ أشجار الزيتون من الأشجار المقاومة للجفاف نسبياً، فإن الجفاف المطول يؤدي إلى تراجع كمية الثمار وجودتها.

كما أن التغيرات المناخية أدت إلى زيادة انتشار بعض الآفات والأمراض التي تصيب أشجار الزيتون، مثل ذبابة ثمار الزيتون (Olive Fruit Fly) وفطريات الجذور. إن مكافحة هذه الآفات تتطلب استخدام مبيدات ومعدات قد لا تكون متاحة أو ميسورة التكلفة للمزارعين في الظروف الحالية.

4. نقص الموارد المائية في سوريا

تُعَدُّ ندرة المياه من أكبر التحديات التي تواجه الزراعة السورية بشكل عام، وزراعة الزيتون بشكل خاص. فعلى الرغم من أن معظم بساتين الزيتون تُزرع بعلياً (تعتمد على مياه الأمطار)، فإن تناقص معدلات الأمطار أثر بشكل مباشر على الإنتاجية. إن بعض المزارعين يحاولون استخدام الري التكميلي خلال فترات الجفاف، لكن محدودية الموارد المائية والطاقة الكهربائية تجعل هذا الخيار صعباً.

هذا وقد أدى الصراع على الموارد المائية، وخاصة في مناطق حوض نهر الفرات والعاصي، إلى مشاكل إضافية؛ إذ تحكمت بعض الفصائل المسلحة في مصادر المياه واستخدمتها كورقة ضغط، ما أثر على القطاع الزراعي في مناطق واسعة.

5. ضعف البنية التحتية والخدمات

تدمرت شبكات الطرق والكهرباء والاتصالات في مناطق واسعة من سوريا، ما جعل عمليات نقل الثمار والزيت المُنتَج أكثر صعوبة وتكلفة. كما أن انقطاع الكهرباء المتكرر يؤثر على عمل المعاصر الحديثة التي تعتمد على الآلات الكهربائية. بالمقابل، فإن المعاصر التقليدية التي تعتمد على الطاقة الميكانيكية أو الحيوانية تبقى قادرة على العمل، لكنها أقل كفاءة وإنتاجية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن ضعف الخدمات الإرشادية الزراعية وغياب الدعم الفني من الجهات الحكومية أو المنظمات الدولية جعل المزارعين يعتمدون على معارفهم التقليدية فقط، دون القدرة على تبني ممارسات زراعية حديثة أو حلول لمشاكل جديدة.

6. المنافسة الدولية وغياب معايير الجودة الموحدة

في الأسواق الدولية، يواجه زيت الزيتون السوري منافسة شرسة من منتجات دول مثل إسبانيا (أكبر منتج عالمي)، وإيطاليا، واليونان، وتونس، وتركيا. إن هذه الدول تمتلك صناعات متطورة، وعلامات تجارية قوية، وشهادات جودة دولية، وقدرات تسويقية كبيرة. بالمقابل، فإن زيت الزيتون السوري، على الرغم من جودته، يفتقر إلى العلامات التجارية المعروفة والتسويق الفعال.

كما أن غياب معايير الجودة الموحدة والشهادات الدولية (مثل شهادات الجودة العضوية أو المنشأ المحمي) يجعل من الصعب على المنتج السوري المنافسة في الأسواق الراقية التي تدفع أسعاراً أعلى للمنتجات المُعتمَدة.

7. التهريب والسوق السوداء

خلال سنوات الحرب، ازدهرت تجارة التهريب؛ إذ كان زيت الزيتون السوري يُهرَّب إلى تركيا ولبنان بكميات كبيرة، حيث يُعاد تعبئته ويُباع بأسعار أعلى كمنتج محلي أو حتى كزيت زيتون إيطالي أو يوناني مزيف. إن هذا التهريب حرم سوريا من عائدات اقتصادية كبيرة، كما أضر بسمعة المنتج السوري في الأسواق الدولية.


كيف أثر سقوط نظام الأسد ورفع العقوبات على القطاع؟

يُعَدُّ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 نقطة تحول تاريخية في تاريخ سوريا، ليس فقط على الصعيد السياسي والاجتماعي، بل أيضاً على الصعيد الاقتصادي. إن القيادة الجديدة التي تولت السلطة، بقيادة أحمد الشرع، أعلنت عن التزامها بإعادة إعمار البلاد وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. كما أن رفع العقوبات الدولية عن سوريا في ديسمبر 2025 فتح آفاقاً جديدة أمام الاستثمار في سوريا وإعادة إحياء القطاعات الاقتصادية المختلفة.

بالنسبة لقطاع زيت الزيتون تحديداً، فإن هذه التطورات تحمل فرصاً كبيرة:

أولاً، إعادة فتح أسواق التصدير: إن رفع العقوبات يعني أن الشركات السورية باتت قادرة على تصدير زيت الزيتون إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية دون عوائق قانونية. لقد بدأت بعض الشركات فعلاً بالتواصل مع مستوردين في دول مثل ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، وهناك اهتمام متزايد بالمنتج السوري.

ثانياً، جذب الاستثمارات الأجنبية: إن إعادة الإعمار في سوريا بعد سقوط نظام الأسد تتطلب استثمارات ضخمة، وقطاع الزراعة – وتحديداً زيت الزيتون – يُعَدُّ من القطاعات الواعدة. لقد أبدت بعض الشركات والمؤسسات الدولية اهتمامها بالاستثمار في بناء معاصر حديثة، وإنشاء مشاريع لتحسين البنية التحتية الزراعية، ودعم المزارعين بالتدريب والتمويل.

ثالثاً، الحصول على الدعم الفني والتكنولوجي: إن الانفتاح على العالم يتيح لسوريا الاستفادة من الخبرات الدولية في مجالات الزراعة الحديثة، وإدارة الموارد المائية، ومكافحة الآفات، وتحسين جودة المنتجات. كما أن المنظمات الدولية مثل منظمة الأغذية والزراعة (FAO) والمجلس الدولي للزيتون (IOC) بدأت بتقديم برامج دعم فني لتطوير القطاع.

رابعاً، تحسين البنية التحتية: إن جهود إعادة إعمار سوريا تشمل إصلاح وبناء الطرق، وإعادة تأهيل شبكات الكهرباء والمياه، وهو ما سيسهل عمليات الإنتاج والتوزيع في القطاع الزراعي.

خامساً، إمكانية الحصول على التمويل: إن إعادة ربط النظام المصرفي السوري بالنظام المالي الدولي تتيح للمزارعين والشركات الحصول على قروض وتمويلات ميسرة لتطوير مشاريعهم. كما أن بعض المؤسسات الدولية بدأت بإطلاق برامج منح ودعم للقطاع الزراعي.

مع ذلك، يجب أن نكون واقعيين؛ إذ إن التعافي الكامل للقطاع لن يحدث بين عشية وضحاها. فهناك تحديات كبيرة ما زالت قائمة، مثل نقص رؤوس الأموال، وتدمير البنية التحتية الواسع، وفقدان الكوادر المدربة (بسبب الهجرة والموت)، والحاجة إلى وقت طويل لإعادة تأهيل البساتين المتضررة. لكن بوجود الإرادة السياسية والدعم الدولي، فإن قطاع زيت الزيتون السوري يمتلك فرصة حقيقية لاستعادة مجده.

اقرأ أيضاً:


ما هو دور زيت الزيتون في الاقتصاد السوري؟

لطالما شكل قطاع زيت الزيتون جزءاً مهماً من الاقتصاد الزراعي السوري، وله تأثيرات اقتصادية واجتماعية واسعة النطاق. إن فهم هذا الدور يساعد في تقدير أهمية الاستثمار في هذا القطاع والعمل على تطويره.

من الناحية الاقتصادية المباشرة، يوفر قطاع زيت الزيتون دخلاً لمئات الآلاف من العائلات الريفية السورية؛ إذ يُقدَّر عدد المزارعين الذين يعتمدون بشكل رئيسي أو جزئي على زراعة الزيتون بأكثر من نصف مليون مزارع. كما أن القطاع يوفر فرص عمل موسمية كبيرة خلال فترة الحصاد، حيث يُشغَّل عشرات الآلاف من العمال الزراعيين، بما في ذلك النساء والشباب.

بالإضافة إلى ذلك، فإن صناعة عصر وتعبئة زيت الزيتون توفر فرص عمل في المعاصر ومصانع التعبئة ومراكز التوزيع. كما أن القطاع يرتبط بصناعات أخرى، مثل صناعة الصابون الطبيعي، والمواد التجميلية، والأدوية العشبية، ما يخلق سلسلة قيمة اقتصادية متكاملة.

من ناحية التجارة الخارجية، كان زيت الزيتون السوري من أهم المنتجات التي تُصدَّرها سوريا قبل الحرب؛ إذ كانت صادراته تدر ملايين الدولارات سنوياً. إن استعادة هذه الصادرات بعد رفع العقوبات يمكن أن تساهم بشكل كبير في تحسين ميزان التجارة الخارجية السوري وزيادة احتياطيات البلاد من العملات الأجنبية.

على الصعيد الاجتماعي، يلعب قطاع الزيتون دوراً مهماً في الحفاظ على التماسك المجتمعي في المناطق الريفية؛ إذ إن زراعة الزيتون نشاط عائلي تقليدي يشارك فيه جميع أفراد الأسرة، ما يعزز الروابط الأسرية والمجتمعية. كما أن موسم قطف الزيتون يُعَدُّ مناسبة اجتماعية مهمة في المجتمع السوري، حيث تجتمع العائلات والجيران للعمل معاً في البساتين، في أجواء من التعاون والتآزر.

من ناحية الأمن الغذائي، يُعَدُّ زيت الزيتون مكوناً أساسياً في النظام الغذائي السوري؛ إذ يستخدم في معظم الأطباق التقليدية، ويُعتبر بديلاً صحياً للزيوت النباتية الأخرى. إن إنتاج زيت الزيتون محلياً يقلل من الاعتماد على استيراد الزيوت الغذائية، ويساهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي الجزئي في هذا المجال.

أخيراً، فإن قطاع زيت الزيتون يساهم في الحفاظ على التراث السوري اللامادي؛ إذ ترتبط زراعة الزيتون بتقاليد وممارسات ثقافية عريقة، من طرق الزراعة التقليدية، إلى طقوس القطف، إلى استخدامات زيت الزيتون في الطب الشعبي والعلاجات التقليدية. إن الحفاظ على هذا القطاع يعني الحفاظ على جزء مهم من الذاكرة الثقافية السورية.


ما هي الفرص المتاحة لتطوير صناعة زيت الزيتون السورية؟

بعد سنوات من التراجع والتحديات، يقف قطاع زيت الزيتون السوري اليوم أمام فرص واعدة لإعادة البناء والتطوير. إن استغلال هذه الفرص بشكل صحيح يمكن أن يحول هذا القطاع إلى ركيزة أساسية للاقتصاد السوري الجديد.

1. الاستثمار في تحديث المعاصر والتجهيزات

اقرأ أيضاً:  معدل البطالة في سوريا: تحليل الاتجاهات وأثرها على الاقتصاد

إن أحد أهم المجالات التي تحتاج إلى استثمارات عاجلة هو تحديث المعاصر وتزويدها بتقنيات حديثة. إن معاصر الزيتون العصرية التي تستخدم أنظمة الطرد المركزي (Centrifugation) وأنظمة العصر البارد المتحكم بها إلكترونياً يمكن أن تحسّن جودة الزيت بشكل كبير وتزيد من كفاءة الإنتاج. كما أن استخدام أنظمة فصل متطورة تسمح بالحصول على درجات مختلفة من الزيت (زيت بكر ممتاز، زيت بكر، زيت عادي) حسب جودة الثمار ومراحل العصر.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الاستثمار في مرافق التخزين الحديثة – مثل الخزانات الفولاذية المقاومة للصدأ (Stainless Steel Tanks) مع أنظمة تحكم في درجة الحرارة والإضاءة – يضمن الحفاظ على جودة الزيت لفترات أطول ويقلل من الفاقد بسبب الأكسدة أو التلوث.

2. تطوير علامات تجارية وطنية قوية

إن أحد نقاط الضعف الرئيسية للمنتج السوري في الأسواق الدولية هو غياب علامات تجارية معروفة وموثوقة. لذا، يجب العمل على إنشاء علامات تجارية وطنية تمثل زيت الزيتون السوري بجودته العالية وأصالته التاريخية. إن هذه العلامات يجب أن تُبنى على أسس قوية من الجودة المتسقة، والشفافية في الإنتاج، والقصة التراثية للمنتج.

كما أن الحصول على شهادات دولية – مثل شهادة المنتج العضوي (Organic Certification)، أو شهادة المنشأ المحمي (Protected Designation of Origin – PDO)، أو شهادات الجودة من المجلس الدولي للزيتون – يمكن أن يرفع من قيمة المنتج ويفتح أبواب أسواق راقية تدفع أسعاراً أعلى.

3. تعزيز الصناعات الغذائية في سوريا المرتبطة بالزيتون

بالإضافة إلى إنتاج زيت الزيتون البكر، هناك فرص كبيرة لتطوير منتجات ذات قيمة مضافة أعلى، مثل:

  • زيتون المائدة المعلب بأشكال ونكهات مختلفة
  • الصابون الطبيعي المصنوع من زيت الزيتون (الذي تشتهر به حلب)
  • مستحضرات التجميل والعناية بالبشرة
  • المكملات الغذائية المستخلصة من أوراق الزيتون أو الثمار
  • الخل البلسمي المصنوع من الزيتون

إن تطوير هذه الصناعات يضيف قيمة اقتصادية كبيرة ويخلق فرص عمل جديدة في مجالات التصنيع والتعبئة والتسويق.

4. الاستثمار في البحث العلمي والتطوير

هناك حاجة ماسة لإنشاء مراكز بحثية متخصصة في دراسة أصناف الزيتون السورية، وتطوير أصناف جديدة أكثر مقاومة للجفاف والأمراض، وتحسين تقنيات الزراعة والعصر. كما أن البحث في استخدامات جديدة لمنتجات الزيتون (مثل استخدام الجفت كمصدر للطاقة الحيوية أو كعلف حيواني) يمكن أن يحسّن من اقتصاديات القطاع.

إن التعاون مع جامعات ومراكز بحثية دولية متخصصة في زراعة الزيتون – مثل تلك الموجودة في إسبانيا وإيطاليا واليونان – يمكن أن يوفر خبرات قيمة ويسرّع من وتيرة التطوير.

5. تدريب وتأهيل المزارعين والعاملين في القطاع

إن نجاح أي برنامج لتطوير القطاع يعتمد بشكل كبير على تأهيل العنصر البشري؛ لذا يجب إطلاق برامج تدريبية شاملة للمزارعين حول الممارسات الزراعية الحديثة، وإدارة الموارد المائية، ومكافحة الآفات بطرق صديقة للبيئة، وتقنيات الحصاد والتخزين. كما أن تدريب العاملين في المعاصر على استخدام التقنيات الحديثة وضبط الجودة يُعَدُّ ضرورياً.

إن هذه البرامج يمكن أن تُنفَّذ بالتعاون مع منظمات دولية ومؤسسات تعليمية، وتشمل دورات نظرية وتدريبات عملية في الحقل والمعاصر.

6. بناء شبكات تسويق فعالة

إن وصول المنتج السوري إلى الأسواق الدولية يتطلب بناء شبكات توزيع وتسويق قوية. يجب العمل على إقامة شراكات مع مستوردين وموزعين دوليين موثوقين، والمشاركة في المعارض الدولية المتخصصة، واستخدام وسائل التسويق الرقمي (Digital Marketing) للوصول إلى المستهلكين مباشرة.

كما أن إنشاء منصات إلكترونية لبيع زيت الزيتون السوري عبر الإنترنت يمكن أن يفتح أسواقاً جديدة، خاصة بين المستهلكين الذين يبحثون عن منتجات طبيعية أصيلة ذات قصة تراثية.

7. الاستفادة من السياحة الزراعية (Agrotourism)

مع تحسن الأوضاع الأمنية في سوريا، يمكن تطوير مفهوم السياحة الزراعية المرتبطة بزراعة الزيتون. إن زيارة بساتين الزيتون القديمة، والمشاركة في موسم القطف، وزيارة المعاصر التقليدية، وتذوق زيت الزيتون الطازج، كلها تجارب يمكن أن تجذب السياح المحليين والأجانب وتعزز من الوعي بأهمية هذا المنتج.

اقرأ أيضاً:


كيف يمكن للأسواق العالمية أن تستقبل زيت الزيتون السوري؟

لطالما حظي زيت الزيتون السوري بتقدير كبير في الأسواق العالمية قبل الحرب، وخاصة في الأسواق الأوروبية والعربية. لقد كانت سوريا تصدّر في أوج إنتاجها ما بين 15 ألف إلى 24 ألف طن سنوياً، وكان المنتج السوري يُقدَّر بجودته العالية وسعره التنافسي.

اليوم، مع رفع العقوبات واستقرار الأوضاع السياسية نسبياً، تتطلع الأسواق العالمية بحذر وتفاؤل إلى عودة زيت الزيتون السوري. إن الطلب العالمي على زيت الزيتون في تزايد مستمر، وخاصة في أمريكا الشمالية وآسيا، حيث تنمو شعبية حمية البحر المتوسط. فما هي فرص سوريا في هذه الأسواق؟

بالنسبة للأسواق الأوروبية، فإن استعادة الحصة المفقودة سيتطلب جهوداً كبيرة في مجال ضمان الجودة والامتثال للمعايير الأوروبية الصارمة، بما في ذلك معايير سلامة الغذاء والاستدامة البيئية. إن الاتحاد الأوروبي يضع شروطاً صارمة على المنتجات المستوردة، بما في ذلك تتبع المنشأ والامتثال لمعايير الجودة الموحدة. مع ذلك، فإن السمعة التاريخية للمنتج السوري تبقى عاملاً إيجابياً يمكن البناء عليه.

بالمقابل، توفر الأسواق العربية فرصاً واعدة أكثر؛ إذ يشترك المستهلكون العرب مع السوريين في التقاليد الغذائية والتقدير لجودة زيت الزيتون السوري. لقد شهدت دول الخليج العربي نمواً كبيراً في الطلب على المنتجات العضوية والطبيعية، وهي أسواق يمكن استهدافها بشكل فعال. كما أن أسواق الشتات السوري في أوروبا وأمريكا الشمالية تمثل قاعدة مستهلكين مخلصين يبحثون عن منتجات تذكرهم بوطنهم.

من ناحية أخرى، تبرز الأسواق الآسيوية كفرصة واعدة للتوسع المستقبلي؛ إذ تشهد دول مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية اهتماماً متزايداً بزيت الزيتون كجزء من أنماط حياة صحية. إن دخول هذه الأسواق يتطلب حملات توعية وتسويق مكثفة، لكنه قد يفتح آفاقاً هائلة لزيادة الصادرات.

هذا وقد أبدت بعض الشركات الأوروبية والعربية اهتماماً بالاستثمار في قطاع الزيتون السوري بعد رفع العقوبات، وهو مؤشر إيجابي على ثقة الأسواق العالمية بإمكانية تعافي هذا القطاع. وعليه فإن السنوات القادمة ستكون حاسمة في تحديد قدرة سوريا على استعادة مكانتها كمصدر رئيس لزيت الزيتون عالي الجودة.

ما هي الممارسات الزراعية المستمرة لتطوير إنتاج الزيتون؟

في ظل التحديات البيئية المتزايدة وندرة الموارد المائية، أصبح اعتماد ممارسات زراعية مستمرة وصديقة للبيئة ضرورة حتمية لضمان استمرارية إنتاج زيت الزيتون السوري على المدى الطويل.

تبدأ الاستمرارية من إدارة فعالة للموارد المائية، وهي القضية الأكثر إلحاحاً في سوريا حالياً. إن أنظمة الري بالتنقيط (Drip Irrigation) تُعَدُّ الخيار الأمثل لبساتين الزيتون؛ إذ توفر حتى 60% من كمية المياه مقارنة بالري التقليدي، وتوصل المياه مباشرة إلى جذور الأشجار دون هدر. لقد أثبتت تجارب في محافظات حلب وإدلب فعالية هذه التقنية في تحسين الإنتاجية وتقليل التكاليف. بالإضافة إلى ذلك، يمكن استخدام تقنيات حصاد مياه الأمطار وتخزينها في برك أرضية لاستخدامها خلال فترات الجفاف.

فيما يتعلق بإدارة التربة، فإن الحفاظ على خصوبتها يُعَدُّ أساسياً لإنتاج مستمر. إن استخدام السماد العضوي (Organic Compost) المصنوع من مخلفات الزيتون نفسها – مثل الجفت (Pomace) وأوراق الأشجار المتساقطة – يوفر بديلاً ممتازاً للأسمدة الكيميائية المكلفة. كما أن تقنيات الزراعة التغطية (Cover Cropping) التي تشمل زراعة نباتات بقولية بين صفوف الأشجار تساهم في تثبيت النيتروجين في التربة وتحسين بنيتها.

على النقيض من ذلك، يجب التقليل من استخدام المبيدات الكيميائية واعتماد أساليب المكافحة المتكاملة للآفات (Integrated Pest Management – IPM)، التي تجمع بين المراقبة المنتظمة، واستخدام المصائد الفرمونية (Pheromone Traps)، وإطلاق الأعداء الطبيعية للآفات. إن هذه الأساليب أثبتت فعاليتها في تقليل استخدام المبيدات بنسبة تصل إلى 70% مع الحفاظ على مستويات إنتاج جيدة.

الجدير بالذكر أن التقليم المنتظم والصحيح للأشجار يلعب دوراً مهماً في تحسين الإنتاجية؛ إذ يساعد على تجديد الأفرع وتحسين تهوية الشجرة وتعريضها لأشعة الشمس بشكل أفضل، ما يقلل من انتشار الأمراض الفطرية ويحسن نوعية الثمار. كما أن التقليم يساعد في تقليل ظاهرة المعاومة عبر موازنة حمل الثمار على الأشجار.

ومما يستحق الاهتمام أيضاً هو الحفاظ على التنوع الحيوي (Biodiversity) في بساتين الزيتون؛ إذ إن وجود أنواع مختلفة من النباتات والحشرات النافعة يخلق نظاماً بيئياً متوازناً يقاوم الآفات والأمراض بشكل طبيعي. بينما تدمر الزراعة الأحادية (Monoculture) التوازن البيئي وتزيد من قابلية المحصول للإصابة، فإن التنوع يوفر حماية طبيعية ويعزز صحة التربة والنبات.

كيف يمكن للتكنولوجيا الحديثة أن تحدث ثورة في صناعة الزيتون السورية؟

تشهد صناعة الزيتون عالمياً ثورة تكنولوجية تعتمد على الذكاء الاصطناعي والأتمتة والبيانات الضخمة، ويمكن لسوريا أن تستفيد من هذه التطورات لتحسين إنتاجيتها وجودة منتجاتها.

في مجال الزراعة الذكية، توفر أجهزة الاستشعار (Sensors) وأنظمة إنترنت الأشياء (Internet of Things – IoT) إمكانية مراقبة حالة التربة والأشجار في الوقت الفعلي. إن هذه الأجهزة تقيس رطوبة التربة ودرجة حرارتها ومستويات المغذيات، وترسل البيانات إلى تطبيقات على الهواتف الذكية، ما يمكّن المزارعين من اتخاذ قرارات دقيقة بشأن الري والتسميد. فهل يا ترى سيتمكن المزارعون السوريون من اعتماد هذه التقنيات؟ إن التكلفة الأولية قد تكون مرتفعة، لكن العائد على المدى الطويل يبرر الاستثمار.

بالنسبة لعمليات الحصاد، فإن آلات القطف الميكانيكية الحديثة تستخدم تقنية الاهتزاز (Vibration) لإسقاط الثمار على شبكات دون إلحاق ضرر بالأشجار، وتقلل من الحاجة إلى عمالة كثيفة وتوفر الوقت والتكاليف. انظر إلى أن بعض هذه الآلات مزودة بأنظمة ذكية تميز بين الثمار الناضجة وغير الناضجة، ما يحسن من جودة المحصول.

في المعاصر، تتيح التقنيات الحديثة التحكم الدقيق في درجات الحرارة والضغط ومراحل الفصل، ما يضمن الحصول على زيت بأعلى جودة ممكنة. كما أن بعض المعاصر المتطورة تستخدم أنظمة تحليل فورية تقيس خصائص الزيت أثناء الإنتاج، مثل الحموضة ومحتوى البوليفينولات، ما يتيح إجراء تعديلات فورية لضمان الجودة.

اقرأ أيضاً:  حقول النفط والغاز في سوريا وإنتاجها واحتياطي هذه الحقول

من جهة ثانية، تساهم تقنيات البلوك تشين (Blockchain) في تتبع المنتج من المزرعة إلى المستهلك، ما يعزز الشفافية ويمنع الغش ويزيد من ثقة المستهلكين. إن تطبيق هذه التقنية في سوريا يمكن أن يساعد في إثبات أصالة المنتج وجودته، وهو عامل مهم في الأسواق الدولية.

هذا وقد بدأت بعض الشركات الناشئة في العالم العربي بتطوير تطبيقات وبرامج خاصة بإدارة بساتين الزيتون، تشمل تتبع دورات الإنتاج، وإدارة المخزون، وتحليل البيانات المناخية، وتقديم توصيات مخصصة للمزارعين. إن نقل هذه التجارب إلى سوريا وتكييفها مع الظروف المحلية يمكن أن يحدث نقلة نوعية في إدارة القطاع.

ما هو دور المرأة الريفية في صناعة زيت الزيتون السورية؟

لطالما لعبت المرأة السورية دوراً محورياً في الزراعة بشكل عام وفي زراعة الزيتون بشكل خاص، لكن هذا الدور غالباً ما يبقى غير مرئي وغير مُقدَّر بما يكفي. إن النساء يشكلن جزءاً كبيراً من القوى العاملة في بساتين الزيتون، ويقمن بمهام متعددة تشمل القطف والفرز والتخزين والتسويق المحلي.

خلال سنوات الحرب، ازدادت مسؤوليات النساء الريفيات بشكل كبير بعد فقدان أو هجرة أو اعتقال العديد من الرجال؛ إذ اضطرت آلاف النساء إلى إدارة المزارع بمفردهن، وتحمل أعباء اقتصادية واجتماعية هائلة. لقد أظهرت الدراسات أن النساء المعيلات لأسرهن واجهن صعوبات مضاعفة في الحصول على التمويل والمدخلات الزراعية والدعم الفني، بسبب قيود اجتماعية وقانونية تحد من حقوقهن في الملكية والائتمان.

مع ذلك، فقد برزت نماذج ملهمة لنساء ريفيات نجحن في تطوير مشاريع صغيرة ومتوسطة متعلقة بزيت الزيتون. ففي منطقة عفرين، على سبيل المثال، أسست مجموعة من النساء تعاونية لإنتاج زيت الزيتون والصابون الطبيعي، واستطعن تسويق منتجاتهن محلياً وحتى في بعض الأسواق الخارجية قبل أن تسيطر الفصائل المسلحة على المنطقة. كما أن برامج تدريبية نُظمت بدعم من منظمات دولية، مثل تلك التي أُقيمت في إيطاليا عام 2019، أتاحت لنساء سوريات اكتساب مهارات جديدة في تقنيات الزراعة والعصر والتسويق.

بالإضافة إلى ذلك، تلعب النساء دوراً مهماً في الحفاظ على المعرفة التقليدية المتعلقة بزراعة الزيتون واستخداماته المتعددة في الطب الشعبي والطهي ومستحضرات العناية بالبشرة. إن هذه المعرفة التراثية تمثل ثروة ثقافية يجب توثيقها ونقلها للأجيال القادمة.

إذاً كيف يمكن تعزيز دور المرأة في القطاع مستقبلاً؟ برأيكم ماذا يجب أن تفعل الحكومة والمجتمع المدني؟ الإجابة تكمن في عدة محاور: أولاً، ضمان حقوق النساء في ملكية الأراضي والوصول إلى التمويل والقروض الميسرة. ثانياً، توفير برامج تدريبية متخصصة تستهدف النساء الريفيات في مجالات الزراعة الحديثة والإدارة والتسويق. ثالثاً، دعم تأسيس تعاونيات نسائية وتوفير الحماية القانونية والدعم الفني لها. رابعاً، إطلاق حملات توعية تسلط الضوء على مساهمات النساء في القطاع وتعزز من قيمة عملهن.

ما هي آفاق التصدير لزيت الزيتون السوري في المرحلة القادمة؟

يمثل التصدير العمود الفقري لأي نهضة حقيقية في قطاع زيت الزيتون السوري؛ إذ إن السوق المحلية محدودة نسبياً مقارنة بالطاقة الإنتاجية المحتملة، وكذلك فإن الأسعار المحلية قد لا توفر عوائد كافية للمزارعين والمستثمرين.

قبل الحرب، كانت سوريا تصدر زيت الزيتون إلى أكثر من 30 دولة، بما في ذلك المملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والسعودية والإمارات. لقد توقفت معظم هذه الصادرات بعد عام 2011 بسبب الحرب والعقوبات، لكن رفع العقوبات في ديسمبر 2025 فتح الباب أمام إعادة بناء شبكات التصدير.

في عام 2026، بدأت الشركات السورية باستكشاف الفرص المتاحة في الأسواق التقليدية والجديدة. إن الأسواق الأوروبية تبقى الهدف الأهم نظراً لارتفاع الطلب والأسعار فيها، لكنها تتطلب استيفاء معايير صارمة في الجودة والسلامة والتعبئة. وعليه فإن الحصول على شهادات الامتثال من جهات أوروبية معتمدة يُعَدُّ خطوة ضرورية لأي مصدّر سوري يطمح لدخول هذه الأسواق.

بالمقابل، توفر أسواق الخليج العربي فرصاً أسهل نسبياً بسبب العلاقات الثقافية والجغرافية، وكذلك بسبب وجود جاليات سورية كبيرة في هذه الدول. هذا وقد أعربت بعض سلاسل المتاجر الكبرى في الإمارات والسعودية عن اهتمامها باستيراد زيت الزيتون السوري عالي الجودة، شريطة ضمان الإمدادات المستمرة والجودة المتسقة.

من ناحية أخرى، تبرز أسواق جديدة في آسيا وأفريقيا كوجهات واعدة؛ إذ تشهد دول مثل الصين وفيتنام ونيجيريا نمواً اقتصادياً سريعاً وتزايداً في الطبقة المتوسطة التي تبحث عن منتجات غذائية صحية. إن دخول هذه الأسواق يتطلب استثمارات في التسويق والترويج وبناء قنوات توزيع موثوقة.

انظر إلى أن المشاركة في المعارض الدولية المتخصصة بالأغذية وزيت الزيتون، مثل معرض “Anuga” في ألمانيا و”SIAL” في فرنسا، تُعَدُّ فرصة ممتازة للتعريف بالمنتج السوري وإقامة علاقات تجارية مع مستوردين وموزعين دوليين. لقد استأنفت سوريا مشاركتها في بعض المعارض الإقليمية في عام 2025، وتخطط لتوسيع حضورها الدولي في السنوات المقبلة.

الخاتمة

يقف زيت الزيتون السوري اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ إذ توفر التطورات السياسية الأخيرة، وخاصة سقوط نظام الأسد ورفع العقوبات الدولية، فرصة ذهبية لإعادة إحياء هذه الصناعة العريقة واستعادة مكانتها العالمية. إن سوريا تمتلك كل المقومات الأساسية للنجاح: أرض خصبة، ومناخ مثالي، وأصناف محلية فريدة، وخبرة تراكمية عبر الأجيال، وسمعة تاريخية في إنتاج زيت زيتون عالي الجودة.

مع ذلك، فإن الطريق نحو التعافي الكامل ليس سهلاً؛ إذ تواجه الصناعة تحديات كبيرة تشمل البنية التحتية المدمرة، ونقص التمويل والاستثمارات، وتأثيرات التغير المناخي، وغياب معايير الجودة الموحدة، والمنافسة الدولية الشرسة. وعليه فإن التغلب على هذه التحديات يتطلب جهوداً منسقة من جميع الأطراف المعنية: الحكومة، والقطاع الخاص، والمزارعين، والمجتمع المدني، والشركاء الدوليين.

لقد أثبت المزارعون السوريون صمودهم وإصرارهم على مواصلة الإنتاج رغم كل الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد. إن هذا الصمود يشكل أساساً متيناً يمكن البناء عليه؛ إذ بدعم مناسب واستثمارات موجهة بشكل صحيح، يمكن لقطاع زيت الزيتون السوري أن يعود إلى سابق عهده، بل وأن يتجاوز إنجازاته السابقة.

إن المرحلة القادمة تتطلب رؤية واضحة وخططاً تنفيذية محكمة تركز على تحسين الجودة، واعتماد التكنولوجيا الحديثة، وتطبيق ممارسات زراعية مستمرة، وبناء علامات تجارية قوية، وتطوير قنوات تسويق فعالة، وتعزيز دور المرأة الريفية، وحماية التنوع الوراثي للأصناف المحلية. بالإضافة إلى ذلك، يجب الاستفادة من التجارب الناجحة في دول أخرى ومن الدعم الفني والمالي الذي تقدمه المنظمات الدولية.

فهل ستتمكن سوريا من استعادة لقب “أرض الزيتون الذهبي”؟ إن الإجابة تعتمد على مدى جدية الالتزام بالإصلاحات والاستثمار في هذا القطاع الحيوي. كما أن نجاح هذه الصناعة لا يعني فقط تحسين الاقتصاد الوطني وتوفير فرص عمل لمئات الآلاف من العائلات، بل يعني أيضاً الحفاظ على تراث ثقافي غني وهوية زراعية عريقة ارتبطت بالحضارة السورية منذ آلاف السنين.


هل أنت من المهتمين بدعم الصناعات الوطنية السورية؟ سواء كنت مستهلكاً يبحث عن منتجات طبيعية عالية الجودة، أو مستثمراً يستكشف فرص الأعمال في القطاع الزراعي، أو مزارعاً يسعى لتطوير إنتاجه، فإن قطاع زيت الزيتون السوري يوفر فرصاً واعدة تستحق الاهتمام. ابحث عن المنتجات السورية الأصلية، وساهم في دعم المزارعين السوريين، وكن جزءاً من النهضة الزراعية التي تشهدها سوريا في هذه المرحلة التاريخية المفصلية. إن كل قرار شراء تتخذه لصالح المنتج الوطني هو استثمار في مستقبل سوريا وفي استعادة مجدها الزراعي العريق.


المراجع

Alburquerque, N., Burgos, L., & Egea, J. (2004). Influence of flower bud density, flower bud drop and fruit set on apricot productivity. Scientia Horticulturae, 102(4), 397-406. https://doi.org/10.1016/j.scienta.2004.04.003
يدعم هذا المرجع فهم العوامل المؤثرة في إنتاجية أشجار الفاكهة بما فيها الزيتون، وخاصة ظاهرة المعاومة.

Ben Mansour-Gueddes, S., Saidani, M., Chatti, A., Braham, M., & Ben Mariem, F. (2019). Olive tree response to deficit irrigation under arid conditions. Agricultural Water Management, 213, 749-756. https://doi.org/10.1016/j.agwat.2018.11.023
يوضح هذا البحث كيفية استجابة أشجار الزيتون للري المحدود في البيئات الجافة، وهو ذو صلة بالظروف السورية.

Rallo, L., Barranco, D., Castro-García, S., Connor, D. J., Gómez del Campo, M., & Rallo, P. (2013). High-density olive plantations. In Horticultural Reviews (Vol. 41, pp. 303-384). John Wiley & Sons. https://doi.org/10.1002/9781118707418.ch07
يقدم هذا الفصل من الكتاب نظرة شاملة على أنظمة زراعة الزيتون عالية الكثافة والتقنيات الحديثة المستخدمة.

Tous, J., Romero, A., Plana, J., & Guerrero, L. (2011). Olive oil quality and sensory characteristics. Agricultural Sciences, 2(3), 141-147. https://doi.org/10.4236/as.2011.23020
يناقش هذا البحث العلاقة بين الخصائص الكيميائية والحسية لزيت الزيتون، ما يدعم القسم المتعلق بالجودة في المقالة.

International Olive Council. (2023). World olive oil figures. Madrid: IOC Publications.
يوفر هذا التقرير الرسمي بيانات إحصائية محدثة عن إنتاج وتجارة زيت الزيتون عالمياً، بما في ذلك بيانات عن سوريا.

Marra, F. P., Marino, G., Marchese, A., & Caruso, T. (2016). Effects of different irrigation regimes on a super-high-density olive grove cv. ‘Arbequina’. Acta Horticulturae, 1199, 397-402. https://doi.org/10.17660/ActaHortic.2018.1199.62
دراسة تطبيقية تبحث في تأثير أنظمة الري المختلفة على إنتاجية بساتين الزيتون، ما يدعم توصيات المقالة بشأن إدارة المياه.


ملاحظة حول المصداقية والمراجعة:

تمت مراجعة المعلومات الواردة في هذه المقالة من مصادر موثوقة تشمل تقارير المنظمات الدولية (مثل منظمة الأغذية والزراعة FAO، والمجلس الدولي للزيتون IOC، والبنك الدولي)، ودراسات أكاديمية منشورة في مجلات علمية محكمة، وتقارير إخبارية موثوقة من وسائل إعلام دولية ومحلية، وبيانات رسمية صادرة عن الجهات الحكومية السورية والدول المعنية. مع ذلك، يُرجى الأخذ بعين الاعتبار أن بعض البيانات المتعلقة بسوريا قد تكون تقديرية نظراً للظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد وصعوبة الحصول على إحصاءات دقيقة ومحدثة من بعض المناطق. كما أن التطورات السياسية والاقتصادية متسارعة، وقد تطرأ تغييرات جديدة بعد نشر هذه المقالة. نوصي القراء بالرجوع إلى المصادر الأصلية للحصول على معلومات إضافية والتحقق من أحدث المستجدات.

جرت مراجعة هذا المقال من قبل فريق التحرير في موقعنا لضمان الدقة والمعلومة الصحيحة.

هيئة تحرير موسوعة سوريا

الحساب الرسمي الموحد لفريق البحث والتدقيق في موسوعة سوريا. تخضع جميع المواد المنشورة عبر هذا الحساب لمراجعة دقيقة من قبل مختصين في التاريخ والجغرافيا والتراث، لضمان دقة المعلومات وحيادية الطرح ومطابقتها لسياسة النشر المعتمدة لدينا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى