من هو توفيق الشيشكلي وكيف تحول من طبيب عيون إلى زعيم وطني يقود الجماهير؟

شخصية محورية شكلت الوعي السياسي في سورية خلال النصف الأول من القرن العشرين
في خضم الأحداث المتلاطمة التي شهدتها سورية في مطلع القرن العشرين، برزت شخصيات لم تكتفِ بمشاهدة التاريخ يُكتب، بل أمسكت بالقلم والبندقية لتسطر فصولاً من النضال، ومن بين هؤلاء يلمع اسم توفيق الشيشكلي كواحد من أبرز رجالات مدينة حماة الذين جمعوا بين المشرط الطبي والمشرط السياسي؛ لمعالجة أوجاع الناس وأوجاع الوطن في آنٍ واحد. لقد وُلد هذا الطبيب الإنسان في مدينة النواعير عام 1884، في بيئة مشبعة بالتناقضات بين إرث عثماني ثقيل وتطلعات عربية وليدة، لينشأ في كنف والده القاضي عبد الرحمن الشيشكلي الذي زرع فيه حب العدالة والأنفة.
إن المسار الذي خطه توفيق الشيشكلي في حياته لم يكن مجرد مسار مهني تقليدي، بل كان رحلة وعي متصاعدة بدأت من مقاعد الدراسة في حمص ودمشق، وتوجت في أروقة النضال ضد الاستعمار الفرنسي؛ إذ لم يمنعه انشغاله بطب العيون ومداواة الفقراء من أن يكون العين الساهرة على حقوق مدينته ووطنه. ومن هنا، فإن فهم شخصية توفيق الشيشكلي لا يقتصر على سرد محطات حياته، بل يتطلب غوصاً عميقاً في البنية الاجتماعية والسياسية لمدينة حماة التي كانت تغلي كالمرجل في تلك الحقبة، حيث كان الصراع محتدماً بين العائلات الإقطاعية والتيارات الوطنية الصاعدة التي كان الشيشكلي أحد أبرز رموزها المستنيرة.
ما هي الجذور العائلية والنشأة الأولى التي صاغت شخصية توفيق الشيشكلي؟
تعود أصول عائلة الشيشكلي إلى مدينة معرة النعمان، حيث استقرت في حماة في أوائل القرن الحادي عشر الهجري، وحملت هذا الاسم (الذي يعني بالتركية “صاحب الزهور” أو “النقش المزهر”) لتصبح بمرور الزمن واحدة من العائلات المرموقة التي أنجبت قضاة ومثقفين وسياسيين؛ فقد نشأ توفيق في هذا الجو العائلي الذي يقدس العلم، حيث كان والده يعمل في سلك القضاء، مما أتاح للطفل توفيق التنقل بين حماة وحمص، والتعرف مبكراً على نخب المجتمع السوري في تلك المدن. وتُشير المصادر التاريخية إلى أن زمالته المبكرة مع شخصيات مثل مظهر رسلان وعزة الجندي في مقاعد الدراسة الابتدائية قد شكلت نواة لوعي سياسي مشترك سيثمر لاحقاً في مقارعة الانتداب.
وعندما انتقل الشاب الطموح إلى دمشق للدراسة في “مكتب عنبر” الشهير، ثم التحق بالكلية الطبية العثمانية وتخرج منها عام 1911، كان قد اكتسب ليس فقط مهارات الطب، بل وأيضاً مهارات القيادة والتأثير؛ فقد عُرف عنه منذ سنوات دراسته الجدية والذكاء الحاد، وتوجهه نحو التخصص في طب العيون لم يكن خياراً ترفياً، بل جاء استجابة لحاجة مجتمعية ملحة، إذ كانت أمراض العيون (كالتراخوما) تفتك بأهل حماة وقرارها، فقرر أن يكون علمه في خدمة أهله. وبالإضافة إلى ذلك، لم يكتفِ بدوره الطبي، بل انخرط في النشاط الثقافي والاجتماعي، فوضع رسائل في اللغة العربية وترجم القوانين، مؤمناً بأن نهضة الأمة لا تكون إلا بجناحي العلم والعمل السياسي المنظم.
اقرأ أيضاً: أديب الشيشكلي: مسيرة قائد عسكري وزعيم سياسي في سوريا
كيف لعب توفيق الشيشكلي دوراً محورياً في الثورة السورية الكبرى عام 1925؟
لم يكن الطبيب الحكيم بعيداً عن ساحات الوغى عندما نادى منادي الجهاد، فمع اندلاع الثورة السورية الكبرى عام 1925، تحولت عيادة الدكتور توفيق الشيشكلي ودارته إلى مركز عمليات لإدارة الحراك الوطني في حماة؛ فقد كان التنسيق يجري على قدم وساق بينه وبين زعماء الثورة في المناطق الأخرى، وعلى رأسهم فوزي القاوقجي، حيث أدرك الشيشكلي بوعيه الإستراتيجي أن حماة بموقعها المتوسط تمثل عقدة مواصلات حيوية لجيش الانتداب، وأن إشعال الثورة فيها سيخفف الضغط عن ثوار الغوطة وجبل العرب. وعليه فإن دوره لم يقتصر على التحريض الخطابي، بل تعداه إلى التنظيم الميداني وتأمين الدعم اللوجستي للثوار.
لقد دفعت حماة ثمناً باهظاً لمشاركتها في الثورة، حيث تعرضت لقصف وحشي من الطائرات الفرنسية، وفي خضم هذه المأساة، كان توفيق الشيشكلي يقف بصلابة، مداوياً للجرحى ومواساً للمكلومين، ومحرضاً على الصمود؛ وقد أدى هذا الدور القيادي إلى وضعه على رأس قائمة المطلوبين لسلطات الانتداب الفرنسي، التي رأت فيه “الرأس المدبر” للاضطرابات في المنطقة الوسطى. ومما زاد من حنق الفرنسيين عليه هو قدرته الفائقة على توحيد صفوف الحمويين بمختلف طبقاتهم، متجاوزاً الخلافات العائلية التقليدية لصالح القضية الوطنية الجامعة، مما جعله رمزاً للمقاومة المدنية والعسكرية في آنٍ معا.
فما هي الإستراتيجيات التي اتبعها توفيق الشيشكلي في قيادة الكتلة الوطنية بحماة؟
بعد هدوء المدافع، انتقل الصراع إلى المعترك السياسي، وهنا تجلت حنكة توفيق الشيشكلي كسياسي محنك؛ فقد كان أحد المؤسسين البارزين للكتلة الوطنية، التي قادت النضال السياسي ضد الانتداب، وترأس فرعها في حماة لسنوات طويلة (1928-1940)، متبعاً نهجاً يجمع بين المبدئية والبراغماتية السياسية.
لقد واجه الشيشكلي تحديات هائلة، ليس فقط من الفرنسيين، بل أيضاً من المنافسين السياسيين المحليين الذين كانت تدعمهم سلطات الانتداب لشق الصف الوطني؛ ولكنه اعتمد على قاعدته الشعبية العريضة من الطبقة الوسطى والفقراء الذين لمسوا صدقه وإخلاصه.
وفي سبيل تعزيز نفوذ الكتلة الوطنية، انتهج الشيشكلي عدة مسارات:
- التعبئة الشعبية: عبر الخطابات الجماهيرية والمهرجانات التي كان مفوهاً فيها، مستغلاً فصاحته وقدرته على ملامسة وجدان الناس.
- التنظيم المؤسسي: حيث عمل على مأسسة العمل الوطني من خلال إنشاء النوادي الثقافية والاجتماعية التي كانت واجهات للعمل السياسي.
- التحالفات الذكية: إذ نسج علاقات وثيقة مع زعماء الكتلة في دمشق وحلب، مثل هاشم الأتاسي وشكري القوتلي، لضمان وحدة الموقف السوري.
اقرأ أيضاً: معالم حماة التاريخية: رحلة عبر الزمن في مدينة العاصي
هل نجح توفيق الشيشكلي في تحويل العمل الطبي إلى رافعة للنضال الاجتماعي؟
إن المتتبع لسيرة توفيق الشيشكلي يلاحظ تماهياً غريباً بين دوره كطبيب ودوره كزعيم؛ فقد كانت عيادته مفتوحة للفقراء مجاناً، وكان يرى أن الفقر والمرض هما حلفاء الاستعمار، وبالتالي فإن مكافحتهما هي جزء لا يتجزأ من معركة الاستقلال. ولقد أكسبته هذه النزعة الإنسانية محبة جارفة في قلوب الحمويين، الذين لقبوه بـ “أبو الفقراء”، مما منحه حصانة شعبية عجزت الدسائس السياسية عن اختراقها.
ومن جهة ثانية، لم يكتفِ بالعمل الفردي، بل سعى لتأسيس مؤسسات صحية وتعليمية أهلية، معتبراً أن “بناء الإنسان” هو الخطوة الأولى نحو بناء الأوطان.
وعلى النقيض من بعض الزعامات التقليدية التي كانت تنظر للعمل السياسي كوجاهة، كان الشيشكلي يراه تكليفاً وخدمة؛ ففي الوقت الذي كان فيه البعض يراكم الثروات، كان هو ينفق من ماله الخاص لدعم الأنشطة الوطنية ولإعالة أسر المعتقلين والشهداء.
وهذا السلوك الزاهد جعله نموذجاً أخلاقياً يُحتذى به، وأعطى لكلامه مصداقية عالية، فكان إذا تكلم في “نادي الأسرة” أو في ساحات حماة، أنصت الجميع، مدركين أن ما ينطق به هذا الرجل نابع من قلب محبٍ لا يبتغي مصلحة شخصية.
لماذا اعتُبرت انتخابات 1931-1932 محطة مفصلية في حياة توفيق الشيشكلي السياسية؟
شكلت انتخابات عام 1931-1932 معركة “كسر عظم” بين الوطنيين وسلطات الانتداب التي سعت بكل قوتها لإيصال الموالين لها إلى البرلمان؛ وفي حماة، كانت المعركة أشرس، حيث وقف توفيق الشيشكلي على رأس القائمة الوطنية في مواجهة قائمة المعتدلين المدعومين فرنسياً. لقد استخدم الفرنسيون كل وسائل الترهيب والتزوير لمنع فوز الشيشكلي ورفاقه، ولكن الوعي الشعبي الذي زرعه الدكتور توفيق على مدار سنوات أثمر عن ملحمة صمود رائعة، حيث أضربت المدينة وخرجت المظاهرات تنديداً بالتلاعب، مما أجبر السلطات في نهاية المطاف على الاعتراف بالأمر الواقع في جولات لاحقة.
لقد كان فوز الكتلة الوطنية في تلك المرحلة، والدور الذي لعبه توفيق الشيشكلي في حماة، بمثابة استفتاء شعبي على خيار الاستقلال التام؛ فقد أثبتت تلك الأحداث أن الشيشكلي لم يعد مجرد زعيم محلي، بل أصبح رقماً صعباً في المعادلة السياسية السورية، لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن مستقبل البلاد.
وبالتالي، فإن دخوله إلى البرلمان لم يكن هدفاً بحد ذاته، بل كان وسيلة لإيصال صوت مدينته المظلومة ومطالب شعبه إلى قبة المجلس، وليكون شوكة في حلق المندوب السامي الفرنسي، مفنداً حجج الانتداب ومطالباً بالسيادة الوطنية الكاملة غير المنقوصة.
اقرأ أيضاً: نواعير حماة: شهود على عراقة الهندسة المائية والتراث الحضاري لسوريا
كيف أثرت وفاة توفيق الشيشكلي عام 1940 على المشهد السياسي في حماة؟
جاء رحيل الدكتور توفيق الشيشكلي عام 1940 (وفي روايات أخرى ظل تأثيره ممتداً لسنوات لاحقة عبر إرثه) بمثابة صدمة كبيرة للحركة الوطنية في حماة وسورية عموماً؛ فقد فقدت المدينة “عقلها الراجح” و”قلبها الكبير” في وقت كانت فيه نذر الحرب العالمية الثانية تلوح في الأفق، والبلاد أحوج ما تكون إلى حكمته وتجربته.
لقد شيعته حماة في جنازة مهيبة خرجت فيها المدينة عن بكرة أبيها، مودعةً رجلاً عاش لها ومات على مبادئها، وتحولت جنازته إلى مظاهرة وطنية صامتة تؤكد على التمسك بالقيم التي ناضل من أجلها.
بيد أن غياب الجسد لم يعنِ غياب الروح والفكرة، فقد ترك توفيق الشيشكلي خلفه مدرسة نضالية تخرج منها العديد من الشباب الذين سيقودون المشهد في مرحلة الاستقلال؛ فقد ظل منزله “بيت الأمة” مفتوحاً ومقصداً للثوار والوطنيين حتى خلال أحداث استقلال 1945، مما يؤكد أن الزرع الذي زرعه كان طيباً وأصل ثابت.
وعليه فإن الفراغ الذي تركه لم يكن سهلاً ملؤه، إذ عانت الحركة الوطنية في حماة بعده من بعض التجاذبات والانقسامات، مما يبرز الدور المحوري الذي كان يلعبه كـ “صمام أمان” وموحد للكلمة والصف، وقادر على استيعاب التناقضات بحكمته وهيبته.
ما هي العلاقة بين إرث توفيق الشيشكلي وصعود قريبه أديب الشيشكلي؟
كثيراً ما يخلط المؤرخون أو القراء بين الدكتور توفيق الشيشكلي (العم أو القريب الأكبر) وبين أديب الشيشكلي (الضابط والرئيس اللاحق)، ولكن الحقيقة أن العلاقة بينهما هي علاقة “التأثر والتأسيس”؛ فلقد نشأ أديب الشيشكلي في بيئة عائلية تتنفس السياسة والنضال بفضل وجود قامة مثل توفيق، الذي كان بمثابة المثل الأعلى للشباب في العائلة.
وإن كان توفيق قد اختار النضال المدني والسياسي، فإن أديب اختار المؤسسة العسكرية، ولكن لا يمكن إنكار أن “الرأسمال الرمزي” لاسم عائلة الشيشكلي الذي بناه توفيق بجهده وعرقه، قد مهد الطريق بشكل أو بآخر لصعود أديب، مانحاً إياه نوعاً من الشرعية الاجتماعية في بداياته.
ومع ذلك، يجب التمييز بوضوح بين النهجين؛ فنهج توفيق الشيشكلي كان ديمقراطياً برلمانياً يؤمن بقوة الكلمة والجماهير، بينما اتجه أديب لاحقاً نحو الحكم العسكري المباشر والانقلابات؛ ولكن يظل الخيط الناظم بينهما هو تلك النزعة الوطنية الحادة والرغبة في استقلال سورية وقوتها.
وبالتالي، يمكن القول إن توفيق الشيشكلي كان “المؤسس الفكري والروحي” لزعامة العائلة، بينما كان أديب هو “الذراع العسكري” الذي قفز بالسلطة إلى مستويات أخرى اختلفت الآراء حول تقييمها، لكنها بلا شك استندت إلى أرضية صلبة من السمعة الوطنية التي أرساها الطبيب الراحل.
اقرأ أيضاً: رؤساء سوريا منذ الاستقلال حتى انتصار الثورة السورية
هل ظلم التاريخ توفيق الشيشكلي لصالح صخب الانقلابات العسكرية؟
عند مراجعة الكتابات التاريخية الحديثة، نجد أن هناك شعوراً بالغبن يحيط بسيرة توفيق الشيشكلي، حيث طغت أخبار الانقلابات العسكرية وفترة حكم أديب الشيشكلي الصاخبة على سيرة هذا المناضل المدني الهادئ؛ فالكثير من الدراسات ركزت على “الجنرال” وأغفلت “الحكيم”، رغم أن تأثير الحكيم كان أعمق وأكثر استدامة في البنية الاجتماعية.
إن إعادة قراءة تاريخ المجتمع السوري من خلال سيرة توفيق الشيشكلي اليوم تعد ضرورة إنصافية، ليس للرجل فحسب، بل لمرحلة كاملة من “النضال المدني الديمقراطي” في سورية، التي تم تهميشها لاحقاً لصالح سرديات أخرى.
وبرأيكم، ألم يحن الوقت لإعادة الاعتبار لهذه الرموز التي بنت الدولة السورية الحديثة بجهدها الفكري والمدني قبل أن تسيطر الدبابة على المشهد؟ الإجابة هي نعم، فدراسة سيرة توفيق تكشف لنا عن وجه آخر لسورية؛ وجه المجتمع المدني الحيوي، والنقابات الفاعلة، والزعامات التي تستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع ومحبة الناس، لا من البيانات العسكرية رقم واحد.
جرت مراجعة هذا المقال من قبل فريق التحرير في موقعنا لضمان الدقة والمعلومة الصحيحة.




