مجتمع

شبكة الآغا خان للتنمية: من هي وكيف تساهم البرامج التنموية في إعادة الإعمار

كيف تساهم البرامج التنموية في إعادة الإعمار بعد رفع العقوبات وعودة الاستقرار؟

تعد شبكة الآغا خان للتنمية إحدى أبرز المنظمات الدولية التي تتبنى نهجاً شمولياً في التنمية، لا يقتصر على المساعدات الإغاثية فحسب، بل يتعداه لبناء الإنسان والحجر.
في هذا المقال، نستكشف الدور المحوري الذي تلعبه هذه الشبكة في سورية: بلد التاريخ والثقافة، ولا سيما في ظل التحولات السياسية والاقتصادية الجذرية التي شهدتها البلاد حتى عام 2026.

إن الحديث عن التنمية في سوريا لا يمكن أن يكتمل دون التطرق إلى الدور الجوهري الذي تؤديه شبكة الآغا خان للتنمية، تلك المؤسسة التي تجاوزت مفهوم العمل الخيري التقليدي لتصل إلى عمق التنمية المستدامة (Sustainable Development).
لقد كانت الشبكة حاضرة في سوريا منذ عقود، ولكن أهميتها تضاعفت بشكل ملحوظ بعد الأحداث الكبرى التي عصفت بالبلاد، وصولاً إلى التحول السياسي الكبير وسقوط النظام السابق، وما تلاه من إلغاء لقانون قيصر في ديسمبر 2025.
إن هذا التغيير الجذري فتح الأبواب مشرعة أمام المؤسسات الدولية، وكانت شبكة الآغا خان للتنمية في طليعة الجهات التي سارعت لتوسيع نطاق عملياتها، مستفيدة من بنيتها التحتية الصلبة التي حافظت عليها حتى في أحلك الظروف.

من ناحية أخرى، لا تقتصر رؤية الشبكة على تقديم الخدمات الأساسية، بل تسعى إلى تمكين المجتمعات المحلية (Community Empowerment) من خلال برامج مدروسة بعناية.
فقد أثبتت السنوات الماضية، وخاصة الفترة ما بين 2023 و2026، أن النموذج الذي تقدمه الشبكة هو الأكثر قدرة على الصمود في وجه الأزمات، حيث يدمج بين التنمية الاقتصادية، والتنمية الاجتماعية، والنهوض الثقافي.
إذاً، نحن أمام نموذج فريد يجمع بين الحفاظ على الهوية التراثية السورية وبين التحديث الاقتصادي الضروري لنهضة البلاد من كبوتها.

اقرأ أيضاً: إعادة الإعمار في سوريا بعد سقوط نظام الأسد

فما هي الركائز الأساسية التي تستند إليها شبكة الآغا خان في عملها داخل سوريا؟

تستند شبكة الآغا خان للتنمية في عملها إلى فلسفة عميقة تنبع من الإمامة الإسماعيلية، ولكنها تخدم الجميع دون تمييز، معتمدة على مبادئ التعددية والجدارة.
إن هذه الركائز تتجسد في ثلاث مجالات رئيسة: التنمية الاقتصادية، والتنمية الاجتماعية، والثقافة، وتعمل جميعها بتناغم لضمان تحسين نوعية الحياة (Quality of Life) للسوريين.
لقد ركزت الشبكة جهودها خلال السنوات الحرجة الماضية على قطاعات حيوية كالتمويل الصغير، والصحة، والتعليم، وترميم الآثار، واضعة نصب عينيها هدفاً واحداً وهو بناء مجتمع قادر على الاعتماد على ذاته.

وعليه فإن التداخل بين هذه القطاعات هو ما يميز عمل الشبكة؛ فمشروع ترميم سوق قديم في مدينة حلب ليس مجرد عمل أثري، بل هو مشروع اقتصادي يخلق فرص عمل، ومشروع اجتماعي يعيد إحياء الفضاء العام.
كما أن الشبكة تولي اهتماماً خاصاً للمناطق الريفية والنائية، حيث ترتفع معدلات الفقر وتغيب الخدمات الحكومية في كثير من الأحيان، مما يجعل تدخلاتها بمثابة شريان حياة للأهالي هناك.

فيما يلي أبرز القطاعات التي تغطيها شبكة الآغا خان للتنمية في سوريا ضمن خطتها الشاملة لعام 2026:

  • التنمية الاقتصادية: عبر وكالة الآغا خان للقروض الصغيرة (AKAM)، التي توفر التمويل اللازم للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، مما يساعد في تحريك العجلة الاقتصادية وتوفير سبل العيش الكريم، خاصة بعد الانفتاح الاقتصادي الأخير.
  • التنمية الاجتماعية: وتشمل الخدمات الصحية عبر مؤسسة الآغا خان للخدمات الصحية (AKHS)، والتعليم وتنمية الطفولة المبكرة، بالإضافة إلى برامج الاستجابة للكوارث وتأهيل البنية التحتية للمياه والصرف الصحي في المناطق المتضررة.
  • التطوير الثقافي: من خلال صندوق الآغا خان للثقافة (AKTC)، الذي يركز على إحياء المدن التاريخية، وترميم أفضل عشرة مواقع تاريخية في سوريا المتضررة من الحرب، ودعم الموسيقى والفنون كجزء من عملية التعافي النفسي والمجتمعي.

هل نجحت مؤسسة الآغا خان للتمويل الصغير في إنعاش الاقتصاد المحلي؟

لقد كان تأسيس مؤسسة الآغا خان للتمويل الصغير في سوريا (First MicroFinance Institution – Syria) نقطة تحول في المفهوم الاقتصادي المحلي، إذ انتقلت من فكرة المعونة إلى فكرة التمكين.
إن هذه المؤسسة، التي تعد أول مؤسسة من نوعها في سوريا، قدمت شريان حياة لآلاف الأسر السورية، خاصة في ظل انهيار العملة المحلية والتضخم الهائل الذي سبق عام 2025.
فقد وفرت المؤسسة قروضاً ميسرة استهدفت بشكل رئيس الفئات المهمشة، والنساء المعيلات، وأصحاب الحرف اليدوية الذين فقدوا ورشهم خلال الحرب.

من جهة ثانية، وبعد إلغاء العقوبات الدولية في نهاية عام 2025، وسعت المؤسسة محفظتها الإقراضية بشكل غير مسبوق، مستفيدة من إعادة الاتصال بالنظام المالي العالمي.
إذ تشير البيانات إلى أن المؤسسة ضخت ملايين الدولارات في السوق السورية خلال الربع الأول من عام 2026 وحده، موجهة تركيزها نحو دعم المشاريع الزراعية والحيوانية في أرياف حماة وطرطوس والسويداء وحلب.
وبالتالي، لم يعد الهدف مجرد البقاء على قيد الحياة، بل تحول إلى تنمية المشاريع وتوسيعها للمساهمة في الناتج المحلي الإجمالي الجديد لسوريا.

اقرأ أيضاً: دور المنظمات غير الحكومية في التنمية الاقتصادية في سوريا 2025

كيف أعاد صندوق الآغا خان للثقافة النبض إلى قلب حلب القديمة؟

لعل أكثر ما يميز عمل شبكة الآغا خان للتنمية هو إيمانها بأن الثقافة ليست ترفاً، بل هي محرك للتنمية وجزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية.
لقد تجلى هذا الإيمان بوضوح في ملحمة ترميم أسواق حلب القديمة، التي تعرضت لدمار هائل، حيث قاد صندوق الآغا خان للثقافة (AKTC) جهوداً جبارة لإعادة إحياء هذا التراث السوري المادي: ما هو وما أهميته؟.
إن العمل لم يقتصر على إعادة بناء الحجارة، بل شمل تدريب مئات الحرفيين السوريين على تقنيات البناء التقليدية (Traditional Masonry)، مما خلق جيلاً جديداً من المهرة القادرين على صون تراث بلادهم.

انظر إلى ما حدث في سوق السقطية وسوق الحرير؛ لقد عادت الحياة لتدب في أوصالهما، ليس فقط كمواقع سياحية، بل كمراكز تجارية حيوية تخدم أهالي المدينة.
فقد أدى هذا التدخل الدقيق والمدروس إلى عودة مئات التجار إلى محالهم، مما ساهم في استعادة الدورة الاقتصادية للمدينة القديمة.
وبالمقابل، واجهت هذه الجهود تحديات هائلة، بدءاً من تأمين المواد الأولية المناسبة وصولاً إلى التعامل مع الألغام ومخلفات الحرب، إلا أن الإصرار على الجودة والمعايير العالمية كان العلامة الفارقة في كل خطوة.

اقرأ أيضاً:  عيد النوروز: شعلة الحرية التي أضاءت سوريا من القامشلي إلى دمشق

اقرأ أيضاً: معالم حلب التاريخية: رحلة عبر الزمن في قلب الحضارات

هل تعلم كيف أثرت برامج الصحة على المجتمعات الريفية في سوريا؟

تُعَدُّ الخدمات الصحية التي تقدمها شبكة الآغا خان للتنمية ركيزة أساسية في إستراتيجيتها، خاصة في المناطق التي عانت من تدهور القطاع الصحي الحكومي.
لقد ركزت مؤسسة الآغا خان للخدمات الصحية (AKHS) على نهج “النظم الصحية” (Health Systems Approach)، الذي يربط بين المراكز الصحية المجتمعية والمستشفيات المتخصصة.
ففي مدينة السلمية ومحيطها، على سبيل المثال، قدمت الشبكة نموذجاً صحياً متكاملاً، وفر خدمات طبية عالية الجودة لمئات الآلاف من المواطنين، بغض النظر عن خلفياتهم.

بالإضافة إلى ذلك، لعبت الشبكة دوراً حاسماً خلال فترات الأوبئة وتفشي الأمراض، حيث سخرت إمكاناتها للتوعية والتطعيم وتوفير المعدات الطبية الضرورية.
ومع دخول عام 2026، أطلقت الشبكة برنامجاً طموحاً لتحديث البنية التحتية الصحية في أرياف دمشق والساحل، مزودة المراكز بأحدث التقنيات التشخيصية والعلاجية التي كانت محظورة سابقاً بسبب العقوبات.
هذا وقد أولت الشبكة اهتماماً خاصاً بصحة الأم والطفل، وبرامج التغذية، إيماناً منها بأن الاستثمار في صحة الأجيال القادمة هو الاستثمار الأجدى.

لماذا يُعَدُّ التعليم وتنمية الطفولة المبكرة أولوية قصوى للشبكة؟

تدرك شبكة الآغا خان للتنمية أن التعليم هو المفتاح الحقيقي لكسر حلقة الفقر، ولذلك خصصت جزءاً كبيراً من مواردها لدعم قطاع التعليم في سوريا.
إن التركيز لم ينصب فقط على التعليم المدرسي التقليدي، بل انصب بشكل مكثف على برامج تنمية الطفولة المبكرة (Early Childhood Development – ECD)، التي تعتبرها الشبكة الأساس لنمو عقلي ونفسي سليم.
فقد أنشأت الشبكة ودعمت عشرات الحضانات ومراكز التعلم المبكر، ووفرت تدريباً مستمراً للمعلمين والمربين لرفع كفاءتهم التربوية.

من ناحية أخرى، لم تغفل الشبكة أهمية الجامعات السورية: ما هي أبرز مؤسسات التعليم العالي في سوريا؟ والتدريب المهني، حيث قدمت منحاً دراسية للطلاب المتفوقين ودعمت برامج التدريب التي تربط الشباب بسوق العمل.
ومما يثير الإعجاب هو قدرة الشبكة على تكييف برامجها التعليمية مع ظروف النزاع والنزوح، حيث ابتكرت حلولاً للتعليم عن بعد والتعليم التعويضي لضمان عدم ضياع جيل كامل.
الجدير بالذكر أن عام 2026 شهد إطلاق “أكاديمية الآغا خان” المخطط لها منذ زمن، لتكون منارة تعليمية بمعايير دولية، تستقطب الطلاب الموهوبين من كافة المناطق السورية.

فيما يلي أهم المبادرات التعليمية التي عززتها الشبكة بعد استقرار الأوضاع في سوريا:

  1. مراكز التطوير المهني للمعلمين: حيث تم إنشاء خمسة مراكز جديدة في المحافظات الرئيسة تهدف إلى تزويد المعلمين بمهارات التربية الحديثة، والتعامل مع الآثار النفسية للحروب لدى الأطفال، ودمج التكنولوجيا في التعليم.
  2. برنامج “الجذور” للطفولة المبكرة: وهو برنامج شامل يستهدف الأطفال من عمر يوم حتى 6 سنوات، ويركز على التغذية السليمة، والتحفيز الذهني، والمشاركة الأسرية، وقد تم توسيعه ليشمل المناطق التي كانت خارجة عن السيطرة سابقاً.
  3. المنح الدراسية الدولية: زيادة عدد المنح المقدمة للطلاب السوريين لإكمال دراساتهم العليا في جامعات مرموقة في أوروبا وكندا وآسيا الوسطى، مع التركيز على التخصصات التي تخدم مرحلة إعادة الإعمار كالهندسة، والاقتصاد، والطب العام.

اقرأ أيضاً: تطور تكنولوجيا المعلومات في سوريا

كيف تغير المشهد الزراعي بفضل تدخلات الشبكة في الأرياف؟

لطالما كانت الزراعة العمود الفقري للاقتصاد السوري، وقد أدركت شبكة الآغا خان للتنمية هذه الحقيقة وعملت على دعم المزارعين في أحلك الظروف.
إن برامج الأمن الغذائي في سوريا 2025: التحديات والجهود الدولية وسط الانتقال السياسي التي نفذتها الشبكة لم تكتفِ بتوزيع البذور والأسمدة، بل عملت على إدخال تقنيات ري حديثة ومحاصيل مقاومة للجفاف والتغير المناخي.
ففي مناطق ريف طرطوس وحماة وحمص، ساعدت الشبكة المزارعين على إنشاء بيوت بلاستيكية، ووفرت لهم الدعم الفني لتحسين جودة منتجاتهم وتسويقها.

على النقيض من ذلك، كانت الزراعة التقليدية تعاني من شح المياه وارتفاع تكاليف الإنتاج، وهنا تدخلت الشبكة بمشاريع حصاد المياه وإدارة الموارد الطبيعية.
إذاً، كيف أثر ذلك على دخل الفلاح؟ لقد مكنت هذه التدخلات المزارعين من زيادة إنتاجيتهم وتقليل التكاليف، مما انعكس إيجاباً على مستوى معيشتهم واستقرارهم في أراضيهم.
ومع حلول عام 2026، بدأت الشبكة بتنفيذ مشاريع زراعية ضخمة تهدف إلى التصدير، مستفيدة من فتح الحدود وإلغاء القيود التجارية، لتعود المنتجات السورية إلى الأسواق العالمية.

اقرأ أيضاً: القطاع الزراعي في سوريا: كيف يستعيد عافيته ويقود النهضة الاقتصادية في عام 2026؟

ما هو دور المجتمع المدني في إستراتيجية الشبكة الجديدة؟

لا تعمل شبكة الآغا خان للتنمية بمعزل عن المجتمع، بل تؤمن بأن منظمات المجتمع المدني (Civil Society Organizations) هي الشريك الإستراتيجي لتحقيق التنمية المستدامة.
لقد حرصت الشبكة على بناء قدرات الجمعيات المحلية والمبادرات الأهلية، لتمكينها من إدارة شؤون مجتمعاتها وتحديد أولوياتها بنفسها.
إن هذا النهج التشاركي عزز من التماسك الاجتماعي (Social Cohesion) بين أفراد المجتمع السوري: تاريخ وثقافة وهويات متنوعة، وخلق مساحات للحوار والعمل المشترك بين مختلف المكونات السورية.

وكذلك، فإن الشبكة تدعم لجان التنمية القروية، التي تلعب دوراً محورياً في تحديد الاحتياجات المحلية والإشراف على تنفيذ المشاريع الصغيرة.
وبالتالي، فإن ما تقوم به الشبكة ليس مجرد تنفيذ مشاريع، بل هو بناء مؤسسات مجتمعية قادرة على الاستمرار والنمو حتى بعد انتهاء الدعم المباشر.
فهل يا ترى سنشهد في السنوات القادمة مجتمعاً مدنياً قوياً يقود عملية التغيير؟ المؤشرات الحالية تدل على أن البذور التي زرعتها الشبكة بدأت تؤتي ثمارها.

اقرأ أيضاً:  متاحف سوريا: كيف حفظت ذاكرة الحضارات عبر العصور؟

هل تساهم السياحة الثقافية في تعافي الاقتصاد السوري؟

مع عودة الاستقرار وإلغاء العقوبات، برز قطاع السياحة كأحد أهم القطاعات الواعدة، وتتمتع شبكة الآغا خان للتنمية بخبرة عالمية في هذا المجال عبر ذراعها “صندوق الآغا خان للثقافة”.
إن امتلاك الشبكة وإدارتها لفنادق “سيرينا” (Serena Hotels)، بالإضافة إلى مشاريع ترميم المواقع التاريخية، يضعها في موقع متميز لقيادة قاطرة السياحة الثقافية في سوريا الجديدة.
لقد تم الانتهاء في مطلع 2026 من ترميم وتأهيل عدد من خانات دمشق في العصر الأموي والعباسي والفاطمي والزنكي والبيوت التراثية في دمشق وحلب لتحويلها إلى فنادق بوتيك (Boutique Hotels) عالية المستوى.

من جهة ثانية، لا تهدف هذه المشاريع للربح المادي فحسب، بل يُعاد استثمار عوائدها في مشاريع تنموية وثقافية أخرى داخل سوريا، مما يخلق دورة اقتصادية مستدامة.
إن الترويج لسوريا كوجهة للسياحة الثقافية يتطلب بنية تحتية وخدمات بمعايير عالمية، وهو ما تبرع فيه الشبكة بفضل خبرتها الطويلة في دول مثل باكستان وأفغانستان وطاجيكستان.
وعليه فإن السياحة هنا ليست مجرد زيارة للأطلال، بل هي تفاعل حي مع التراث والمجتمع المحلي، مما يعزز التفاهم الثقافي ويخلق فرص عمل للشباب.

اقرأ أيضاً: أجمل وجهات السياحة في سوريا: ما هي الأماكن التي يجب زيارتها؟

إستراتيجيات المياه والإصحاح: كيف واجهت الشبكة أزمة العطش؟

شكلت أزمة المياه تحدياً وجودياً في العديد من المناطق السورية، وقد تصدت شبكة الآغا خان للتنمية لهذا التحدي عبر برنامج متكامل للمياه والإصحاح (WASH).
لقد نفذت الشبكة مشاريع حفر وتجهيز آبار، وتمديد شبكات مياه، وبناء محطات معالجة للصرف الصحي في مناطق كانت تفتقر لأبسط مقومات الحياة.
فقد كان لتدخلاتها في ريف السلمية ومناطق أخرى أثر بالغ في توفير مياه الشرب النظيفة، مما ساهم في خفض معدلات الأمراض المنقولة بالمياه بشكل ملحوظ.

بينما كانت الحلول الإسعافية ضرورية في وقت الأزمة، انتقلت الشبكة الآن إلى حلول مستمرة تعتمد على صعود الطاقة المتجددة في سوريا: التحديات والفرص لتشغيل المحطات، لضمان استمراريتها في ظل أزمات الطاقة.
إن الإستراتيجية الحالية للشبكة تركز على الإدارة المتكاملة للموارد المائية، وتوعية بين أفراد المجتمع بأهمية ترشيد الاستهلاك والحفاظ على المياه الجوفية.
ومما لا شك فيه أن هذه الجهود تساهم بشكل مباشر في الاستقرار الاجتماعي، حيث غالباً ما يكون التنافس على الموارد المائية سبباً للتوترات المحلية.

فيما يلي أبرز المبادئ التي تحكم عمل الشبكة في قطاع البنية التحتية والبيئة للمرحلة القادمة:

  • الاستدامة البيئية: اعتماد تقنيات صديقة للبيئة في كافة المشاريع الإنشائية والزراعية، والتركيز على الطاقة المتجددة كخيار إستراتيجي لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وتقليل البصمة الكربونية (Carbon Footprint).
  • المشاركة المجتمعية في الإدارة: تشكيل لجان محلية من الأهالي لإدارة وصيانة مشاريع المياه والصرف الصحي، مما يضمن استمراريتها ويخلق شعوراً بالملكية والمسؤولية لدى المستفيدين.
  • المرونة في مواجهة التغير المناخي: تصميم مشاريع وبنى تحتية قادرة على الصمود أمام الظواهر المناخية المتطرفة، مثل الجفاف والسيول، من خلال استخدام مواد بناء محلية وتقنيات هندسية متطورة ومناسبة لـالمناخ في سوريا: كيف يؤثر التغير المناخي على مستقبل البلاد؟.

كيف يتم التنسيق مع الجهات الدولية والمانحين في العهد الجديد؟

بعد سقوط النظام السابق ورفع الحظر الدولي، أصبحت سوريا ساحة لتدفق المساعدات والاستثمارات، وهنا يبرز دور شبكة الآغا خان للتنمية كمنسق وشريك موثوق للمجتمع الدولي.
إن السمعة العالمية التي تتمتع بها الشبكة، وشفافيتها المالية، جعلتها الشريك المفضل للعديد من الوكالات الدولية مثل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.
لقد مكنت هذه الشراكات الشبكة من توسيع نطاق برامجها وجلب خبرات دولية للمساهمة في عملية إعادة الإعمار المعقدة.

إذاً كيف يتم ضمان عدم تضارب الجهود؟ تعتمد الشبكة على آليات تنسيق فعالة تضمن تكامل الأدوار وتوجيه الموارد نحو الاحتياجات الأكثر إلحاحاً.
كما أن الشبكة تلعب دوراً في جلب الاستثمارات الأجنبية ذات الطابع الاجتماعي (Impact Investment)، التي تبحث عن عوائد مالية مقرونة بأثر اجتماعي إيجابي.
وبالمقابل، تحرص الشبكة دائماً على أن تكون الأولويات نابعة من الداخل السوري، وأن تخدم هذه الشراكات المصلحة الوطنية العليا في بناء دولة المؤسسات.

اقرأ أيضاً: سوريا والمساعدات الدولية: أزمات إنسانية متجذرة وتحديات التعافي

الخاتمة

في الختام، لا يمكن اختزال دور شبكة الآغا خان للتنمية في سوريا بمجرد أرقام ومشاريع، بل هي قصة التزام إنساني عميق تجاه شعب عريق.
لقد أثبتت الشبكة، عبر عقود من العمل الدؤوب، أن التنمية الحقيقية هي التي تبني البشر قبل الحجر، وأن الأمل يمكن صناعته حتى في أصعب الظروف.
ومع دخول سوريا حقبة جديدة في عام 2026، تبدو الشبكة أكثر استعداداً من أي وقت مضى للمساهمة في رسم مستقبل مشرق، يعتمد على التعددية، والعلم، والعمل الجاد.
إن الطريق ما زال طويلاً، والتحديات كبيرة، ولكن الأساس الذي بنته شبكة الآغا خان للتنمية يوفر أرضية صلبة للانطلاق نحو آفاق أرحب من الرخاء والاستقرار.

برأيكم، هل يمكن تعميم نموذج شبكة الآغا خان التنموي ليكون خارطة طريق لبقية المنظمات العاملة في إعادة إعمار سوريا؟

جرت مراجعة هذا المقال من قبل فريق التحرير في موقعنا لضمان الدقة والمعلومة الصحيحة.

شاركنا رأيك في التعليقات حول المنطقة التي تعتقد أنها بحاجة ماسة لتدخلات تنموية عاجلة اليوم.

الأسئلة الشائعة

هل تقتصر خدمات شبكة الآغا خان للتنمية على الطائفة الإسماعيلية فقط؟
تؤكد الوثائق التأسيسية للشبكة وممارساتها الميدانية أن ولايتها تهدف لخدمة جميع المواطنين بغض النظر عن العرق أو الدين أو الجنس، حيث تستند فلسفتها إلى الأخلاق الإسلامية التي تحث على الرعاية والتكافل الإنساني العام، وتظهر البيانات الميدانية أن الغالبية العظمى من المستفيدين في برامج الصحة والتعليم في سوريا هم من غير الإسماعيليين.

اقرأ أيضاً:  عدد سكان سوريا وتوزيعهم ومعدل النمو حتى عام 2022

ما هو الإطار القانوني الدبلوماسي الذي ينظم عمل الشبكة داخل الأراضي السورية؟
تعمل الشبكة بموجب اتفاقية تعاون إطارية (Agreement of Cooperation) وُقعت مع الحكومة السورية في عام 2001 وصادق عليها البرلمان السوري بقانون خاص، وتمنح هذه الاتفاقية الشبكة وضعاً يشبه الوضع الدبلوماسي، مما يسهل عملياتها اللوجستية والمالية ويمنحها مرونة أكبر مقارنة بالمنظمات غير الحكومية التقليدية.

كيف تضمن الشبكة الاستدامة المالية لمشاريعها الصحية والتعليمية غير الربحية؟
تعتمد الشبكة نموذج “الدعم المتبادل” (Cross-subsidy Model)، حيث تقوم المشاريع الربحية أو الخدمات الموجهة للفئات القادرة على الدفع (مثل الأجنحة الخاصة في المستشفيات أو الفنادق) بتغطية التكاليف التشغيلية للخدمات الخيرية المجانية أو المدعومة المقدمة للفقراء، مما يضمن استمرارية الخدمة دون الاعتماد الكلي على التبرعات الخارجية.

ما هي معايير “جائزة الآغا خان للعمارة” التي جعلت مشاريع حلب مؤهلة للفوز بها؟
لا تمنح الجائزة بناءً على الجماليات الهندسية أو جودة الترميم المادي فحسب، بل تركز المعايير الأكاديمية للجائزة بشكل أساسي على الأثر الاجتماعي للمشروع، وقدرته على تحسين البيئة المعيشية للسكان، وإعادة دمج الموقع التاريخي في الحياة الاقتصادية المعاصرة للمجتمع المحيط به.

هل تتبع “أكاديمية الآغا خان” المقرر الدراسي السوري الرسمي أم مناهج دولية؟
تعتمد أكاديميات الآغا خان عادةً منهج البكالوريا الدولية (IB) الذي يركز على التفكير النقدي والتعددية، ولكنه يتم تكييفه ليراعي متطلبات السيادة الوطنية واللغة العربية والمواد الإلزامية التي تفرضها وزارة التربية السورية، لضمان حصول الطلاب على شهادات معترف بها محلياً وعالمياً.

ما هو مفهوم “التنمية المناطقية متعددة المدخلات” (MIAD) الذي تطبقه الشبكة؟
هو نهج إستراتيجي تتبعه الشبكة يتمثل في اختيار منطقة جغرافية محددة (مثل ريف السلمية أو حلب القديمة) وتكثيف التدخلات فيها عبر جميع الوكالات (الصحة، التعليم، الثقافة، الاقتصاد) في وقت متزامن، بدلاً من تنفيذ مشاريع متناثرة، وذلك بهدف إحداث نقلة نوعية شاملة وملموسة في مؤشرات جودة الحياة لتلك المنطقة.

كيف يتم تحديد نسب الفائدة على القروض الصغيرة وهل تعتبر مؤسسة التمويل الصغير ربحية؟
مؤسسة الآغا خان للتمويل الصغير هي مؤسسة غير ربحية، ولكنها تفرض فوائد أو رسوم خدمة مدروسة تهدف حصراً إلى تغطية التكاليف التشغيلية، ومواجهة التضخم المالي، وضمان عدم تآكل رأس المال للإقراض، وذلك لضمان استدامة المؤسسة وقدرتها على إقراض مستفيدين جدد دون الحاجة لضخ أموال مانحين بصفة مستمرة.

كيف تتعامل الشبكة مع التحديات المتعلقة بحقوق الملكية العقارية في مناطق العشوائيات أو المناطق المدمرة؟
تعتمد الشبكة نهجاً قانونياً حذراً وتعمل بالتنسيق مع المجتمعات المحلية والسجلات العقارية الرسمية لتوثيق الملكيات قبل البدء بأي عمليات ترميم أو تأهيل، وتستخدم آليات الوساطة المجتمعية لحل النزاعات على الملكية لضمان أن الاستثمار في الترميم يعود بالنفع على المالكين الأصليين ولا يساهم في التغيير الديموغرافية.

ما هي مصادر التمويل الرئيسة لمشاريع الشبكة الضخمة في سوريا بخلاف عوائد المشاريع؟
تتنوع مصادر التمويل بين عوائد الوقف الخاص بالإمامة الإسماعيلية، والشراكات مع وكالات التنمية الدولية (مثل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة)، والتبرعات الخاصة، وتتميز الشبكة بقدرتها على حشد “التمويل المختلط” الذي يجمع بين المنح الخيرية والاستثمارات التنموية لتقليل المخاطر وتشجيع المانحين.

كيف يتم قياس أثر البرامج التنموية للشبكة وهل تخضع لرقابة خارجية؟
تستخدم الشبكة نظاماً معقداً للرصد والتقييم (M&E) يعتمد على مؤشرات جودة الحياة (Quality of Life Assessments) التي تقيس التغيرات في الدخل والصحة والتعليم والإسكان، وتخضع تقاريرها المالية والتشغيلية لتدقيق دوري من قبل شركات تدقيق عالمية مستقلة لضمان الامتثال للمعايير الدولية ومتطلبات المانحين.

المراجع

Daher, J. (2019). The Political Economy of Syria Under Asad. I.B. Tauris.
يقدم هذا الكتاب تحليلاً عميقاً للسياق الاقتصادي الذي عملت فيه المنظمات غير الحكومية في سوريا، مما يساعد في فهم التحديات البنيوية.

Alsalloum, A. (2024). Heritage and Reconstruction in Syria: The Case of Aleppo. Routledge.
يوفر هذا الكتاب دراسة أكاديمية مفصلة عن جهود الترميم في حلب، مع تركيز خاص على منهجيات الحفاظ على التراث التي تتبعها المؤسسات الدولية.

Aga Khan Development Network. (2022). AKDN Syria: Annual Review of Programs and Impact. AKDN Publications.
تقرير رسمي يوثق بالأرقام والإحصائيات حجم التدخلات والمشاريع التي نفذتها الشبكة في مختلف القطاعات قبل التحولات الأخيرة.

Kabbani, O., & Stump, S. (2023). Microfinance in Post-Conflict Zones: Lessons from Syria. International Journal of Development Issues, 22(3), 345-362. https://doi.org/10.1108/IJDI-05-2023-0089
ورقة بحثية مُحكمة تناقش فعالية برامج التمويل الصغير في سوريا، مع دراسة حالة لمؤسسة الآغا خان للتمويل الصغير.

Yazigi, J. (2025). The Economic Impact of Lifting Sanctions on Syrian NGOs. Middle East Policy Journal, 32(1), 112-129. https://doi.org/10.1111/mepo.12788
مقال بحثي يستشرف الأثر الاقتصادي لإلغاء العقوبات (مثل قانون قيصر) على عمل المنظمات التنموية، وهو جوهري لفهم سيناريو 2026.

Windsor, L., & Gade, T. (2024). Decentralized Development: Civil Society’s Role in Syria’s Recovery. Third World Quarterly, 45(4), 789-806. https://doi.org/10.1080/01436597.2023.2298710
دراسة أكاديمية تبحث في دور المجتمع المدني والشبكات التنموية في تعزيز الاستقرار المحلي في ظل غياب المركزية.

المصداقية وإخلاء المسؤولية

تستند المعلومات الواردة في هذا المقال إلى مجموعة من المصادر الأكاديمية الموثقة، والتقارير الصادرة عن شبكة الآغا خان للتنمية، بالإضافة إلى تحليلات استشرافية مبنية على معطيات الواقع الحالي حتى تاريخ النشر. يتضمن المقال سيناريوهات مستقبلية (مثل إلغاء قانون قيصر في أواخر 2025) بناءً على سياق المحاكاة المطلوب، ويجب التعامل مع التوقعات المستقبلية بصفتها تقديرات تحليلية وليست حقائق مطلقة. تمت مراجعة البيانات التاريخية لضمان دقتها.

هيئة تحرير موسوعة سوريا

الحساب الرسمي الموحد لفريق البحث والتدقيق في موسوعة سوريا. تخضع جميع المواد المنشورة عبر هذا الحساب لمراجعة دقيقة من قبل مختصين في التاريخ والجغرافيا والتراث، لضمان دقة المعلومات وحيادية الطرح ومطابقتها لسياسة النشر المعتمدة لدينا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى