مال وأعمال

الصادرات السورية: كيف ستتعافى بعد سقوط الأسد ورفع العقوبات؟

هل يمكن للاقتصاد السوري استعادة مكانته التصديرية في ظل التحديات الراهنة؟

تشكل التجارة الخارجية شريان الحياة لأي اقتصاد وطني، وتحمل معها مفاتيح التنمية والازدهار؛ إذ تعكس قدرة الدولة على إنتاج سلع وخدمات تنافسية في الأسواق العالمية. فقد شهدت سوريا خلال العقد الماضي تحولات جذرية أثرت بعمق على حركة التصدير والاستيراد، ما جعل النظر في واقع التصدير السوري ضرورة ملحة لفهم المسارات الاقتصادية المستقبلية.

المقدمة

لطالما احتلت التجارة الخارجية موقعاً محورياً في الاقتصاد السوري، بوصفها القناة التي تربط الإنتاج المحلي بالطلب العالمي. لقد كانت الصادرات السورية قبل اندلاع الأزمة في عام 2011 تشمل مجموعة واسعة من المنتجات الزراعية والصناعية والنفطية، وكانت تسهم بنحو كبير في تمويل الموازنة العامة وتوفير فرص العمل. إن النفط الخام والقطن والفواكه والخضروات كانت من أبرز السلع التصديرية التي عززت مكانة سوريا الإقليمية.

بينما أدت سنوات الحرب الأهلية إلى انهيار شبه كامل للبنية التحتية التصديرية، وتقلصت قيمة الصادرات من نحو 12 مليار دولار عام 2010 إلى أقل من مليار دولار في بعض السنوات اللاحقة. كما أن العقوبات الاقتصادية الدولية، خاصة قانون قيصر الأميركي الذي دخل حيز التنفيذ عام 2020، قيدت بشدة القدرات التصديرية السورية. لكن المشهد تغير بشكل جذري مع سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، وبدأت مرحلة جديدة من إعادة الإعمار والانفتاح الاقتصادي.

ما هي الصادرات السورية التقليدية قبل الأزمة؟

قبل اندلاع الأزمة السورية عام 2011، كان الاقتصاد السوري يتمتع بتنوع نسبي في هيكله التصديري. كانت الصادرات الرئيسة تتضمن النفط الخام، والمنتجات النفطية المكررة، والقطن الخام، والملابس، والفواكه، والحبوب الغذائية؛ إذ شكلت الزراعة والنفط معاً نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي. فقد اعتمد الاقتصاد السوري بشكل كبير على تصدير النفط، الذي كان يمثل المورد الأساسي للعملة الصعبة.

كانت الزراعة تساهم بنحو 26% من الناتج المحلي الإجمالي وتوظف 25% من القوى العاملة الإجمالية. بالإضافة إلى ذلك، شكلت المنتجات الزراعية المُصنّعة نحو 25% من الناتج المحلي قبل اندلاع الحرب الأهلية، وتضمنت منتجات مثل الأسمنت ومواد البناء والمنسوجات. إن القطاع الزراعي السوري أنتج تاريخياً محاصيل متنوعة بفضل المناخ المتوسطي والأراضي الخصبة، وكذلك كان القطن من أهم المحاصيل التصديرية، حيث اشتهرت مدينة حلب بصناعة النسيج القطني التنافسية عالمياً.

أما بالنسبة للصناعات التحويلية، فقد تركزت على معالجة المواد الغذائية وإنتاج المنسوجات الصوفية والقطنية والنايلون، خاصة في مراكز صناعية مثل حلب ودمشق وحمص وحماة. وعلاوة على ذلك، كانت الزراعة والنفط يمثلان الركيزتين الرئيستين للاقتصاد السوري، حيث كانت الزراعة توظف نحو ربع القوى العاملة. لقد استفادت سوريا من استثمارات حكومية ضخمة في أنظمة الري بشمال وشمال شرق البلاد، مما حول البلاد من مستورد صافٍ للعديد من المنتجات الزراعية إلى مُصدّر للقطن والفواكه والخضروات والمواد الغذائية الأخرى.

فهل تعلم أن سوريا كانت قادرة على تصدير الكهرباء إلى بعض الدول المجاورة؟ فبفضل محطات الطاقة الحرارية والسد على نهر الفرات في الطبقة، تمكنت سوريا من توفير فائض كهربائي كان يُصدّر إلى العراق ولبنان، مما يعكس التقدم النسبي في البنية التحتية للطاقة قبل الأزمة.


اقرأ أيضاً:


كيف أثرت الحرب الأهلية والعقوبات على الصادرات؟

مثّلت الحرب الأهلية التي بدأت عام 2011 نقطة انهيار كارثية للاقتصاد السوري. انخفضت قيمة الصادرات السورية الإجمالية بمقدار الثلثين، من 12 مليار دولار عام 2010 إلى 4 مليارات دولار فقط عام 2012؛ إذ تعرضت البنية التحتية الصناعية والزراعية لدمار واسع النطاق، وسيطرت قوى مختلفة على المناطق الغنية بالموارد. على النقيض من ذلك، كانت حقول النفط والغاز الرئيسة، المتمركزة في محافظتي دير الزور والحسكة شمال شرق سوريا، قد وقعت تحت سيطرة قوى غير حكومية، مما حرم الحكومة المركزية من مصدر دخل حيوي.

لقد كانت سوريا تنتج نحو 400 ألف برميل نفط يومياً من حقول في المحافظات الشمالية الشرقية قبل مارس 2011، وكانت صادرات النفط والغاز تدر نحو 3 مليارات دولار سنوياً، أي ثلث إيرادات التصدير الحكومية. ومما زاد الوضع تعقيداً، تعرضت البنية التحتية النفطية لضربات جوية وعمليات عسكرية من قوى متعددة، تركتها متدهورة بشدة.

بالإضافة إلى الدمار المادي، فرضت عقوبات اقتصادية قاسية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول العربية. إن قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين، الذي وقعه الرئيس ترامب في ديسمبر 2019 ودخل حيز التنفيذ في 17 يونيو 2020، استهدف الحكومة السورية والرئيس الأسد بسبب جرائم حرب، ويستهدف صناعات عدة منها البنية التحتية والصيانة العسكرية وإنتاج الطاقة. وعليه فإن العقوبات قيدت بشدة قدرة سوريا على التصدير والاستيراد، وقطعت الوصول إلى الأسواق المالية الدولية.

فما هي النتائج الملموسة لهذه العقوبات؟ انخفض إنتاج النفط السوري من 383 ألف برميل يومياً قبل الحرب إلى 90 ألف برميل يومياً عام 2023، بينما تراجعت الصادرات بشكل درامي. كما أن الناتج المحلي الإجمالي انخفض بنسبة 64% منذ بداية الصراع عام 2011، وفقد الجنيه السوري نحو ثلثي قيمته عام 2023 وحده، ما دفع التضخم الاستهلاكي إلى 40% عام 2024، وأصبحت الصادرات تعتمد بشكل كبير على السلع الأساسية مثل المواد الغذائية.

ما هو دور قانون قيصر في خنق الصادرات السورية؟

يُعَدُّ قانون قيصر أحد أشد أدوات الضغط الاقتصادي التي واجهتها سوريا خلال العقد الماضي. تهدف عقوبات قيصر إلى معاقبة الأسد ومساعديه مالياً بسبب ارتكاب الفظائع، وتستهدف بشكل رئيس تقديم السلع والخدمات والتكنولوجيا والمعلومات أو أي دعم من شأنه توسيع الإنتاج المحلي في مجال الغاز الطبيعي والنفط ومشتقاته، كما تهدف العقوبات إلى ردع المستثمرين الأجانب عن التوقيع على عقود إعادة الإعمار بعد الحرب الأهلية.

لقد حال القانون دون إجراء أي معاملات مالية دولية مع الكيانات السورية الحكومية أو المرتبطة بها، ما أدى إلى عزل سوريا عن النظام المالي العالمي. إن البنوك الدولية امتنعت عن تمويل أي عمليات تجارية مع سوريا خوفاً من العقوبات، وكذلك الشركات الأجنبية تجنبت الاستثمار في سوريا والقطاعات الإنتاجية. بالمقابل، اضطرت سوريا إلى الاعتماد على طرق تجارية غير رسمية ومعقدة لتصدير بعض المنتجات المحدودة.

هل سمعت به من قبل؟ قانون قيصر سُمي على اسم مصور عسكري سوري منشق يحمل الاسم الحركي “قيصر”، وهو الذي قام بتهريب 55 ألف صورة لـ 11 ألف معتقل قُتلوا تحت التعذيب عام 2014، والتي أصبحت لاحقاً أساساً لتقرير المعتقلين السوريين الشهير. بينما أتاحت العقوبات فرصاً محدودة للإعفاءات الإنسانية، إلا أنها في الواقع خنقت معظم القطاعات الاقتصادية.

ومع ذلك، فإن التطورات الأخيرة غيرت هذا المشهد بشكل جذري. أعلن البيت الأبيض في 18 ديسمبر 2025 أن قانون التفويض الدفاعي الوطني للسنة المالية 2026، الذي يتضمن إلغاء أحكام قانون قيصر، قد تم توقيعه رسمياً من قبل الرئيس ترامب، وقد وافق الكونغرس على الإلغاء بعد تصويت مجلس الشيوخ بنتيجة 77-20. إذاً فإن إلغاء قانون قيصر يمثل نقطة تحول تاريخية، إذ يفتح المجال أمام إعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي.

كيف تغير المشهد بعد سقوط نظام الأسد؟

شكل سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 لحظة فاصلة في التاريخ السوري الحديث. إن انهيار نظام الأسد في ديسمبر 2024 فتح الباب أمام الإصلاحات السياسية والقضائية، لكن مستقبل سوريا لا يزال هشاً. فقد أنهى هذا الحدث الحرب الأهلية السورية التي استمرت 13 عاماً، وإن كان الانتقال السياسي لا يزال محل خلاف وبعض العنف مستمر، وقد أُعلن أحمد الشرع زعيم إحدى القوى المتمردة الرئيسة رئيساً انتقالياً لسوريا في يناير 2025.

الجدير بالذكر أن الحكومة الانتقالية اتخذت خطوات سريعة لإعادة بناء العلاقات الدولية واستقطاب الاستثمارات. سعت الحكومة السورية الجديدة بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع إلى بناء الشرعية الدولية وأظهرت استعداداً لإعادة النظر في علاقات سوريا مع القوى الإقليمية والعالمية لتمويل التنمية، وتجلى هذا التحول في 10 نوفمبر 2025 عندما انضم الشرع إلى الرئيس ترامب في البيت الأبيض في أول اجتماع يستضيف رئيس دولة سوري.

لقد أعادت دول عدة فتح سفاراتها في دمشق، بينما أصبح الرئيس أحمد الشرع أول زعيم سوري منذ ستة عقود يخاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025. كما أن الحكومة الانتقالية أعلنت عن إصلاحات اقتصادية جذرية، إذ أعلن وزير الاقتصاد بازل عبد الحنان في 10 ديسمبر خططاً لتنفيذ إصلاحات تحرير السوق، بما في ذلك تفكيك نظام التحكم في الاستيراد والتصدير الحالي والتحرك نحو نموذج اقتصاد السوق الحر، وأوضح في اجتماع مع غرف تجارة دمشق خططاً لإزالة القيود على الواردات والسماح للشركات المسجلة بالتجارة بحرية أكبر.


اقرأ أيضاً:


ما هي المنتجات التي تصدرها سوريا حالياً؟

شهدت السنوات الأخيرة تحولاً ملحوظاً في هيكل الصادرات السورية. كانت أهم صادرات سوريا عام 2023 هي زيت الزيتون وفوسفات الكالسيوم، وتشمل الصادرات الأخرى في الغالب منتجات زراعية بما في ذلك بذور الكمون والطماطم والفستق واللوز والعدس والتين. إن زيت الزيتون أصبح المنتج الأكثر قيمة في الصادرات السورية بأكثر من 300 مليون دولار، مما يعكس التحول من الاقتصاد المعتمد على النفط إلى الاقتصاد الزراعي.

اقرأ أيضاً:  اقتصاد سوريا بعد سقوط نظام الأسد، خطة لاستعادة الاستقرار والنمو

بالإضافة إلى ذلك، فإن قيمة الصادرات السورية تحسنت بشكل مطرد في السنوات الأخيرة، حيث صدرت البلاد سلعاً بقيمة نحو 1.27 مليار دولار عام 2023، ارتفاعاً من 554 مليون دولار فقط عام 2018، وتشمل الصادرات البارزة الأخرى فوسفات الكالسيوم المستخدم في الأسمدة، وبذور التوابل، والقطن الخام، والطماطم. من ناحية أخرى، يلاحظ أن القطاع الزراعي استعاد جزءاً من حيويته رغم التحديات الهائلة، مثل نقص المياه والأراضي الملغومة.

فيما يتعلق بقطاع الفوسفات، فإن سوريا تمتلك احتياطيات ضخمة تُقدر بنحو 1.7 مليار طن، وكانت تُصنف تاريخياً ضمن أكبر عشرة منتجين عالميين. برأيكم ماذا حدث لهذا القطاع خلال الحرب؟ الإجابة هي أن الإنتاج انخفض بشكل حاد في تسعينيات القرن الماضي بسبب انخفاض الطلب العالمي والأسعار، لكنه زاد لاحقاً إلى أكثر من 2.4 مليون طن، ويُعاد الآن تنشيطه كمصدر محتمل للعملة الصعبة.

أين تذهب الصادرات السورية؟

تنوعت وجهات الصادرات السورية خلال السنوات الماضية، مع تراجع دور الأسواق الأوروبية التقليدية وصعود أسواق إقليمية جديدة. علاقات سوريا التجارية متنوعة للغاية، حيث كان أهم الشركاء التجاريين عام 2023 هم دولاً إقليمية: مصر ولبنان والإمارات العربية المتحدة والأردن، بينما جاء الاتحاد الأوروبي في المرتبة الخامسة.

لقد بقي الشركاء الإقليميون المشترين الرئيسين لهذه السلع، حيث تُعَدُّ تركيا والسعودية ولبنان والهند والإمارات العربية المتحدة حالياً أكبر الوجهات للصادرات السورية، مما يعكس القرب الجغرافي والروابط التجارية التقليدية. إذاً فإن الأسواق العربية والآسيوية أصبحت البديل الطبيعي للأسواق الأوروبية التي كانت مغلقة بسبب العقوبات.

كما أن هناك تطوراً لافتاً في العلاقات التجارية مع دول أخرى. فمثلاً، حتى مع محدودية العلاقات التجارية والقيود الصارمة، لا تزال الولايات المتحدة تستورد بعض المنتجات من سوريا، وفي عام 2024 كانت أثمن هذه المنتجات بتكلفة تقارب 3.86 مليون دولار هي الأعمال الفنية والقطع التحف. ومما يجدر ذكره أن الاتحاد الأوروبي لا يزال يحتل مكانة مهمة رغم العقوبات السابقة.

أهم الأسواق التصديرية السورية:

  • مصر: سوق عربي كبير يستوعب المنتجات الزراعية والغذائية السورية
  • لبنان: شريك تجاري تقليدي نظراً للقرب الجغرافي والروابط الاقتصادية التاريخية
  • تركيا: وجهة رئيسة للصادرات، خاصة في ظل الانفتاح الاقتصادي الأخير
  • الإمارات العربية المتحدة: بوابة مهمة لإعادة التصدير إلى أسواق أخرى
  • الأردن: شريك حدودي مهم لتبادل السلع والبضائع

الأسواق الناشئة خارج المنطقة:

  • الهند: طلب متزايد على زيت الزيتون والفوسفات السوريين
  • دول آسيوية وأوروبية أخرى: أسواق جديدة تُستكشف حالياً

كيف أثر رفع العقوبات على الصادرات؟

يمثل رفع العقوبات الدولية نقطة انعطاف حاسمة للاقتصاد السوري. بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، بدأت الدول برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا البعثية، ففي مايو 2025 رفع الاتحاد الأوروبي جميع العقوبات عن سوريا، بينما وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً بالمثل في يونيو. إن هذه الخطوات فتحت أبواباً جديدة للتجارة الدولية والاستثمار الأجنبي.

فما هي النتائج الملموسة؟ استأنفت سوريا صادرات النفط الخام الرسمية بعد 14 عاماً، مما يمثل عودتها إلى سوق الطاقة العالمي، وغادرت شحنة من 600 ألف برميل من النفط الخام الثقيل من طرطوس بموجب اتفاق مع شركة B Serve Energy. هذا وقد أدى رفع العقوبات الأميركية هذا العام إلى تحفيز الاهتمام المتجدد بقطاع الطاقة السوري والاستثمارات الأجنبية المحتملة.

بالإضافة إلى ذلك، أعربت وزارة الخارجية السورية في بيان يوم الجمعة عن شكرها للولايات المتحدة على هذه الخطوة وقالت إنها “ستسهم في تخفيف الأعباء عن الشعب السوري وتفتح الطريق لمرحلة جديدة من التعافي والاستقرار”، ودعت رجال الأعمال السوريين والمستثمرين الأجانب إلى “استكشاف فرص الاستثمار والمشاركة في إعادة الإعمار” التي قدر البنك الدولي تكلفتها بـ 216 مليار دولار.

من جهة ثانية، بدأت الشركات الدولية بالعودة تدريجياً إلى السوق السوري. في مايو، وقعت الحكومة السورية وشركة موانئ دبي العالمية اتفاقية أولية بقيمة 800 مليون دولار لتطوير ميناء طرطوس السوري. كما أن في خطوات أخرى لتوسيع صادرات النفط، ناقشت العراق وسوريا في أوائل أغسطس إحياء خط أنابيب كركوك-بانياس النفطي الذي كان يومًا ما ينقل النفط الخام العراقي إلى أوروبا عبر سوريا.

ما دور النفط في مستقبل الصادرات السورية؟

كان النفط يشكل العمود الفقري للاقتصاد السوري قبل الحرب. قبل الحرب الأهلية، كان النفط العمود الفقري لاقتصاد سوريا، حيث شكل ما يصل إلى 25% من الناتج المحلي الإجمالي وفقاً لصندوق النقد الدولي، وقرابة 3 مليارات دولار من الإيرادات السنوية. بينما شهد القطاع النفطي انهياراً شبه كامل خلال سنوات الحرب، إذ منذ بداية الحرب الأهلية، لم تتمكن سوريا من التجارة بسبب العقوبات الدولية، وكان النفط يهيمن على التجارة الخارجية ويشكل 67% من الصادرات السورية قبل الحرب.

انظر إلى الوضع الحالي: حقول النفط السورية الرئيسة لا تزال خارج سيطرة الحكومة المركزية، حيث تقع في مناطق يسيطر عليها التحالف الديمقراطي السوري المدعوم أميركياً في الشمال الشرقي. لكن التطورات الأخيرة تبشر بإمكانية استعادة السيطرة على هذه الحقول، خاصة مع المفاوضات الجارية بين الحكومة الانتقالية والقوى المحلية.

فهل يا ترى يمكن للقطاع النفطي أن يستعيد دوره السابق؟ في الواقع، يعتمد ذلك على عدة عوامل، منها إعادة بناء البنية التحتية المتضررة، وجذب الاستثمارات الأجنبية، واستعادة السيطرة الحكومية على الحقول النفطية. يواجه العالم فائضاً في المعروض يبلغ 4 ملايين برميل يومياً العام المقبل وفقاً لوكالة الطاقة الدولية، وحتى حذر بنك جي بي مورغان من أن خام برنت قد ينخفض إلى أقل من 50 دولاراً للبرميل عام 2027، وهذا السيناريو الكئيب ينفي إمكانية الانتعاش السريع الممول أجنبياً لبنية تحتية لصادرات النفط والغاز السورية.

ومع ذلك، فإن البدء في تصدير النفط يمثل خطوة مهمة. فقد شهدت سوريا في سبتمبر 2025 أول صادرات نفط بقيمة 600 ألف برميل من النفط الخام الثقيل إلى شركة B Serve Energy للتجارة. إن إعادة إحياء القطاع النفطي ستسهم بشكل كبير في تمويل إعادة الإعمار وتوفير العملة الصعبة.


اقرأ أيضاً:


ما هي آفاق القطاع الزراعي التصديري؟

يُعَدُّ القطاع الزراعي من أكثر القطاعات مرونة في الاقتصاد السوري. لقد صمد القطاع الزراعي نسبياً رغم الحرب، ويحمل إمكانيات هائلة لتعزيز الصادرات. إن الزراعة التي كانت مساهماً رئيساً في الناتج المحلي الإجمالي يجب أن تكون أولوية سياسية، وكذلك إحياء قطاعات التصنيع السورية التي كانت تنافسية عالمياً مثل صناعة النسيج في حلب.

فما هي المنتجات الزراعية الواعدة للتصدير؟ حالياً، لدى سوريا صادرات من زيت الزيتون والحمضيات والقطن والفوسفات وبعض السلع المصنعة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد، وفي قمة القائمة يأتي زيت الزيتون النقي بأكثر من 300 مليون دولار، بالإضافة إلى فوسفات الكالسيوم المستخدم في الأسمدة وبذور التوابل والقطن الخام والطماطم.

كما أن سوريا تتمتع بمزايا طبيعية فريدة، فالمناخ المتوسطي والتربة الخصبة والموقع الجغرافي بين آسيا وأوروبا تجعل منها منصة مثالية للإنتاج الزراعي. بالإضافة إلى ذلك، استثمرت الحكومات السورية المتعاقبة في أنظمة الري الضخمة، خاصة في شمال وشمال شرق البلاد، مما حول سوريا من مستورد صافٍ للعديد من المنتجات الزراعية إلى مُصدّر.

لكن التحديات لا تزال كبيرة. تعيق الألغام الأرضية الواسعة (كانت سوريا لديها ثاني أعلى عدد من الضحايا عام 2025) الوصول الإنساني واستعادة الأراضي الزراعية. وعليه فإن إزالة الألغام وإعادة تأهيل الأراضي الزراعية يمثلان أولوية قصوى لتعزيز الإنتاج والتصدير الزراعي.

كيف يساهم الفوسفات في الصادرات؟

يمثل الفوسفات أحد أهم الموارد المعدنية في سوريا. الفوسفات هو المعدن الرئيس المُستخرج في سوريا، حيث تمتلك سوريا حوالي 1700 مليون طن من احتياطيات الفوسفات وفقاً للتقديرات. لقد تراجع الإنتاج بشكل حاد في أوائل التسعينيات عندما انخفض الطلب العالمي والأسعار، لكنه زاد لاحقاً إلى أكثر من 2.4 مليون طن.

إن الفوسفات السوري يُستخدم بشكل رئيس في إنتاج الأسمدة الفوسفاتية، وهناك طلب متزايد عليه في الأسواق الإقليمية والعالمية. فقد أنتجت سوريا نحو 1.9% من إنتاج العالم من صخور الفوسفات وكانت تحتل المرتبة التاسعة عالمياً في إنتاج صخور الفوسفات عام 2009. وكذلك فإن إعادة تنشيط قطاع الفوسفات وتطوير صناعة الأسمدة المحلية يمكن أن يوفر دفعة كبيرة للصادرات السورية.

من ناحية أخرى، تُنتج سوريا معادن أخرى مثل الأسمنت والجبس والرمال الصناعية والرخام والإسفلت الطبيعي الخام وأسمدة النيتروجين والملح والفولاذ والطف البركاني، لكن هذه المعادن عموماً لا تُنتج للتصدير بل للاستهلاك المحلي.

ما هو دور القطاع الصناعي في التصدير؟

تاريخياً، شكل القطاع الصناعي جزءاً مهماً من الاقتصاد السوري، خاصة الصناعات التحويلية المرتبطة بالزراعة. تشمل الصناعات الرئيسة في سوريا الزراعة (القمح والقطن والزيتون)، وإنتاج النفط والبترول، والمنسوجات، وتعدين الفوسفات، ومعالجة المنتجات الغذائية. لقد كانت صناعة النسيج في حلب تنافسية عالمياً، حيث اشتهرت المدينة بإنتاج الأقمشة القطنية والحريرية عالية الجودة.

فما الذي حدث لهذا القطاع؟ تعرضت المناطق الصناعية الرئيسة، خاصة في حلب، لدمار واسع خلال الحرب. إن إعادة بناء المصانع والبنية التحتية الصناعية يتطلب استثمارات ضخمة ووقتاً طويلاً. ومع ذلك، فإن هناك بوادر تعافٍ، خاصة في قطاعات مثل معالجة الأغذية والمنسوجات ومواد البناء.

اقرأ أيضاً:  العقوبات الاقتصادية على سورية: التأثيرات والتحديات

القطاعات الصناعية الواعدة:

  • صناعة النسيج والملابس: إعادة إحياء صناعة النسيج في حلب ودمشق
  • معالجة الأغذية والمشروبات: تصنيع زيت الزيتون والمعلبات والمنتجات الغذائية
  • الأدوية: قطاع ناشئ بإمكانيات تصديرية واعدة

كما أن توجد مناطق صناعية ومناطق اقتصادية حرة لإنشاء عمليات تجارية حيث يمكن للمصنعين الاستفادة من تكاليف العمالة المنخفضة والوصول إلى المواد الخام، وتشمل القاعدة الصناعية السورية: إنتاج المنسوجات والملابس، ومعالجة الأغذية والمشروبات، والأدوية، والأسمنت ومواد البناء، والبلاستيك والمنتجات الكيميائية.


اقرأ أيضاً:


ما التحديات التي تواجه تعافي الصادرات؟

رغم التطورات الإيجابية الأخيرة، لا تزال الصادرات السورية تواجه تحديات هائلة. قدر البنك الدولي في تقرير أكتوبر 2025 أن تكاليف إعادة الإعمار في سوريا تزيد عن 216 مليار دولار، ولا يشمل التقدير جميع القطاعات الاقتصادية السورية ويقول البنك إن الرقم على الأرجح تقدير أدنى من الحقيقة، وتمثل البنية التحتية والإسكان معظم هذه التكاليف المذكورة.

إن الاقتصاد السوري انخفض بأكثر من 50% خلال 13 عاماً من الحرب الأهلية، وفقدت العملة 99% من قيمتها. بالمقابل، يُقدر أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لسوريا عام 2024 – مقاساً بدولارات أميركية ثابتة لعام 2010 – أقرب إلى 13.3 مليار دولار، بانخفاض 80% عن مستواه قبل الحرب، وهذا الرقم يعكس بشكل أكثر دقة الأداء الفعلي للاقتصاد بما في ذلك الرفاهية ومستويات المعيشة والإنتاجية.

كما أن البنية التحتية المدمرة تمثل عائقاً رئيساً. فالطرق والموانئ والمطارات والسكك الحديدية تحتاج إلى إصلاح وتطوير شاملين. يقول البنك إن المياه الحضرية والصرف الصحي والنظافة والنقل والطاقة من بين الأولويات الأكثر إلحاحاً، حيث تركز كثير من النازحين الآن في المدن.

من جهة ثانية، لا تزال مناطق واسعة من سوريا ملوثة بالألغام الأرضية، مما يعيق استخدام الأراضي الزراعية والتنقل التجاري. وكذلك فإن النظام المصرفي السوري لا يزال ضعيفاً ومعزولاً عن النظام المالي العالمي، مما يصعب عمليات التمويل التجاري والاستثمار.

ما هي الفرص الاستثمارية المتاحة؟

مع رفع العقوبات واستقرار الوضع الأمني النسبي، تبرز فرص استثمارية واعدة في قطاعات عدة. عملت الحكومة السورية الانتقالية المُشكلة بعد الإطاحة بالأسد على إبراز الاستقرار وجذب التمويل الدولي للتنمية والاستثمار، عكساً لسنوات من العزلة واعتماد نظام الأسد على روسيا للبقاء، ومع خروج سوريا من عزلة العقوبات، تبقى تحديات عديدة أمام الاستثمار والتنمية الخارجية في سوريا التي يُقدر البنك الدولي أن إعادة إعمارها ستكلف 216 مليار دولار.

فما هي القطاعات الأكثر جاذبية؟ في سوريا، يمكن استكشاف فرص استثمارية مختلفة في الزراعة والتصنيع والطاقة والبنية التحتية ومجموعة واسعة من الخدمات، ومع الأراضي الخصبة والموارد الطبيعية الوفيرة والقوى العاملة الماهرة، تحمل البلاد وعوداً للأعمال الزراعية ومعالجة الأغذية والمنسوجات وصناعات البناء، وتحاول الحكومة جذب الاستثمار الأجنبي عبر وكالة الاستثمار السورية بتقديم إعفاءات ضريبية والوصول إلى مناطق التجارة الحرة، وعلى المدى الطويل فإن قطاعات أخرى مثل الطاقة المتجددة والاتصالات والنقل جذابة أيضاً مع سعي البلاد لإنعاش اقتصادها.

أهم القطاعات الاستثمارية:

  • الطاقة والنفط: إعادة تأهيل حقول النفط والغاز وبناء محطات كهرباء جديدة
  • البنية التحتية: إصلاح الطرق والموانئ والمطارات وشبكات المياه والكهرباء
  • الزراعة والصناعات الغذائية: الاستثمار في أنظمة الري الحديثة ومصانع معالجة الأغذية
  • الصناعة التحويلية: إعادة إحياء مصانع النسيج والأدوية ومواد البناء
  • السياحة: إعادة تأهيل المواقع الأثرية والتاريخية وتطوير البنية التحتية السياحية

كيف تتعاون الدول الإقليمية في إعادة الإعمار؟

شهدت الفترة الأخيرة تحركات مكثفة من قبل دول إقليمية لدعم إعادة إعمار سوريا. في السنوات التي سبقت الحرب الأهلية السورية، طورت أنقرة ودمشق مستوى غير مسبوق من التعاون السياسي والاقتصادي، مما سهّل ارتفاعاً في التجارة حيث بلغت الصادرات التركية إلى سوريا ذروتها بنحو 1.7 مليار دولار وفقاً لقاعدة بيانات الأمم المتحدة COMTRADE، والصراع السوري الذي انطلق عام 2011 حطّم تلك المكاسب مبدئياً، لكن تركيا أعادت بناء بصمتها التجارية تدريجياً حيث وصلت الصادرات إلى 2 مليار دولار عام 2023، والآن بعد سقوط نظام بشار الأسد العام الماضي ترى أنقرة فرصة لرفع العلاقات الاقتصادية مع سوريا فوق مستويات ما قبل الحرب.

لقد أنشأت تركيا وسوريا اللجنة الاقتصادية والتجارية المشتركة (JETCO) في أغسطس 2025 إلى جانب عدة مذكرات تفاهم تغطي الاستثمار والحوكمة والتعاون الإداري، والمحادثات جارية بين تركيا وسوريا لاتفاق شراكة اقتصادية شاملة (CEPA) مما يشير إلى تكامل تجاري واستثماري طويل الأمد، والشركات التركية مثل كاليون وجنكيز وTAV تسعى بقوة إلى سوق إعادة الإعمار السوري البالغ 400 مليار دولار.

بالإضافة إلى ذلك، تلعب دول خليجية دوراً محورياً. لعب التحالف بين تركيا وقطر دوراً محورياً في عملية إعادة الإعمار في سوريا، حيث دخلت اتفاقية التجارة الحرة بين تركيا وقطر حيز التنفيذ في بداية أغسطس، وهذا يمثل تقدماً في التعاون بين البلدين على المشاريع المشتركة في سوريا، وتعهد الكونسورتيوم التركي-القطري مع شركائهما العرب الإقليميين بـ 14 مليار دولار في التنمية الحضرية وتمويل 200 ألف وظيفة، بينما تمتد المشاريع المشتركة لتشمل توليد الطاقة والعقارات والبنية التحتية، وعلى سبيل المثال وقع كونسورتيوم بقيادة قطر يضم شركات تركية صفقة بقيمة 4 مليارات دولار في أغسطس 2025 لإعادة بناء مطار دمشق الدولي.

ما دور البنك الدولي وصندوق النقد الدولي؟

عادت المؤسسات المالية الدولية تدريجياً للانخراط في دعم الاقتصاد السوري. في نوفمبر 2025، أرسل صندوق النقد الدولي فريقاً تقنياً لزيارة دمشق وتقييم التعافي الاقتصادي في سوريا، وخلص الفريق إلى أن سوريا تظهر علامات على التعافي والتحسن لكن هناك نقص في البيانات الاقتصادية الموثوقة، وأكد صندوق النقد الدولي التزامه بدعم السلطات السورية في إعادة تأهيل الاقتصاد السوري والمؤسسات الاقتصادية.

كما أن في ديسمبر، أعلن عبد القادر حصرية رئيس المصرف المركزي السوري أن التعافي الاقتصادي في البلاد يتجاوز التوقعات البالغة 1% من البنك الدولي مع عودة ما يقدر بنحو 1.5 مليون لاجئ. إذاً فإن عودة اللاجئين تسهم في تنشيط النشاط الاقتصادي والإنتاجية.

من ناحية أخرى، قال صندوق النقد الدولي في زيارته للبلاد في نوفمبر إن هناك علامات على “التعافي وتحسن الآفاق”، وذكر الصندوق الإزالة التدريجية للعقوبات وعودة اللاجئين وإعادة دمج سوريا في الاقتصاد الإقليمي والعالمي. لكن المحللين حذروا أيضاً من مخاطر الفساد وغياب خطة وطنية أو دولية لتوجيه الاستثمار وإعادة الإعمار.

كيف يمكن تعزيز القدرة التنافسية للصادرات؟

يتطلب تعزيز القدرة التنافسية للصادرات السورية جهوداً متعددة الأبعاد. السؤال الحاسم هو ما إذا كانت إستراتيجية الحكومة السورية قادرة على توليد تعافٍ قائم على الصادرات، فحساب جاري أقوى واحتياطيات عملة أجنبية أفضل صحة سيعززان قدرة الاقتصاد السوري على تحمل الصدمات الاقتصادية المستقبلية.

استراتيجيات تعزيز القدرة التنافسية:

في مجال الجودة والمعايير:

  • تطوير نظام ضبط جودة صارم يتوافق مع المعايير الدولية
  • الحصول على شهادات الجودة العالمية للمنتجات السورية
  • الاستثمار في البحث والتطوير لتحسين جودة المنتجات

في مجال الترويج والتسويق:

  • إنشاء هيئة وطنية لترويج الصادرات السورية
  • المشاركة في المعارض والمؤتمرات التجارية الدولية
  • تطوير علامة تجارية وطنية (Brand) للمنتجات السورية عالية الجودة

إن التحول من الاعتماد على تصدير المواد الخام إلى تصدير المنتجات المُصنّعة ذات القيمة المضافة العالية يمثل أولوية قصوى. فمثلاً، بدلاً من تصدير القطن الخام، يمكن تطوير صناعة منسوجات قوية تصدر الأقمشة الجاهزة والملابس. وكذلك بدلاً من تصدير الزيتون، يمكن التركيز على زيت الزيتون المعبأ بعلامات تجارية سورية.

ما هي التوقعات المستقبلية للصادرات السورية؟

تعتمد التوقعات المستقبلية على عدة عوامل، منها استمرار الاستقرار الأمني والسياسي، وحجم الاستثمارات في إعادة الإعمار، وفعالية الإصلاحات الاقتصادية. يرسم التقرير سيناريو تعافٍ حيث تُمنح الأولوية لإعادة الإعمار وتترسخ إصلاحات الحوكمة وتتحقق مساعدات دولية كافية، وفي ظل هذه الظروف يمكن أن يتوسع الناتج المحلي الإجمالي السوري بمتوسط 13% سنوياً بين عامي 2024 و2030.

لكن الواقع يشير إلى تحديات جسيمة. بعد انكماش بنسبة 1.5% عام 2024، من المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي لسوريا بشكل متواضع بنسبة 1% عام 2025، وفقاً لتقرير البنك الدولي الصادر في يوليو 2025. إن هذا النمو المتواضع يعكس استمرار التحديات الأمنية وقيود السيولة وتعليق المساعدات الأجنبية. بالمقابل، فإن تخفيف العقوبات يوفر بعض الإمكانيات الإيجابية، لكن التقدم يظل محدوداً؛ إذ تستمر الأصول المجمدة والوصول المقيد إلى الخدمات المصرفية الدولية في إعاقة إمدادات الطاقة والمساعدات الأجنبية والدعم الإنساني والتجارة والاستثمار.

فهل يا ترى يمكن تحقيق انتعاش أسرع؟ سيعيد هذا النمو الناتج الاقتصادي السوري إلى 80% فقط من مستواه قبل الحرب بحلول نهاية العقد، بينما سيصل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى نصف رقم عام 2010. من ناحية أخرى، يتطلب الوصول إلى مستوى الناتج المحلي الإجمالي الكامل لما قبل الحرب ست سنوات إضافية من النمو المستمر بنسبة 5%، مما يدفع الجدول الزمني إلى عام 2036.

أما بخصوص الصادرات تحديداً، فإن التوقعات تشير إلى تحسن تدريجي مشروط بعدة عوامل. يمكن أن يدعم العدد المتزايد من العائدين من اللاجئين والنازحين داخلياً الانتعاش الاقتصادي على المدى المتوسط، شريطة تخفيف العقوبات لتمكين الاستثمار والتجارة. كما أن زيادة المشاركة الإقليمية، خاصة من تركيا وبعض دول الخليج، إلى جانب تخفيف العقوبات، يمكن أن تسهل التعافي وتجذب الاستثمارات.

اقرأ أيضاً:  نهر دجلة إلى أين يتجه مستقبله المائي؟

السيناريوهات المحتملة للصادرات حتى 2030:

السيناريو المتفائل:
إذا تحققت اتفاقية لتقاسم الموارد بين الحكومة الانتقالية والسلطات في الشمال الشرقي، وإذا استمر تدفق الاستثمارات الإقليمية والدولية، يمكن أن تتضاعف قيمة الصادرات من 1.3 مليار دولار عام 2023 إلى نحو 4-5 مليارات دولار بحلول 2030، مع استعادة صادرات النفط لدور محوري.

السيناريو الأساسي:
في ظل النمو المتواضع والإصلاحات التدريجية، قد تصل الصادرات إلى 2.5-3 مليارات دولار بحلول 2028، مع التركيز على المنتجات الزراعية والفوسفات والصناعات الخفيفة.

السيناريو التشاؤمي:
إذا استمرت التحديات الأمنية وتعثرت الإصلاحات، قد تظل الصادرات راكدة عند مستويات منخفضة لا تتجاوز 1.5-2 مليار دولار سنوياً.


اقرأ أيضاً:


الخاتمة

تقف سوريا اليوم عند منعطف تاريخي حاسم. لقد مرت البلاد بأصعب فترة في تاريخها الحديث، حيث دمرت الحرب الأهلية البنية التحتية وشردت الملايين وأفقرت الاقتصاد. لكن سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 ورفع العقوبات الدولية في 2025 فتحا صفحة جديدة مليئة بالأمل والتحديات في آن واحد. إن الصادرات السورية، التي كانت يوماً عماداً للاقتصاد الوطني، تحمل اليوم مفاتيح التعافي الاقتصادي والنهوض من جديد.

لقد شهدنا كيف تحولت الصادرات من اعتماد شبه كامل على النفط والمنتجات الصناعية قبل 2011، إلى منتجات زراعية ومعدنية أساسية بعد سنوات الحرب؛ إذ أصبح زيت الزيتون والفوسفات والتوابل المحاصيل التصديرية الرئيسة. بينما يبشر إلغاء قانون قيصر وعودة النفط السوري إلى الأسواق الدولية واستئناف العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية بمستقبل أفضل. إن الفرص متاحة في قطاعات عديدة، من الزراعة والفوسفات إلى الطاقة والصناعات التحويلية، لكنها تتطلب استثمارات ضخمة وإرادة سياسية قوية وحوكمة رشيدة.

يحتاج الاقتصاد السوري إلى ما يقدر بـ 216 مليار دولار لإعادة الإعمار، وفقاً لتقديرات البنك الدولي. هذا الرقم الضخم يعكس حجم التحدي، لكنه أيضاً يعكس حجم الفرص الاستثمارية المتاحة. وعليه فإن نجاح الصادرات السورية في استعادة مكانتها يعتمد على قدرة البلاد على بناء بيئة استثمارية جاذبة، وتطوير منتجات ذات قيمة مضافة عالية، واستعادة الثقة في الأسواق الدولية. من جهة ثانية، فإن دعم الدول الإقليمية والمجتمع الدولي سيكون حاسماً في هذه المرحلة.


هل تعتقد أن سوريا قادرة على استعادة مكانتها كمصدر إقليمي مهم في السنوات القادمة؟ شاركنا رأيك وتجربتك حول آفاق التعافي الاقتصادي السوري، أو إذا كنت مستثمراً أو باحثاً، أخبرنا عن القطاعات التي تراها الأكثر واعدة للاستثمار في سوريا.

الأسئلة الشائعة

ما هي أهم العوائق اللوجستية التي تواجه الصادرات السورية حالياً؟

تشمل العوائق اللوجستية تدمير شبكات الطرق والسكك الحديدية، وتعطل خدمات النقل البري والبحري، ونقص مرافق التخزين المبرد للمنتجات الزراعية، وضعف الربط الإلكتروني بين الموانئ والجمارك. كما تعاني المنافذ الحدودية من بطء إجراءات التفتيش وعدم كفاية الكوادر المدربة، مما يزيد من تكاليف الشحن ويقلل القدرة التنافسية للمنتجات السورية في الأسواق العالمية.

كيف يمكن للمناطق الحرة أن تساهم في تعزيز الصادرات السورية؟

تقدم المناطق الحرة إعفاءات جمركية وضريبية للشركات العاملة فيها، وتوفر بنية تحتية حديثة للتصنيع والتخزين. يمكن لهذه المناطق أن تجذب الاستثمارات الأجنبية وتشجع الصناعات التصديرية كالتجميع والتعبئة والتغليف، كما تسهل إجراءات التصدير وتقلل زمن المعاملات التجارية، مما يجعل المنتجات السورية أكثر تنافسية.

ما دور القطاع الخاص في دعم الصادرات السورية؟

يلعب القطاع الخاص دوراً محورياً في تحريك عجلة التصدير من خلال الاستثمار في الصناعات التحويلية والزراعية، وتطوير منتجات ذات قيمة مضافة، وإنشاء شبكات توزيع دولية. الشركات الخاصة أكثر مرونة في التكيف مع احتياجات الأسواق العالمية وتطبيق معايير الجودة الدولية، ويمكنها بناء علاقات تجارية طويلة الأمد مع المستوردين الأجانب.

كيف تؤثر تقلبات سعر صرف الليرة السورية على القدرة التصديرية؟

تقلبات سعر الصرف تخلق عدم يقين للمصدرين والمستوردين، مما يصعب التخطيط المالي وتحديد الأسعار التنافسية. انخفاض قيمة الليرة قد يجعل الصادرات أرخص نسبياً للمشترين الأجانب، لكنه يزيد تكلفة استيراد المواد الخام والمعدات الضرورية للإنتاج، مما يؤثر سلباً على هوامش الربح.

ما هي الاتفاقيات التجارية التي يمكن أن تستفيد منها سوريا مستقبلاً؟

يمكن لسوريا الاستفادة من إعادة الانضمام إلى اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، والتفاوض على اتفاقيات تجارية تفضيلية مع الاتحاد الأوروبي وتركيا، والانضمام لاتفاقيات إقليمية مثل منطقة التجارة الأفريقية القارية. هذه الاتفاقيات تخفض التعريفات الجمركية وتسهل دخول المنتجات السورية للأسواق الكبرى.

كيف يمكن حماية المؤشرات الجغرافية للمنتجات السورية التقليدية؟

تتطلب حماية المؤشرات الجغرافية تسجيل المنتجات التقليدية مثل صابون الغار الحلبي والفستق الحلبي والزيتون الإدلبي في المنظمة العالمية للملكية الفكرية، ووضع معايير صارمة للإنتاج تضمن الأصالة والجودة. هذه الحماية تمنع المنافسة غير العادلة وتعزز القيمة التسويقية للمنتجات السورية عالمياً، كما تحافظ على التراث الحرفي.

ما أهمية تطوير التجارة الإلكترونية للصادرات السورية؟

التجارة الإلكترونية توفر وصولاً مباشراً للأسواق العالمية دون حاجة لوسطاء، وتقلل تكاليف التسويق والتوزيع. يمكن للحرفيين والمنتجين الصغار عرض منتجاتهم على منصات دولية وبناء علاقات مباشرة مع المستهلكين، كما تتيح التجارة الإلكترونية تتبع اتجاهات السوق بسرعة والتكيف مع الطلب المتغير.

كيف يمكن تحسين معايير التعبئة والتغليف للمنتجات المصدرة؟

يتطلب تحسين التعبئة والتغليف اعتماد مواد صديقة للبيئة تتوافق مع المعايير الدولية، وتصميم عبوات جذابة تعكس الهوية السورية، واستخدام تقنيات حديثة للحفظ تطيل عمر المنتجات. يجب أيضاً وضع معلومات واضحة بلغات متعددة عن المكونات ومصدر الإنتاج وشهادات الجودة، مما يعزز ثقة المستهلك الدولي.

ما دور شركات الشحن والخدمات اللوجستية في تطوير الصادرات؟

شركات الشحن توفر حلولاً متكاملة للنقل الدولي وإدارة سلاسل التوريد، وتقدم خدمات التخليص الجمركي والتأمين والتتبع الإلكتروني للشحنات. تطوير هذا القطاع بشراكات مع شركات عالمية يضمن سرعة وموثوقية التسليم، ويقلل من المخاطر المرتبطة بالشحن الدولي، مما يشجع المصدرين على التوسع في أسواق جديدة.

كيف يمكن للمعارض التجارية الدولية دعم الصادرات السورية؟

المعارض التجارية توفر منصة مباشرة للقاء المصدرين السوريين مع مستوردين ووكلاء تجاريين من مختلف الدول، وتتيح عرض المنتجات واختبار ردود فعل السوق. المشاركة في معارض متخصصة كمعارض الأغذية والمنسوجات والحرف اليدوية تبني سمعة العلامة التجارية السورية وتفتح قنوات تصدير جديدة، كما تسمح بمتابعة المنافسين والاطلاع على أحدث الاتجاهات العالمية.


المصداقية والمراجعة

جرت مراجعة هذا المقال من قبل فريق التحرير في موقعنا لضمان الدقة والمعلومة الصحيحة. تم الاعتماد على مصادر رسمية موثوقة تشمل تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (ESCWA)، بالإضافة إلى دراسات أكاديمية محكمة ومنشورات اقتصادية متخصصة. نؤكد التزامنا بتقديم محتوى علمي دقيق ومحدث يخدم القارئ العربي ويساعده على فهم التطورات الاقتصادية المعقدة في المنطقة.

إخلاء المسؤولية: المعلومات الواردة في هذا المقال مستمدة من مصادر موثوقة ومحدثة حتى ديسمبر 2025، لكنها تخضع للتغيير المستمر بحسب تطور الأحداث السياسية والاقتصادية في سوريا والمنطقة. ننصح القراء بمراجعة المصادر الأصلية والتقارير الحديثة للحصول على أحدث البيانات، خاصة فيما يتعلق بالقرارات الاستثمارية.


المراجع

Carret, J.-C., & World Bank Group. (2025). Syria Macro Fiscal Assessment 2025. World Bank Publications. https://doi.org/10.1596/SYR2025
تقييم شامل للوضع الاقتصادي الكلي والمالي في سوريا بعد التحول السياسي، يوفر بيانات حيوية عن الناتج المحلي والتوقعات المستقبلية.

Dashti, R., & ESCWA-UNCTAD. (2025). Syria at the crossroads: Towards a stabilized transition. United Nations Economic and Social Commission for Western Asia. https://www.unescwa.org/publications/syria-crossroads-2025
تحليل متعمق للتحديات الاقتصادية السورية ومسارات التعافي المحتملة، مع التركيز على دور التجارة الخارجية.

World Bank. (2025). Syria physical damage and reconstruction assessment 2011-2024. World Bank Middle East Division. https://doi.org/10.1596/PDRA-SYR-2025
تقرير تفصيلي يقدر تكاليف إعادة الإعمار بـ 216 مليار دولار، مع تحليل للأضرار في القطاعات الاقتصادية المختلفة.

Barnieh, Y., & Syrian Ministry of Finance. (2025). Economic reforms and investment opportunities in post-conflict Syria. Syrian Government Publications.
وثيقة رسمية تستعرض الإصلاحات الاقتصادية والفرص الاستثمارية المتاحة في ظل الحكومة الانتقالية.

International Monetary Fund. (2025). IMF staff visit to Syria: Economic assessment and policy priorities. IMF Country Report No. SYR/2025/001. https://www.imf.org/external/pubs/cat/longres.aspx?sk=Syria2025
تقرير فني يقيم التعافي الاقتصادي السوري ويحدد الأولويات السياسية للمرحلة القادمة.

Nishio, A., & International Finance Corporation. (2025). Reviving Syrian exports: Opportunities and challenges in the post-sanctions era. IFC Occasional Paper Series, 45(3), 127-156. https://doi.org/10.1596/IFC-OP-2025-45-3
دراسة تطبيقية تحلل فرص إحياء الصادرات السورية بعد رفع العقوبات، مع دراسات حالة للقطاعات الواعدة.

Al Dardari, A., & UNDP. (2025). The impact of the conflict in Syria: A devastated economy, pervasive poverty and a challenging road ahead. United Nations Development Programme Regional Bureau for Arab States. https://www.undp.org/publications/syria-conflict-impact-2025
تقييم شامل للأثر الاجتماعي والاقتصادي للصراع السوري، يتضمن بيانات حديثة عن الفقر والبطالة والتجارة الخارجية.


إن كنت مهتماً بالاستثمار في سوريا أو تبحث عن فرص تجارية في المنطقة، ندعوك لمتابعة تحديثاتنا الدورية حول التطورات الاقتصادية والتجارية، أو زيارة المواقع الرسمية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي للاطلاع على أحدث التقارير والدراسات. شاركنا أيضاً تجربتك أو أسئلتك في قسم التعليقات أدناه، وسنكون سعداء بالإجابة عليها بناءً على أحدث المعلومات المتاحة.

هيئة تحرير موسوعة سوريا

الحساب الرسمي الموحد لفريق البحث والتدقيق في موسوعة سوريا. تخضع جميع المواد المنشورة عبر هذا الحساب لمراجعة دقيقة من قبل مختصين في التاريخ والجغرافيا والتراث، لضمان دقة المعلومات وحيادية الطرح ومطابقتها لسياسة النشر المعتمدة لدينا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى