قصر الحير الشرقي: تحفة العمارة الأموية وإدارة الصحراء

يمثل التراث المعماري الأموي في البادية السورية شاهداً حياً على الإبداع الهندسي والفني في العصور الإسلامية الأولى، حيث تتجلى عظمة هذا الإرث في منشآت صحراوية فريدة تجمع بين الوظيفية والجمالية بأسلوب لا يزال يبهر الدارسين والباحثين حتى يومنا هذا.
المقدمة
يقف قصر الحير الشرقي كواحد من أبرز المعالم الأثرية الإسلامية في سوريا، ممثلاً نموذجاً استثنائياً للعمارة الأموية في القرن الثامن الميلادي. يقع هذا الصرح الضخم في قلب البادية السورية، وقد شكل على مر العصور محطة رئيسة لفهم التطور العمراني والحضاري في العصر الأموي. تمتد أهمية قصر الحير الشرقي لتشمل أبعاداً معمارية وتاريخية وفنية متعددة، مما يجعله موضوعاً خصباً للدراسات الأكاديمية والبحثية.
يكتسب قصر الحير الشرقي أهميته من كونه يعكس رؤية الخلفاء الأمويين لاستثمار البادية وتعميرها، إضافة إلى دوره كمركز إداري وزراعي وترفيهي في آن واحد. لقد جسد هذا القصر طموحات حضارية كبيرة، وأظهر قدرة المعماريين المسلمين على التكيف مع البيئة الصحراوية القاسية وتحويلها إلى مراكز عمرانية مزدهرة.
التاريخ والتأسيس
تعود جذور قصر الحير الشرقي إلى فترة الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك الذي حكم بين عامي 724-743 ميلادية، وهو الفترة التي شهدت ازدهاراً معمارياً ملحوظاً في الدولة الأموية. تشير المصادر التاريخية والدراسات الأثرية إلى أن هذا القصر بُني في حوالي عام 728-729 ميلادية، ليكون جزءاً من مشروع تنموي واسع النطاق في المناطق الصحراوية. جاء إنشاء قصر الحير الشرقي ضمن سياسة أموية متكاملة هدفت إلى تعزيز الوجود الحضري في البوادي وإنشاء محطات على طرق القوافل التجارية.
يرتبط تاريخ قصر الحير الشرقي بمفهوم القصور الصحراوية التي انتشرت في العصر الأموي، والتي كانت تخدم أغراضاً متعددة تجمع بين الوظائف السكنية والزراعية والدفاعية. لقد كان الخليفة هشام بن عبد الملك معروفاً باهتمامه بالعمران والزراعة، وقد وجه موارد كبيرة لبناء منشآت ضخمة في مناطق متفرقة من الدولة. يمثل قصر الحير الشرقي ذروة هذا الاهتمام، حيث تم تصميمه بمواصفات استثنائية تعكس الثراء المعماري لتلك الحقبة.
شهد قصر الحير الشرقي على مدى قرون عديدة تحولات تاريخية مختلفة، إذ استمر استخدامه في الفترات اللاحقة للعصر الأموي، وإن بدرجات متفاوتة. تعرض القصر لعوامل طبيعية وبشرية متنوعة أثرت على حالته، إلا أن أطلاله الباقية لا تزال تحكي قصة حضارة عريقة وإنجازات معمارية باهرة.
الموقع الجغرافي والبيئة المحيطة
ينتصب قصر الحير الشرقي في موقع إستراتيجي بالغ الأهمية في البادية السورية، على بعد حوالي 100 كيلومتر شمال شرق مدينة تدمر الأثرية الشهيرة. يقع القصر في محافظة دير الزور، في منطقة تتميز بطبيعتها الصحراوية وقلة مواردها المائية، مما يجعل وجود هذا الصرح الضخم في هذا المكان أمراً يثير الإعجاب والتساؤل. اختير موقع قصر الحير الشرقي بعناية فائقة ليكون على مقربة من طرق التجارة القديمة التي كانت تربط بين مختلف أنحاء الدولة الأموية.
تشكل البيئة المحيطة بقصر الحير الشرقي تحدياً كبيراً للاستيطان البشري، نظراً لشح المياه والظروف المناخية القاسية التي تتراوح بين الحرارة الشديدة صيفاً والبرودة القارسة شتاءً. لكن المعماريين الأمويين تمكنوا من التغلب على هذه التحديات من خلال إنشاء نظام مائي معقد يعتمد على تجميع مياه الأمطار وتخزينها، إضافة إلى حفر الآبار واستغلال المياه الجوفية. هذا النظام المائي المتطور كان جزءاً أساسياً من البنية التحتية التي سمحت بازدهار قصر الحير الشرقي والمناطق الزراعية المحيطة به.
يكتسب الموقع الجغرافي لقصر الحير الشرقي أهمية خاصة في سياق الشبكة العمرانية الأموية، إذ كان يمثل حلقة وصل بين المراكز الحضرية الكبرى والمناطق الطرفية. كما أن قربه من منطقة الجزيرة الفراتية جعله نقطة اتصال مهمة بين البادية والمناطق الزراعية الخصبة، مما عزز دوره الاقتصادي والإداري في المنظومة الإقليمية.
التصميم المعماري والتخطيط العام
يتميز قصر الحير الشرقي بتصميم معماري ضخم ومعقد يعكس المهارات الهندسية الرفيعة التي تمتع بها المعماريون في العصر الأموي. يتألف المجمع العمراني من سور خارجي ضخم يحيط بمساحة تقدر بحوالي 7 هكتارات، مما يجعله واحداً من أكبر القصور الصحراوية الأموية من حيث المساحة. يبلغ طول ضلع السور الخارجي لقصر الحير الشرقي حوالي 167 متراً، وقد بُني من الحجر والآجر بسماكة كبيرة تضمن الحماية والمتانة.
تتوزع أبراج دائرية ونصف دائرية على طول السور الخارجي لقصر الحير الشرقي، حيث يوجد برج في كل زاوية من زوايا السور الأربع، إضافة إلى أبراج وسطية على كل ضلع. هذه الأبراج لم تكن ذات وظيفة دفاعية فحسب، بل أضافت أيضاً بعداً جمالياً للمنظر العام للقصر. يُعَدُّ المدخل الرئيس لقصر الحير الشرقي من أبرز العناصر المعمارية، حيث يتميز بواجهة مزخرفة تحمل نقوشاً وزخارف جصية غنية تعكس الذوق الفني الأموي.
داخل السور الخارجي، يتكون قصر الحير الشرقي من عدة مبانٍ ووحدات عمرانية منفصلة تخدم أغراضاً مختلفة. يوجد القصر الداخلي الذي كان بمثابة المسكن الخاص للخليفة أو ممثله، وهو عبارة عن بناء مربع الشكل يتوسط المجمع تقريباً. هذا القصر الداخلي يتميز بتصميم دقيق يشمل ساحة مركزية تحيط بها الغرف والقاعات، وفق نمط معماري شائع في القصور الأموية.
المكونات العمرانية والوظائف المتعددة
المباني والمرافق الأساسية
يضم قصر الحير الشرقي مجموعة متنوعة من المباني والمرافق التي تعكس تعدد وظائفه وأدواره:
- المسجد: يحتوي المجمع على مسجد بُني وفق التصميم التقليدي للمساجد الأموية المبكرة، بمحراب ومئذنة صغيرة، مما يؤكد البعد الديني للحياة في القصر.
- الحمامات: توجد في قصر الحير الشرقي حمامات فخمة تعتمد على نظام التدفئة الأرضية (الهيبوكوست)، وهي دليل على الرفاهية والتأثيرات الرومانية البيزنطية.
- الإسطبلات والمخازن: خُصصت مساحات واسعة للإسطبلات ومخازن الحبوب والمؤن، مما يشير إلى الطابع الزراعي والاقتصادي للموقع.
- القاعات الكبرى: تضم عدة قاعات استقبال واسعة كانت تُستخدم للمناسبات الرسمية واستقبال الوفود والضيوف.
- الأبراج الدفاعية: منتشرة على محيط السور وتوفر نقاط مراقبة وحماية للمجمع بأكمله.
يكشف التنوع في المكونات العمرانية لقصر الحير الشرقي عن طبيعته المتعددة الوظائف، فهو لم يكن مجرد مقر إقامة للخليفة، بل كان مركزاً إدارياً واقتصادياً واجتماعياً متكاملاً. احتوى القصر على ورش عمل ومرافق إنتاجية متنوعة، إضافة إلى مرافق ترفيهية تعكس أسلوب الحياة الأموية الراقي.
تظهر الدراسات الأثرية أن قصر الحير الشرقي كان محاطاً بأراضٍ زراعية واسعة تم استصلاحها بفضل نظام الري المتطور. هذه الأراضي كانت تنتج محاصيل زراعية متنوعة وفرت الاكتفاء الذاتي للقصر وساكنيه، بل وساهمت في التجارة مع المناطق المجاورة.
الزخارف والعناصر الفنية
يحتل الجانب الفني والزخرفي مكانة بارزة في قصر الحير الشرقي، حيث تزخر جدرانه وأسقفه بنماذج فنية رائعة تعكس الإبداع الأموي في مجال الفنون التطبيقية. اشتملت الزخارف على نقوش جصية (Stucco) بارزة تغطي الجدران الداخلية والخارجية لبعض المباني، وتتضمن أشكالاً هندسية ونباتية وحيوانية متنوعة. تُعَدُّ هذه الزخارف من أجمل ما أنتجه الفن الإسلامي المبكر، وقد تأثرت بتقاليد فنية متعددة شملت الفنون الساسانية والبيزنطية والمحلية.
من أبرز العناصر الفنية في قصر الحير الشرقي اللوحات الجدارية (Frescoes) التي زينت بعض القاعات والغرف الخاصة. هذه اللوحات تصور مشاهد من الحياة اليومية، ومناظر طبيعية، وصوراً لحيوانات وطيور، مما يقدم شهادة بصرية ثمينة عن الثقافة البصرية الأموية. كما يحتوي قصر الحير الشرقي على أرضيات فسيفسائية ملونة تزين بعض الغرف والممرات، تتميز بدقة التنفيذ وجمال التصميم.
تم نقل العديد من القطع الفنية والمعمارية من قصر الحير الشرقي إلى المتحف الوطني في دمشق، حيث تُعرض واجهة المدخل الرئيس المزخرفة بكاملها، وهي تحفة فنية تبهر الزوار بتفاصيلها الدقيقة وتصميمها المتقن. هذه الواجهة تتضمن أقواساً مزخرفة، وأعمدة ملتوية، ونقوشاً كتابية بالخط الكوفي، ورسوماً تشكيلية متنوعة تعبر عن الغنى الفني للحضارة الإسلامية الأموية.
النظام المائي والهندسة الهيدروليكية
يشكل النظام المائي في قصر الحير الشرقي إنجازاً هندسياً استثنائياً يستحق الدراسة والتقدير، إذ تمكن المعماريون الأمويون من توفير المياه اللازمة لمجمع ضخم في بيئة صحراوية قاحلة. اعتمد هذا النظام على عدة مصادر ووسائل لجمع المياه وتخزينها وتوزيعها بكفاءة عالية. شمل النظام المائي لقصر الحير الشرقي سداً ضخماً بُني على بعد عدة كيلومترات من القصر لتجميع مياه الأمطار الموسمية، وقد كان هذا السد من أكبر المنشآت الهيدروليكية في العصر الأموي.
تمتد قنوات مائية طويلة من السد إلى قصر الحير الشرقي، حيث كانت تنقل المياه المجمعة إلى خزانات كبيرة داخل المجمع. هذه القنوات بُنيت بدقة هندسية تضمن تدفق المياه بالجاذبية، مع مراعاة الانحدارات المناسبة والحفاظ على سلامة المياه من التلوث. كما حُفرت آبار عميقة داخل قصر الحير الشرقي وحوله للوصول إلى المياه الجوفية، وهي كانت تمثل مصدراً احتياطياً مهماً للمياه.
يضم قصر الحير الشرقي أيضاً نظاماً لتوزيع المياه على مختلف المرافق والأنشطة، بدءاً من الاستخدامات المنزلية في المساكن والحمامات، مروراً بري الحدائق والبساتين الداخلية، وصولاً إلى ري الأراضي الزراعية المحيطة. هذا النظام المتكامل يعكس فهماً عميقاً لإدارة الموارد المائية الشحيحة وتعظيم الاستفادة منها في بيئة تحدي قاسية.
الأهمية الاقتصادية والاجتماعية
لعب قصر الحير الشرقي دوراً اقتصادياً بارزاً في المنطقة خلال العصر الأموي، فقد كان مركزاً لإدارة الأنشطة الزراعية والرعوية في البادية المحيطة. أسهمت الأراضي الزراعية التابعة للقصر في إنتاج محاصيل متنوعة، خاصة الحبوب والخضروات، كما كانت هناك أنشطة لتربية الماشية والخيول والإبل. هذه الأنشطة الاقتصادية وفرت موارد مالية مهمة للخزينة الأموية، وساهمت في تأمين احتياجات المنطقة من المنتجات الغذائية.
شكل قصر الحير الشرقي أيضاً محطة تجارية على طرق القوافل التي كانت تعبر البادية السورية، مما جعله نقطة التقاء للتجار والمسافرين. كان القصر يوفر الأمن والحماية للقوافل، إضافة إلى الماء والمؤن اللازمة لرحلاتهم. هذا الدور التجاري عزز الأهمية الاقتصادية لقصر الحير الشرقي وربطه بشبكة اقتصادية واسعة امتدت عبر مختلف أنحاء الدولة الأموية وخارجها.
من الناحية الاجتماعية، كان قصر الحير الشرقي مركزاً لحياة اجتماعية نشطة ومتنوعة، حيث أقام فيه الخليفة أو ممثلوه، إضافة إلى الحاشية والموظفين والحرفيين والخدم. هذا التجمع البشري المتنوع خلق مجتمعاً صغيراً نابضاً بالحياة في قلب الصحراء، وكان له أثر ثقافي واجتماعي على المنطقة بأسرها. كما استخدم قصر الحير الشرقي للاحتفالات والمناسبات الرسمية، ولاستقبال الوفود القبلية والرسمية، مما جعله مركزاً للنشاط السياسي والدبلوماسي أيضاً.
الاكتشافات الأثرية والبحوث العلمية
نتائج التنقيبات والدراسات
بدأ الاهتمام العلمي بقصر الحير الشرقي في مطلع القرن العشرين، وتكثفت أعمال التنقيب والبحث في العقود اللاحقة، مما أسفر عن اكتشافات أثرية مهمة وضعت هذا الموقع في صدارة المواقع الأموية المدروسة. من أبرز الاكتشافات في قصر الحير الشرقي:
- الواجهة المعمارية المزخرفة: التي نُقلت إلى المتحف الوطني بدمشق وأعيد تركيبها بدقة، وهي تمثل نموذجاً فريداً للفن المعماري الأموي.
- اللوحات الجدارية والفسيفساء: التي كشفت عن الثراء الفني والتأثيرات الثقافية المتنوعة التي امتزجت في الفن الأموي.
- النقوش الكتابية: التي قدمت معلومات تاريخية قيمة عن تاريخ بناء القصر والشخصيات المرتبطة به.
- الأدوات والأواني اليومية: التي أضاءت جوانب من الحياة اليومية في القصر وأنماط المعيشة في ذلك العصر.
- بقايا المنشآت الهيدروليكية: التي كشفت عن مدى تطور الهندسة المائية الأموية وقدرتها على التكيف مع البيئة الصحراوية.
أجرى باحثون من مختلف الجنسيات دراسات معمقة حول قصر الحير الشرقي، شملت التحليلات المعمارية والفنية والتاريخية. ساهمت هذه الدراسات في فهم أعمق لطبيعة القصور الصحراوية الأموية ووظائفها المتعددة، ودحضت بعض النظريات القديمة التي كانت تصف هذه القصور بأنها مجرد منتجعات ترفيهية للخلفاء.
كشفت الأبحاث الحديثة عن قصر الحير الشرقي أن هذا المجمع كان جزءاً من شبكة عمرانية أوسع في البادية السورية، ضمت مواقع أخرى مثل قصر الحير الغربي والرصافة وغيرها. هذه الشبكة تعكس رؤية إستراتيجية متكاملة لتنمية البادية واستثمارها اقتصادياً وسياسياً، وهو ما يضع قصر الحير الشرقي في سياق حضاري أوسع يتجاوز كونه مجرد بناء منفرد.
التأثيرات المعمارية والثقافية
يمثل قصر الحير الشرقي نموذجاً للتلاقح الحضاري والتأثيرات المعمارية المتبادلة في العصر الأموي، حيث يجمع تصميمه بين عناصر معمارية من تقاليد مختلفة. تظهر في القصر تأثيرات من العمارة الرومانية البيزنطية، خاصة في تصميم الحمامات ونظام التدفئة الأرضية، وفي استخدام الأقواس والأعمدة. كما تتجلى تأثيرات ساسانية في بعض الأشكال الزخرفية والعناصر الفنية، خاصة في تصوير الحيوانات والمخلوقات الأسطورية.
لكن قصر الحير الشرقي لم يكن مجرد مزيج من تأثيرات خارجية، بل تميز بهوية معمارية إسلامية أموية مستقلة تطورت من خلال دمج هذه التأثيرات وإعادة صياغتها بما يتناسب مع الاحتياجات الوظيفية والثقافية الجديدة. ظهرت هذه الهوية في التخطيط العام للقصر، وفي استخدام العناصر الزخرفية الإسلامية مثل الأرابيسك والخط العربي، وفي تصميم المسجد والمرافق الدينية.
أثر قصر الحير الشرقي بدوره على العمارة اللاحقة في المنطقة، حيث أصبح نموذجاً يُحتذى في بناء القصور والمجمعات الكبرى. انتقلت بعض الحلول المعمارية والهندسية المبتكرة التي طُبقت في القصر إلى مشاريع عمرانية أخرى في العصور العباسية واللاحقة، مما يؤكد تأثيره الممتد عبر الزمن.
من الناحية الثقافية، يعكس قصر الحير الشرقي انفتاح الحضارة الإسلامية المبكرة على الثقافات الأخرى وقدرتها على الاستفادة من الإرث الحضاري للشعوب التي دخلت تحت حكم الدولة الإسلامية. هذا الانفتاح لم يعنِ التخلي عن الهوية الإسلامية، بل على العكس، أسهم في إثراء هذه الهوية وتطويرها بما يتناسب مع التحديات والفرص الجديدة.
المقارنة مع القصور الأموية الأخرى
أوجه التشابه والاختلاف
عند مقارنة قصر الحير الشرقي مع قصور أموية أخرى، تبرز عدة نقاط تستحق الإشارة:
- من حيث الحجم: يُعَدُّ قصر الحير الشرقي الأكبر بين القصور الصحراوية الأموية، متفوقاً على قصر الحير الغربي وقصير عمرة وقصر المشتى من حيث المساحة الإجمالية.
- التعقيد الوظيفي: بينما ركزت بعض القصور على الوظيفة الترفيهية أو السكنية، جمع قصر الحير الشرقي بين وظائف إدارية وزراعية واقتصادية متعددة بشكل أكثر وضوحاً.
- النظام المائي: يتميز قصر الحير الشرقي بنظام مائي أكثر تطوراً وضخامة مقارنة بالقصور الأخرى، نظراً لحجمه الكبير واحتياجاته المائية الأكبر.
- الزخارف والفنون: رغم غنى الزخارف في قصر الحير الشرقي، إلا أن بعض القصور مثل قصير عمرة تميزت بلوحات جدارية أكثر اكتمالاً وحفظاً.
يتشارك قصر الحير الشرقي مع القصور الأموية الأخرى في السمات العامة مثل التخطيط المربع أو المستطيل، ووجود الأبراج الركنية، واحتواء مسجد داخل المجمع، واستخدام مواد البناء المحلية. لكن كل قصر يحمل خصوصيته التي تعكس موقعه الجغرافي ووظيفته المحددة والشخصية التي بنته أو استخدمته.
تشير الدراسات المقارنة إلى أن قصر الحير الشرقي كان الأكثر طموحاً من حيث المشروع العمراني الشامل، إذ لم يقتصر على مبنى القصر نفسه، بل شمل مشروعاً تنموياً متكاملاً ضم السد والقنوات المائية والأراضي الزراعية الواسعة، مما يجعله نموذجاً فريداً للتخطيط الإقليمي في العصر الأموي.
الحالة الراهنة وجهود الحفاظ على التراث
تعرض قصر الحير الشرقي عبر القرون لعوامل التعرية الطبيعية والإهمال البشري، مما أدى إلى تدهور كبير في حالته العامة. فقدت أجزاء كثيرة من الأسقف والجدران، وانهارت بعض الأبراج والمباني، وطمرت الرمال أجزاء من الموقع. رغم ذلك، لا تزال الأطلال الباقية تحتفظ بقدر كبير من قيمتها الأثرية والتاريخية، وتشهد على عظمة المشروع العمراني الأصلي.
شهد قصر الحير الشرقي في النصف الثاني من القرن العشرين جهوداً لتوثيقه وحمايته وترميم بعض أجزائه، قادتها المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية بالتعاون مع بعثات أثرية دولية. تم نقل الواجهة الرئيسة المزخرفة إلى المتحف الوطني بدمشق في ستينيات القرن الماضي كإجراء للحفاظ عليها من التدهور، وهو قرار أثار جدلاً بين المتخصصين حول أفضلية الحفاظ على الآثار في مواقعها الأصلية أو نقلها إلى المتاحف.
تواجه جهود الحفاظ على قصر الحير الشرقي تحديات متعددة، أبرزها الموقع النائي في البادية الذي يصعب الوصول إليه ومراقبته بشكل مستمر، والظروف المناخية القاسية التي تسرع من عمليات التآكل والتدهور، والحاجة إلى موارد مالية كبيرة لمشاريع الترميم والحفاظ الطموحة. أضافت الأوضاع الأمنية في سوريا خلال السنوات الأخيرة تحديات جديدة، حيث تعرضت المواقع الأثرية لمخاطر النهب والتدمير.
الأهمية الأكاديمية والبحثية
يحتل قصر الحير الشرقي مكانة مرموقة في الدراسات الأكاديمية المتعلقة بالعمارة الإسلامية المبكرة والحضارة الأموية، حيث يشكل حالة دراسية غنية للباحثين في مختلف التخصصات. يوفر القصر مادة بحثية قيمة لدراسة التطور المعماري، والتخطيط العمراني، وتقنيات البناء، والفنون التطبيقية، والحياة الاجتماعية والاقتصادية في العصر الأموي.
استفاد الباحثون من دراسة قصر الحير الشرقي في فهم آليات التكيف الحضاري مع البيئة الصحراوية، وكيفية إدارة الموارد المحدودة وتعظيم الاستفادة منها. كما أسهمت دراسات القصر في إعادة تقييم النظرة التقليدية للقصور الصحراوية باعتبارها مجرد منتجعات ترفيهية، والتأكيد على أدوارها الاقتصادية والإدارية والسياسية الأوسع.
يمثل قصر الحير الشرقي أيضاً مادة مرجعية لطلاب العمارة والآثار والتاريخ، حيث يُدرس في الجامعات والمعاهد المتخصصة كنموذج للإبداع المعماري الإسلامي. يتناول الباحثون المعاصرون القصر من زوايا متعددة، بما في ذلك دراسات الاستدامة البيئية التي تستلهم من الحلول الهندسية الأموية دروساً لمواجهة التحديات المعاصرة في المناطق القاحلة.
الخاتمة
يبقى قصر الحير الشرقي شاهداً حياً على عظمة الحضارة الإسلامية في عصرها الأموي، ودليلاً على قدرة الإنسان على التغلب على التحديات البيئية وتحويل الصحراء إلى مراكز عمرانية مزدهرة. يجمع هذا الصرح الأثري بين الجمال المعماري والوظيفية العملية، ويعكس رؤية حضارية متقدمة سعت إلى تنمية الأطراف ودمجها في النسيج الاقتصادي والاجتماعي للدولة. رغم مرور أكثر من ألف وثلاثمائة عام على بنائه، لا يزال قصر الحير الشرقي يثير الإعجاب والدهشة، ويقدم دروساً قيمة في التخطيط العمراني والهندسة المعمارية والإدارة البيئية.
تتطلب حماية قصر الحير الشرقي والحفاظ عليه للأجيال القادمة جهوداً مشتركة على المستويين الوطني والدولي، تشمل التوثيق الدقيق، والترميم المدروس، والحماية القانونية، والتوعية بأهمية هذا الإرث الإنساني الثمين. يمثل هذا القصر ثروة ثقافية وتاريخية لا تقدر بثمن، ليس لسوريا وحدها، بل للإنسانية جمعاء، وهو يستحق كل الجهود المبذولة لضمان بقائه واستمرار شهادته على حقبة مضيئة من تاريخ الحضارة الإسلامية.




