بئر الهمل: سجل أثري يمتد لمليوني عام في قلب البادية السورية

مقدمة: أهمية موقع بئر الهمل في دراسات ما قبل التاريخ
يُعدّ موقع بئر الهمل الأثري، الواقع في قلب البادية السورية، أحد أهم المواقع العالمية لدراسة عصور ما قبل التاريخ، وتحديداً العصر الحجري القديم (الباليوليت). يقدم هذا الموقع سجلاً طبقياً (ستراتيغرافياً) شبه متكامل يمتد لأكثر من 1.8 مليون سنة، مما يجعله نافذة فريدة من نوعها على التطورات الثقافية والبيئية التي شهدتها منطقة المشرق الأدنى. إن الاكتشافات المتتالية في بئر الهمل لم تساهم فقط في فهم التسلسل الزمني للصناعات الحجرية في سوريا، بل أضافت أيضاً صناعات جديدة إلى السجل الأثري العالمي، أبرزها “الصناعة الهملية” التي سُميت تيمناً بالموقع. تمثل دراسة موقع بئر الهمل ركيزة أساسية لفهم هجرات الإنسان القديم وتكيفه مع البيئات المتغيرة عبر مئات آلاف السنين. إن غنى وتنوع اللقى الأثرية المكتشفة في بئر الهمل يضعه في مصاف المواقع المرجعية الكبرى في علم آثار ما قبل التاريخ، حيث يوفر التسلسل الطويل في بئر الهمل بيانات لا تقدر بثمن للباحثين في مجالات الأنثروبولوجيا والجيولوجيا وعلم المناخ القديم.
تاريخ الاكتشاف والبحث الأثري في موقع بئر الهمل
يمتد تاريخ البحث الأثري في موقع بئر الهمل على مدى عدة عقود، شهد خلالها تطورات مهمة في فهمنا لأهميته. أُشير إلى الموقع للمرة الأولى في عام 1966م من قبل العالم بوكسولاتي (Buxulati)، الذي أطلق عليه في ذلك الوقت اسم “بئر أونيسي”. ظل الموقع يحمل هذا الاسم حتى تحول الاهتمام العلمي إليه بشكل أكثر تركيزاً.
في صيف عام 1980م، حدثت نقطة تحول محورية في تاريخ أبحاث الموقع، حيث قام جاك كوفان (Jacques Cauvin)، الذي كان يشغل منصب مدير البعثة الأثرية الدائمة في منطقة الكوم، بدعوة فريق البحث 438. كان هذا الفريق يعمل تحت إشراف الجيومورفولوجي البارز بول سانلافيل (Paul Sanlaville)، وضم نخبة من المتخصصين، منهم الجيومورفولوجي جاك بوزانسون (Jacques Besançon)، وباحثو ما قبل التاريخ لورين كوبلاند (Lorraine Copeland)، وفرنسيس أور (Francis Hours)، وسلطان محيسن. كانت المهمة الأساسية لهذا الفريق هي دراسة الجيومورفولوجيا المعقدة لحوضة الكوم، ومتابعة الأعمال التي بدأت منذ عام 1978م في مواقع الباليوليت الأخرى المنتشرة في الحوضة.
خلال أعمال هذا الفريق في عام 1980م، تم اتخاذ قرار بإعادة تسمية الموقع ليحمل اسمه الحالي، بئر الهمل. لم يكن هذا التغيير مجرد تغيير في التسمية، بل كان إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من البحث العلمي المكثف. وفي العام التالي مباشرة، أي في عام 1981م، حقق الفريق إنجازاً علمياً كبيراً تمثل في اكتشاف مجموعة فريدة من الصناعات الحجرية التي لم تكن معروفة من قبل، والتي تُعرف اليوم باسم “الصناعات الهملية”، نسبةً إلى موقع بئر الهمل الذي اكتُشفت فيه لأول مرة.
تواصلت الأبحاث في السنوات اللاحقة، ففي الأعوام 1982 و1983 و1985م، قام جان ماري لوتنسورير (Jean-Marie Le Tensorer)، بتكليف من فرنسيس أور، بإجراء عدة دراسات متعمقة للستراتيغرافيا والترسبات في موقع بئر الهمل، مما ساهم في بناء فهم أولي للتتابع الطبقي المعقد للموقع. بعد فترة من التوقف، عاد الاهتمام بموقع بئر الهمل مجدداً في عام 1997م، عندما قام سلطان محيسن بإعادة دراسة الموقع، حيث تم تنظيف المقطع الستراتيغرافي بعناية وأُخذت عينات جديدة للتحليل بالتعاون مع لوتنسورير، مما مهد الطريق لمرحلة التنقيبات المنهجية.
بدأت مرحلة التنقيبات الفعلية في موقع بئر الهمل في عام 1999م من قبل البعثة الأثرية السورية-السويسرية المشتركة، تحت إشراف جان ماري لوتنسورير، واستمرت هذه الأعمال بشكل منتظم حتى عام 2011م. لقد أثمرت هذه الجهود الطويلة والمكثفة في موقع بئر الهمل عن الكشف عن مشهد ثقافي غني ومتنوع بشكل استثنائي، حيث كشفت التنقيبات عن تتابع حضاري يمتد تاريخه لأكثر من 1.8 مليون سنة قبل الميلاد. إن هذه المسيرة البحثية الطويلة تؤكد المكانة الفريدة التي يحتلها بئر الهمل في السجل الأثري العالمي.
البنية الجيولوجية والستراتيغرافية لموقع بئر الهمل
تكمن الأهمية الاستثنائية لموقع بئر الهمل في بنيته الجيولوجية والستراتيغرافية الفريدة، التي حفظت سجلاً شبه متواصل للاستيطان البشري والتحولات البيئية على مدى فترة زمنية هائلة. تركزت أعمال البحث والتنقيب في موقع بئر الهمل على منطقتين رئيسيتين، أظهرت الدراسات أنهما تحتويان على نوعين مختلفين من الترسبات، مما يعكس تاريخاً جيولوجياً معقداً. هاتان المنطقتان هما: التلة المركزية، ومحيط التلة المركزية.
التلة المركزية
تمثل التلة المركزية في موقع بئر الهمل نواة أثرية مهمة. هي عبارة عن تكوين جيولوجي مؤلف من ستة مستويات رئيسية من الترسبات. على الرغم من أن عدد طبقاتها أقل مقارنة بمحيطها، إلا أنها تحتوي على لقى أثرية بالغة الأهمية، تعود بشكل أساسي إلى ثقافتين رئيسيتين من العصر الحجري القديم الأوسط: الصناعات الهملية، والصناعات الموستيرية. يشير وجود هذه الصناعات في التلة المركزية إلى أن هذه المنطقة من بئر الهمل كانت نقطة جذب للاستيطان خلال فترات محددة من البليستوسن الأوسط.
محيط التلة المركزية
تُعدّ منطقة محيط التلة المركزية الجزء الأكثر أهمية وإثارة للدراسة في موقع بئر الهمل، حيث تحتوي على أعمق وأكمل تتابع طبقي. تتألف المنطقة التي تم تنقيبها من مقطع عمودي يبلغ سمكه حوالي 15 متراً من الترسبات، ويحتوي على عدد كبير جداً من الطبقات الأثرية المتراكمة فوق بعضها البعض. يمتد هذا التتابع الزمني من عصر الهولوسين (العصر الحديث) في الأعلى، وصولاً إلى البليستوسين القديم في الأسفل، مغطياً بذلك فترة زمنية تقارب المليوني عام.
لغايات الدراسة والتحليل، قام الباحثون في موقع بئر الهمل بتقسيم هذا المقطع الستراتيغرافي الضخم إلى 25 مجموعة من الترسبات (Groups)، تم ترتيبها من الأحدث (في الأعلى) إلى الأقدم (في الأسفل). يقدم هذا التقسيم إطاراً منهجياً واضحاً لفهم تطور الثقافات البشرية والبيئات القديمة في بئر الهمل.
تحليل الطبقات الأثرية في محيط التلة المركزية لموقع بئر الهمل
يقدم التتابع الطبقي في محيط التلة المركزية لموقع بئر الهمل رحلة عبر الزمن، تكشف عن مراحل متعاقبة من الاستيطان البشري. فيما يلي عرض مفصل لهذه المجموعات الـ 25، من الأحدث إلى الأقدم:
- المجموعتان 1 و 2 (عصر الهولوسين): تحتوي المجموعة 1 على ترسبات تعود لعصر الهولوسين، وتضم لقى أثرية من العصور التاريخية. أما المجموعة 2، فتعود أيضاً للهولوسين، ولكنها تحتوي على لقى أثرية تعود لنهاية عصور ما قبل التاريخ. تمثل هاتان المجموعتان الطبقات العليا والأحدث في موقع بئر الهمل.
- المجموعة 3 (الانتقال بين البليستوسين والهولوسين): تحتوي هذه المجموعة على ترسبات من بداية عصر الهولوسين وأيضاً من نهاية عصر البليستوسين، وتتركز بشكل خاص في القطاعين الغربي والشمالي للموقع. اللقى الأثرية هنا مهمة للغاية، حيث تضم صناعات حجرية تعود للعصر الحجري القديم الأعلى، بالإضافة إلى صناعات تمثل نهاية العصر الحجري القديم الأوسط. توثق هذه الطبقة في بئر الهمل فترة انتقالية حاسمة.
- المجموعة 4 (العصر الحجري القديم الأعلى): تتكون هذه المجموعة من ترسبات تعود لعصر البليستوسين. تم العثور في القطاع الجنوبي من هذه الطبقة على صناعات حجرية تنتمي إلى الثقافة الأورينياسية المشرقية (Levantine Aurignacian)، وهي من ثقافات العصر الحجري القديم الأعلى. تتميز هذه الصناعات في بئر الهمل من الناحية التكنولوجية بالاستخدام الواسع لتقنية تقصيب النصال (Blade production). أما من الناحية التيبولوجية (دراسة أشكال الأدوات)، فتتميز باحتوائها على أدوات مميزة مثل النصال الأورينياسية والمقاشط والأزاميل.
- المجموعة 5 (العصر الحجري القديم الأوسط – المرحلة الحديثة): تعود ترسبات هذه المجموعة إلى عصر البليستوسين، وتضم صناعات حجرية تمثل المرحلة الحديثة من العصر الحجري القديم الأوسط. تُنسب هذه الصناعات إلى الثقافة الموستيرية المشرقية، وتحديداً نموذج “الطابون B”. تتميز هذه الصناعات المكتشفة في بئر الهمل بالاستخدام الكثيف لتقنية التقصيب اللفلوازي (Levallois technique). تيبولوجياً، تتميز بأدواتها اللفلوازية-الموستيرية القصيرة ذات الشكل المثلثي والقاعدة العريضة، وهي سمة مميزة لهذه المرحلة.
- المجموعتان 6 و 7 (العصر الحجري القديم الأوسط – الثقافة الهملية): هاتان المجموعتان، العائدتان لعصر البليستوسين، لهما أهمية خاصة لأنهما تحتويان على الصناعات الحجرية التي أعطت موقع بئر الهمل اسمه وشهرته. تنتمي هذه الصناعات إلى المرحلة القديمة 2 من العصر الحجري القديم الأوسط، وتُعرف بالثقافة الهملية (Hummalian). السمة الأساسية لهذه الصناعات هي احتواؤها على أدوات مميزة جداً، أبرزها “الحراب الهمّلية” (Hummalian points) والمقاحف (Scrapers)، مما يميزها عن الثقافات الأخرى المعاصرة لها. إن اكتشاف هذه الثقافة في بئر الهمل أضاف فصلاً جديداً لتاريخ المشرق القديم.
- المجموعات من 8 إلى 12 (العصر الحجري القديم الأوسط – الثقافة اليبرودية): تحتوي هذه المجموعات الخمس، التي تعود أيضاً لعصر البليستوسين، على صناعات حجرية تنتمي إلى المرحلة القديمة 1 من العصر الحجري القديم الأوسط، وتُعرف بالثقافة اليبرودية (Yabrudian). تتميز الصناعات اليبرودية في بئر الهمل بوجود المقاحف السميكة، التي غالباً ما تكون مشكلة من حد عامل مفرد (جانبي أو عرضاني)، وأحياناً من حدين عاملين متقاربين. طريقة التشكيل المميزة لهذه الأدوات هي التشذيب الحرشفي المتدرج (scaled retouch)، وهي بصمة تكنولوجية لهذه الثقافة.
- المجموعات من 13 إلى 15 (العصر الحجري القديم الأدنى): ننتقل هنا إلى فترة أقدم، وهي العصر الحجري القديم الأدنى. تحتوي هذه المجموعات، العائدة للبليستوسين، على صناعات حجرية أشولية أو أشولية-تياسية (Acheulo-Tayacian). من السمات البارزة لهذه الصناعات في موقع بئر الهمل ندرة الفؤوس الحجرية (Hand-axes)، التي عادة ما تكون شائعة في المواقع الأشولية. وتتشابه هذه الصناعات مع تلك المكتشفة في نموذج “الطابون G” في فلسطين، مما يشير إلى وجود روابط ثقافية إقليمية.
- المجموعات من 16 إلى 21 (الباليوليت العتيق – ثقافة الأولدوان): تمثل هذه المجموعات الطبقات الأقدم التي تحتوي على أدوات حجرية واضحة في موقع بئر الهمل، وتعود إلى بداية العصر الحجري القديم، أو ما يُعرف بـ”الباليوليت العتيق”. تضم هذه الطبقات صناعات حجرية تعود للمرحلة المتطورة من ثقافة الأولدوان (Developed Oldowan)، وتحديداً في الطبقتين 17 و 18. تتميز هذه الصناعات الأولدوانية في بئر الهمل باستخدام مبدأ التشكيل البسيط في التصنيع، واحتوائها على رقائق غير مشذبة لكنها تحمل في بعض الأحيان آثار استخدام. كما تتميز بحضور أدوات مميزة مثل القواطع الأحادية والثنائية الجانب (Choppers and chopping tools)، والقواطع المتعددة الجوانب شبه الكروية (Polyhedrons)، وأدوات على شكل نواة (Core-scrapers). إن وجود هذه الصناعات في بئر الهمل يعتبر من أقدم الأدلة على وجود الإنسان في منطقة المشرق.
- المجموعات من 22 إلى 25 (الطبقات العميقة): تمثل هذه المجموعات أعمق الترسبات التي تم الوصول إليها في موقع بئر الهمل. تعود هذه الترسبات العميقة إلى عصر البليستوسين، وقد عُثر فيها على بعض الرقائق الحجرية غير المشذبة، والتي قد تمثل أولى البصمات الخجولة للوجود البشري في موقع بئر الهمل، أو قد تكون ناتجة عن عمليات طبيعية.
الصناعات الحجرية المميزة في بئر الهمل: من الأولدوان إلى الموستيري
إن السجل الأثري الطويل في بئر الهمل يسمح لنا بتتبع تطور التكنولوجيا الحجرية على مدى مئات آلاف السنين في مكان واحد. من أبرز ما يميز بئر الهمل هو احتواؤه على سلسلة من الصناعات الحجرية التي تمثل مراحل مفصلية في تاريخ البشرية. فمنذ أقدم الطبقات، يقدم بئر الهمل دليلاً على وجود ثقافة الأولدوان المتطور، والتي تُعد من أقدم التقنيات الحجرية التي استخدمها الإنسان القديم خارج إفريقيا. الأدوات البسيطة كالقواطع والرقائق غير المشذبة في هذه الطبقات من بئر الهمل تشير إلى سلوكيات مبكرة لأسلافنا في معالجة الموارد.
مع الانتقال إلى الأعلى في التتابع الطبقي لموقع بئر الهمل، نجد الصناعات الأشولية-التياسية، التي تظهر تطوراً تكنولوجياً، وإن كانت تفتقر إلى الفؤوس الحجرية الكلاسيكية، مما يطرح أسئلة حول التنوع الإقليمي للثقافة الأشولية. لكن الأهمية الكبرى لموقع بئر الهمل تتجلى بوضوح في طبقات العصر الحجري القديم الأوسط.
تبرز هنا الثقافة اليبرودية، بمقاحفها السميكة والمصنعة بدقة، كدليل على وجود مجموعات بشرية متخصصة في أنشطة معينة، ربما تتعلق بمعالجة جلود الحيوانات أو الأخشاب. لكن تبقى “الثقافة الهملية” هي الإسهام الأبرز لموقع بئر الهمل في علم الآثار العالمي. هذه الثقافة، التي تقع زمنياً بين اليبرودية والموستيرية، تتميز بحرابها المصممة بعناية، والتي قد تكون من أقدم الأدلة على استخدام رؤوس الرماح الحجرية في الصيد المنظم. إن دراسة هذه الصناعة في موقعها الأصلي، بئر الهمل، أمر حيوي لفهم هذه المرحلة الانتقالية الهامة.
أخيراً، توفر الطبقات الموستيرية والأورينياسية في بئر الهمل سجلاً قيماً للانتقال من العصر الحجري القديم الأوسط (المرتبط بالنياندرتال) إلى العصر الحجري القديم الأعلى (المرتبط بالإنسان العاقل). إن وجود هاتين الثقافتين في نفس الموقع يسمح بإجراء دراسات مقارنة حول التكنولوجيا والسلوك بين هذين النوعين من البشر. وهكذا، فإن كل طبقة في موقع بئر الهمل تروي فصلاً من قصة التطور البشري الطويلة والمعقدة.
خاتمة: بئر الهمل كأرشيف عالمي للتاريخ البشري
في الختام، لا يمكن المبالغة في تقدير أهمية موقع بئر الهمل الأثري. إنه ليس مجرد موقع أثري سوري، بل هو أرشيف عالمي ذو أهمية قصوى لفهم تاريخنا البشري العميق. إن التتابع الستراتيغرافي الذي يمتد لما يقارب المليوني عام، والذي تم الكشف عنه في بئر الهمل، يقدم سجلاً لا مثيل له للاستيطان البشري المستمر تقريباً في منطقة جغرافية واحدة. لقد ساهمت الأبحاث في بئر الهمل في إعادة كتابة فصول من تاريخ العصر الحجري القديم في المشرق، وأضافت ثقافات جديدة كلياً إلى معرفتنا، وأبرزها الثقافة الهملية. إن استمرار دراسة وتحليل المواد المكتشفة في بئر الهمل سيبقى، بلا شك، مصدراً رئيسياً للمعلومات حول كيفية تكيف أسلافنا، وتطور تقنياتهم، وانتشارهم عبر القارات. يظل بئر الهمل شاهداً صامتاً وعميقاً على رحلة البشرية الطويلة في قلب البادية السورية.




