سورية الحديثة

الكتلة الوطنية في سوريا: كيف شكّلت ملامح النضال السياسي ضد الانتداب؟

ما الذي جعل الكتلة الوطنية رمزاً للكفاح الوطني في المشرق العربي؟

تحتل الكتلة الوطنية في سوريا مكانة خاصة ومتميزة في ذاكرة الشعب السوري والعربي؛ إذ مثّلت نموذجاً فريداً من النضال السياسي المنظّم ضد الهيمنة الاستعمارية. لقد شكّلت هذه الحركة حجر الزاوية في صناعة الدولة السورية الحديثة، وأسهمت بشكل فعّال في تحقيق الاستقلال وبناء المؤسسات الوطنية بعد عقود من الاحتلال الفرنسي.

ما هي الجذور التاريخية لتأسيس الكتلة الوطنية في سوريا؟

أُعلن ميلاد الكتلة الوطنية في سوريا رسمياً عام 1928، عندما اجتمع السياسيون السوريون قبيل موعد انتخابات الجمعية التأسيسية. كانت هذه اللحظة التاريخية نتاجاً لتراكمات سياسية وكفاحية طويلة امتدت عبر سنوات الصراع ضد الدولة العثمانية أولاً، ثم ضد الانتداب الفرنسي الذي فُرض على سوريا منذ عام 1920.

جاء تأسيس الكتلة كاستجابة منطقية لحاجة الشعب السوري إلى كيان سياسي موحّد وقادر على مواجهة الاحتلال بأساليب سلمية ومنظّمة. كان تشكيل الكتلة الوطنية رداً على قمع الثورة السورية الكبرى التي انطلقت عام 1925 واستطاع الفرنسيون قمعها عام 1927، حيث رأى المؤسسون أن نيل الاستقلال والوحدة يمكن تحقيقه بالوسائل السلمية بدلاً من المقاومة المسلحة. في سياق تلك المرحلة المضطربة، شعر القادة الوطنيون بأن الكفاح المسلح وحده لم يعد كافياً لتحقيق الأهداف الوطنية؛ إذ أدركوا ضرورة تنظيم العمل السياسي عبر مؤسسة جامعة تضم مختلف التيارات الوطنية.

شملت الكتلة الوطنية التي أسسها الأتاسي إقطاعيين ومحامين وموظفين وطلاباً، أي جميع شرائح المجتمع السوري، ليس فقط في حدود دمشق وحلب، بل أيضاً في اللاذقية والسويداء ومناطق أخرى. كان هذا التنوع في التركيبة الاجتماعية للكتلة يعكس طموحاً حقيقياً لتمثيل مختلف فئات الشعب السوري، بعيداً عن الانحيازات الضيقة أو المصالح الفئوية. فهل كان هذا التنوع نقطة قوة أم أنه حمل في طياته بذور الخلافات المستقبلية؟ الواقع أن كليهما صحيح، فقد أكسبها التنوع قاعدة شعبية واسعة، لكنه أيضاً خلق صراعات داخلية بين التيارات المختلفة.


اقرأ أيضاً: سورية: الثقافة والتاريخ والتحديات المعاصرة


من هم القادة الأبرز الذين شكّلوا قيادة الكتلة الوطنية؟

اختير هاشم الأتاسي رئيساً للكتلة عند تأسيسها عام 1928 وحتى انتخابه رئيساً للجمهورية عام 1936؛ ومن قيادات الكتلة البارزة كانت جميل مردم بيك وسعد الله الجابري ومحمد الرفاعي ونسيب البكري وإبراهيم هنانو وفخري الباروذي وفارس الخوري ومحمد الأشمر وأحمد الكيالي ولطفي الحفار وشكري القوتلي.

لقد شكّل هاشم الأتاسي العمود الفقري لهذه التجربة الوطنية؛ فهو الرجل الذي يُلقّب بـ”أبو الدستور” و”أبو الجمهورية” نظراً لدوره المحوري في صياغة الدستور السوري وفي قيادة البلاد نحو الاستقلال. ولم تكن قيادته مجرد دور شكلي أو رمزي، بل كانت قيادة فعلية ترجمت نفسها في سلوك سياسي متزن وملتزم بالمبادئ الدستورية والديمقراطية.

إلى جانب الأتاسي، برز شكري القوتلي كواحد من أهم قادة الكتلة، والذي أصبح فيما بعد رئيساً للجمهورية مرتين. كما لعب فارس الخوري، المسيحي الوحيد الذي وصل إلى رئاسة الوزراء في سوريا، دوراً مهماً في إضفاء طابع الوحدة الوطنية على الكتلة؛ إذ جسّد رمزاً للتعايش بين مختلف مكونات المجتمع السوري. وكذلك سعد الله الجابري الذي كان له دور حاسم في المفاوضات مع الفرنسيين، وجميل مردم بيك الذي ترأس أول حكومة كتلوية عام 1936.

ومما يلفت النظر أن معظم قادة الكتلة الوطنية في سوريا كانوا من العائلات الإقطاعية الثرية التي امتلكت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية. وصف بعض المؤرخين حكم الكتلة بأنه حكم الطبقة الأرستقراطية، مما شكّل إحدى السلبيات التي وُجّهت إلى عهد الجمهورية الأولى. بينما شكّل هذا الأمر موضع نقد من قِبل القوى اليسارية والإصلاحية، فإن وجود هؤلاء القادة من العائلات المرموقة أعطى الكتلة ثقلاً اجتماعياً وسياسياً كبيراً في مواجهة الانتداب الفرنسي.


اقرأ أيضاً: رؤساء سوريا منذ الاستقلال حتى انتصار الثورة السورية


كيف واجهت الكتلة الوطنية الانتداب الفرنسي؟

ظلت الكتلة الوطنية في سوريا في صفوف المعارضة خلال المرحلة الأولى من حياتها السياسية. في انتخابات 1932 التي اتُهمت سلطات الانتداب بتزوير نتائجها في بعض الدوائر، حققت الكتلة نتائج جيدة وساهمت في إيصال محمد علي العابد إلى سدة الرئاسة، وشاركت في حكومة حقي العظم بنصف المقاعد، لكنها انقلبت على الحكومة على إثر الخلاف حول معاهدة السلم والصداقة مع فرنسا التي طُرحت عام 1933.

فقد رفضت الكتلة المعاهدة التي قدمتها فرنسا لأنها لم تلبِّ الطموحات الوطنية الكاملة للشعب السوري. بالمقابل، رأت فرنسا أن الكتلة تمثل خطراً على مصالحها الاستعمارية، فعمدت إلى ملاحقة قادتها واعتقالهم. لكن الكتلة ردّت بإعلان الإضرابات الشعبية التي هزّت أركان الانتداب.

ظلت الكتلة في المعارضة حتى عام 1936، فمع وفاة إبراهيم هنانو انطلق الإضراب الستيني بناءً على دعوة رجال من الكتلة الذين اعتُقل أغلبهم من قبل سلطات الانتداب، وحُظر نشاط الكتلة وأُغلقت مكاتبها في دمشق وحلب. كان الإضراب الستيني (الذي دام في الواقع خمسين يوماً) حدثاً فارقاً في تاريخ المجتمع السوري؛ إذ أثبت قدرة الكتلة على تعبئة الجماهير وتنظيم المقاومة السلمية ضد المحتل.

أمام استمرار الإضراب والضغط الدولي المتزايد، اضطرت فرنسا للتراجع والقبول بالدخول في مفاوضات مع الكتلة. مع استمرار الإضراب، قبل الفرنسيون للمرة الأولى مفاوضة الكتلة الوطنية التي شكلت وفداً برئاسة هاشم الأتاسي سافر إلى فرنسا للتوصل إلى اتفاقية نهاية الانتداب. وهنا يمكن القول إن الكتلة نجحت في تحقيق ما عجزت عنه الثورات المسلحة: إجبار المستعمر على الجلوس إلى طاولة المفاوضات والاعتراف بالحقوق الوطنية.

ما قصة معاهدة الاستقلال السورية الفرنسية عام 1936؟

في مارس 1936، توجه وفد الكتلة الوطنية إلى باريس للتفاوض مع الحكومة الفرنسية، وترأس الوفد هاشم الأتاسي، واستمرت المفاوضات ستة أشهر حتى سبتمبر 1936. كانت هذه المفاوضات مرحلة دقيقة وحساسة في تاريخ الكتلة؛ إذ كانت الآمال الوطنية معقودة على نجاحها في انتزاع الاستقلال من الفرنسيين.

نصّت المعاهدة السورية الفرنسية على استقلال البلاد وإخراجها من دائرة الدول المنتدب عليها من قبل فرنسا، وعقد صداقة وتحالف بين البلدين. بدت المعاهدة في ظاهرها انتصاراً كبيراً للكتلة؛ إذ حققت بالوسائل السلمية ما كان يبدو مستحيلاً. غير أن الواقع كان أكثر تعقيداً؛ فبينما صدّق البرلمان السوري على الاتفاقية في ديسمبر 1936، إلا أن البرلمان الفرنسي لم يصدّق عليها.

اقرأ أيضاً:  سورية: بلد التاريخ والثقافة

لماذا رفضت فرنسا التصديق على معاهدة وقّعها ممثلوها؟ كانت العوامل الدولية والإقليمية حاضرة بقوة. فقد كانت أوروبا على أعتاب الحرب العالمية الثانية، وكانت فرنسا تواجه ضغوطاً داخلية من اللوبي الاستعماري الذي رأى في الانسحاب من سوريا خسارة إستراتيجية. بالإضافة إلى ذلك، واجهت المفاوضات تحديات من جماعات محلية ترى أن مصالحها مهددة بقيام دولة سورية موحدة ومستقلة.

على الرغم من ذلك، أفضت المفاوضات إلى وحدة البلاد السورية، وأُجريت انتخابات أحرز الكتلويون فيها أغلبية المقاعد للمرة الأولى، وانتُخب على إثرها هاشم الأتاسي رئيساً، وشُكلت حكومة كتلوية خالصة برئاسة جميل مردم، وأصبح فارس الخوري رئيساً لمجلس النواب، وبذلك سيطرت الكتلة على مفاصل الحياة السياسية في سوريا. كانت هذه المرة الأولى التي تسيطر فيها الكتلة بشكل كامل على السلطة، وكان ذلك إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من البناء الوطني.


اقرأ أيضاً: الهوية السورية: مكوناتها وتاريخها وتحدياتها


ما هي التحديات التي واجهت حكم الكتلة الوطنية؟

لم يكن الطريق ممهداً أمام الكتلة الوطنية في سوريا بعد وصولها إلى السلطة عام 1936. أصيب حكم الكتلة بعدة نكسات، فقد رفضت فرنسا التصديق على معاهدة الاستقلال، واحتلت تركيا لواء إسكندرون بمباركة فرنسية بعد أن أعاد الانتداب فصله عن سوريا وإعلانه منطقة ذات حكم خاص، وصدرت عدة تقارير تفيد بفساد وزراء من الكتلة وتفضيل الموظفين الكتلويين على سواهم.

إن قضية لواء إسكندرون (Alexandretta – Hatay) تركت جرحاً غائراً في الذاكرة الوطنية السورية. فقد شعرت الكتلة بالعجز أمام التواطؤ الفرنسي-التركي على اقتطاع جزء من الأراضي السورية وإلحاقه بتركيا. وهنا تجلّت محدودية سلطة الحكومة الكتلوية؛ إذ كانت فرنسا لا تزال تمتلك السلطة الفعلية من خلال المفوض السامي الفرنسي.

في إثر سلخ اللواء والأزمة التي أثارها نازحو اللواء وأعمال الشغب التي اندلعت في دمشق، استقال هاشم الأتاسي عام 1939، وعلّق الفرنسيون العمل بالدستور مع اندلاع الحرب العالمية الثانية وتشكيل حكومة مديرين ممالئة للانتداب برئاسة بهيج الخطيب، وبذلك عادت الكتلة إلى المعارضة. برأيكم، هل كانت استقالة الأتاسي تعبيراً عن الشرف السياسي أم عن الضعف؟ الإجابة هي أنها كانت تعبيراً عن التزامه بالمبادئ؛ فقد رفض أن يكون غطاءً لسياسات فرنسية تنتهك سيادة سوريا وأراضيها.

كيف أثّرت الحرب العالمية الثانية على مسار الكتلة الوطنية؟

خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، كانت الكتلة من المتعاطفين مع المحور النازي كغيرها من القوى السياسية العربية، نتيجة معاداة النازية للحركة الصهيونية وخيبة الأمل من فرنسا وبريطانيا بسبب نكوثهما بوعودهما، غير أن هذا الموقف تغير بعد دخول البلاد بيد الجيش البريطاني وقوات فرنسا الحرة عام 1941.

انظر إلى كيف كانت المرحلة معقدة وملتبسة، فقد وجدت الكتلة نفسها في موقف صعب أمام تحالفات دولية متصارعة. ومع دخول قوات فرنسا الحرة بقيادة الجنرال ديغول إلى دمشق، أُعلن استقلال سوريا ولبنان عام 1941، لكن ذلك الاستقلال ظل شكلياً إلى حد كبير.

في عام 1943 وبعد حسم المعارك في الشرق الأوسط لمصلحة الحلفاء، نُظمت انتخابات نيابية أفضت إلى فوز الكتلة مجدداً بأغلبية مقاعد البرلمان، وأوصلت شكري القوتلي إلى رئاسة الجمهورية ليكون الرئيس الكتلوي الثاني للبلاد، وفي الوقت نفسه شكل سعد الله الجابري حكومة كتلوية وانتُخب فارس الخوري رئيساً لمجلس النواب. بذلك عادت الكتلة إلى السلطة في ظروف أقل تعقيداً من المرة السابقة، وبدأت في مواصلة الكفاح من أجل الاستقلال الكامل وإخراج القوات الأجنبية من البلاد.


اقرأ أيضاً: تاريخ المعارك في سوريا


ما الانقسامات التي ظهرت داخل الكتلة الوطنية؟

لم تكن الكتلة الوطنية في سوريا كتلة متجانسة تماماً؛ بل ضمت تيارات مختلفة في رؤاها وتوجهاتها. ظهر انشقاق واضح وبروز تيارين في الكتلة الوطنية: التيار الراديكالي الموالي لبريطانيا والهاشميين بقيادة عبد الرحمن الشهبندر، والتيار الليبرالي الذي سعى إلى أن تكون سوريا أكثر استقلالية بقيادة شكري القوتلي.

كان عبد الرحمن الشهبندر شخصية مثيرة للجدل في التاريخ السوري؛ فهو طبيب وسياسي ذو نزعة قومية عربية قوية، وكان يرى أن مستقبل سوريا يكمن في ارتباطها بمشروع الوحدة العربية تحت قيادة هاشمية. على النقيض من ذلك، كان شكري القوتلي يميل إلى رؤية أكثر استقلالية، يرى فيها سوريا دولة قائمة بذاتها ذات سيادة كاملة.

بعد حادثة اغتيال عبد الرحمن الشهبندر التي اتُهمت الكتلة الوطنية بها رغم تبرئتها لاحقاً، قام أنصار كل تيار بإنشاء حزب، فكان حزب الشعب بقيادة رشدي كيخيا وناظم القدسي، والحزب الوطني بقيادة شكري القوتلي. كانت هذه اللحظة نقطة تحول جوهرية؛ فقد انقسمت الكتلة الموحدة إلى حزبين متنافسين، ودخلت الحياة السياسية السورية مرحلة جديدة من التعددية الحزبية والمنافسة الانتخابية.

كيف كانت علاقة الكتلة الوطنية بالطوائف والمناطق السورية المختلفة؟

  • التمثيل الجغرافي: كانت شعبية الكتلة تتركز في دمشق ودرعا والقنيطرة والسويداء، بينما كانت حلب وحمص وحماة من أنصار حزب الشعب.
  • الانفتاح الطائفي: ضمت الكتلة شخصيات من مختلف الطوائف السورية، وكان فارس الخوري المسيحي رمزاً للتعايش الوطني.
  • الجهود الوحدوية: سعت الكتلة إلى إعادة توحيد المناطق السورية التي قسّمها الفرنسيون إلى دويلات صغيرة، بما في ذلك دولة جبل العلويين ودولة جبل الدروز.
اقرأ أيضاً:  من هو توفيق الشيشكلي وكيف تحول من طبيب عيون إلى زعيم وطني يقود الجماهير؟

لقد حاولت الكتلة أن تقدّم نموذجاً وطنياً جامعاً يتجاوز الانتماءات الطائفية والمناطقية. غير أن التوزّع الجغرافي لشعبيتها يعكس واقعاً اجتماعياً وتاريخياً معقداً، كما أن سياساتها لم تكن دائماً موفقة في كسب ثقة جميع المناطق بالتساوي.

ما هو دور الكتلة الوطنية في تحقيق الجلاء والاستقلال الكامل؟

على الرغم من أن سوريا أُعلن استقلالها رسمياً عام 1941، فإن القوات الفرنسية ظلت متمركزة على الأراضي السورية حتى عام 1946. خلال تلك الفترة، واصلت الكتلة الوطنية في سوريا نضالها السياسي والدبلوماسي من أجل إتمام الاستقلال وإخراج آخر جندي فرنسي من البلاد.

لقد استخدمت الكتلة مختلف الوسائل المتاحة: من الضغط الشعبي والإضرابات، إلى التواصل مع الأمم المتحدة والدول الكبرى، وصولاً إلى المفاوضات المباشرة مع الفرنسيين. وفي أبريل 1946، خرجت آخر القوات الفرنسية من سوريا، لتكتمل بذلك مسيرة الاستقلال التي بدأتها الكتلة منذ تأسيسها.

كانت هذه لحظة انتصار تاريخية للشعب السوري وللكتلة التي قادت نضاله. بيد أن تحديات جديدة كانت تنتظر البلاد في مرحلة ما بعد الاستقلال، وكان على الكتلة أن تواجه أسئلة البناء الوطني بعد أن نجحت في إنهاء الاحتلال.


اقرأ أيضاً: معركة ميسلون: حدث تاريخي في ذاكرة السوريين


ما المبادئ الأساسية التي قامت عليها الكتلة الوطنية؟

من الضروري أن نفهم الإطار الفكري والسياسي الذي حكم عمل الكتلة الوطنية في سوريا. فقد كانت الكتلة، بحسب مؤسسيها، تسعى إلى تحقيق عدة أهداف جوهرية:

  • الاستقلال الكامل عن الاحتلال الفرنسي: كان هذا الهدف الأساسي الذي وحّد مختلف التيارات داخل الكتلة.
  • وحدة الأراضي السورية: رفضت الكتلة سياسة “فرّق تسد” الفرنسية التي قسّمت سوريا إلى دويلات صغيرة.
  • بناء نظام ديمقراطي دستوري: آمنت الكتلة بضرورة وضع دستور يضمن حقوق المواطنين ويؤسس لحياة سياسية تعددية.
  • الحفاظ على الهوية الثقافية السورية: كانت الكتلة تسعى لتأكيد الشخصية السورية المتميزة في مواجهة محاولات الفرنسيين لفرض ثقافتهم ولغتهم.

إذاً، لم تكن الكتلة مجرد حركة سياسية عابرة، بل كانت مشروعاً وطنياً شاملاً يطمح لبناء دولة حديثة على أسس ديمقراطية ودستورية. وعلى الرغم من أن هذا المشروع واجه عثرات كثيرة، فإنه يظل نموذجاً يُحتذى في تاريخ النضال الوطني العربي.

ما التطورات التي شهدتها الكتلة في مرحلة ما بعد الاستقلال؟

بعد الاستقلال عام 1946، تعرضت الكتلة لانشقاقات عديدة وخروج عدد وافر من أقطابها، لعل أبرزهم هاشم الأتاسي رئيس الجمهورية ورئيس الكتلة لفترة طويلة، وجميل مردم رئيس الوزراء الكتلوي الذي أخذ يرشح نفسه كمستقل منذ انتخابات 1947، وكذلك الوزير الكتلوي عبد الرحمن كيالي.

بينما كانت الكتلة متماسكة نسبياً في مواجهة العدو الخارجي، فإن مرحلة ما بعد الاستقلال كشفت عن خلافات عميقة بين قادتها حول كيفية إدارة البلاد وحول توزيع السلطة. بالإضافة إلى ذلك، بدأت تظهر قوى سياسية جديدة على الساحة، مثل الأحزاب القومية واليسارية، ما أدى إلى تآكل تدريجي في قاعدة الكتلة الشعبية.

لم تحقق الكتلة أغلبية المقاعد لتحكم منفردة بعد الاستقلال، وحلّت في المركز الثاني أمام حزب الشعب؛ لاحقاً كان لها دور بارز في تشكيل الحكومات. فقد تحوّلت من حزب مهيمن إلى حزب منافس، وهو ما يعكس تحولاً في المشهد السياسي السوري بعد الاستقلال.

كيف تعاملت الكتلة الوطنية مع الانقلابات العسكرية؟

دخلت سوريا، بعد الاستقلال، في مرحلة من عدم الاستقرار السياسي والانقلابات العسكرية المتتالية. كان أول انقلاب عسكري في العالم العربي هو انقلاب حسني الزعيم في مارس 1949، الذي أطاح بالرئيس شكري القوتلي (القيادي الكتلوي).

بعد انقلاب الزعيم وإعدامه في أغسطس 1949، دعمت الكتلة ترشيح هاشم الأتاسي للعودة إلى رئاسة الجمهورية، وتم الاتفاق على أن يبقى الأتاسي رئيساً للكتلة وأن يكون القوتلي رئيساً للجمهورية في المرة السابقة، لكن الأتاسي رشح نفسه وفاز بالرئاسة. كانت هذه محاولة لإعادة الحياة الدستورية والديمقراطية إلى سوريا بعد فوضى الانقلابات.

لكن الاستقرار لم يدم طويلاً؛ إذ قدّم الأتاسي استقالته في ديسمبر 1951 احتجاجاً على انقلاب أديب الشيشكلي، رافضاً تقديمها للشيشكلي لأن حكمه غير دستوري، وطوال حكم الشيشكلي (1951-1954) قاد الأتاسي معارضة مستترة مؤكداً عدم دستورية حكمه. كان موقف الأتاسي والكتلة نموذجاً للمقاومة السلمية ضد الحكم العسكري، والتمسك بالشرعية الدستورية.


اقرأ أيضاً: حقبة الانقلابات والفوضى في سوريا، صعود العسكريتاريا


ما الدور الذي لعبته الكتلة في الإطاحة بالديكتاتورية العسكرية؟

بتضافر أنصار الحزب الوطني وحزب الشعب (اللذين باتا من الأحزاب المحظورة) إضافة لمؤيدي الهاشمية، قامت انتفاضة وطنية من حلب بقيادة الضابط مصطفى حمدون في فبراير 1954، واعتُقل عدنان نجل الشيشكلي، ورداً على ذلك وضع الشيشكلي الأتاسي تحت الإقامة الجبرية، ولم يسجنه احتراماً لدوره البارز في الحياة السياسية السورية.

ومما يُلفت الانتباه أن الشيشكلي، على الرغم من كونه ديكتاتوراً عسكرياً، لم يجرؤ على سجن هاشم الأتاسي، مما يعكس المكانة الرفيعة التي كان يحظى بها الرجل بين أفراد المجتمع السوري. هل سمعت بموقف مماثل في تاريخنا العربي الحديث؟ إنه لأمر نادر أن يحترم ديكتاتور خصمه السياسي إلى هذا الحد.

في 1 مارس 1954، عاد هاشم الأتاسي إلى رئاسة الجمهورية، واجتمع البرلمان القديم، وأُلغي دستور 1953، وأُعيد العمل بدستور 1950، وكأن عهد الشيشكلي لم يكن. كانت هذه عودة رمزية للشرعية الدستورية، وانتصاراً للقوى السياسية المدنية على الحكم العسكري، لكنه انتصار مؤقت؛ إذ لم تمضِ سنوات قليلة حتى سيطر حزب البعث والعسكريون على السلطة بشكل نهائي.

ما نهاية الكتلة الوطنية ومصيرها بعد الخمسينيات؟

انتهى عهد الكتلة الوطنية في سوريا مع انتهاء عهد الجمهورية الأولى عام 1963، عندما استولى حزب البعث على السلطة عبر انقلاب عسكري. لقد حُظرت جميع الأحزاب السياسية القديمة، بما فيها الحزب الوطني (الكتلة) وحزب الشعب، وبدأت مرحلة جديدة من الحكم الأحادي والقمع السياسي.

اقرأ أيضاً:  سامي الحناوي: لماذا حكم سوريا ليوم واحد فقط؟

لكن رغم نهاية الكتلة كحزب سياسي فاعل، فإن إرثها ظل حاضراً في الذاكرة الوطنية السورية. بقيت تجربتها نموذجاً للعمل السياسي المنظم والملتزم بالقواعد الدستورية، وظل قادتها محل تقدير واحترام حتى من قِبل خصومهم السياسيين.

هل يمكن أن تعود الكتلة الوطنية في سوريا المعاصرة؟

في السنوات الأخيرة، وتحديداً في سبتمبر 2025، أعلنت شخصيات سورية تأسيس “الكتلة الوطنية السورية”، مؤكدة أن هدفها بناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة والعدالة الاجتماعية، رافعين شعار “الدين لله والوطن للجميع”. هذا الإعلان جاء في سياق التحولات السياسية التي تشهدها سوريا بعد عقد من الصراع المسلح.

جرى اختيار اسم “الكتلة الوطنية” في استحضار لتجربة مشابهة شهدتها سوريا خلال فترة الانتداب الفرنسي، حين لعب تجمع سياسي بنفس الاسم دوراً بارزاً في النضال الوطني آنذاك. يبدو أن الاسم والرمزية التاريخية للكتلة لا يزالان يحملان قوة ودلالة في الخطاب السياسي السوري المعاصر.

بالمقابل، يثير هذا التطور أسئلة عديدة: هل يمكن لتجربة الكتلة التاريخية أن تتكرر في سياق مختلف تماماً؟ وهل تمتلك الكتلة الجديدة القدرة على تجاوز الانقسامات العميقة التي تعاني منها سوريا اليوم؟ من جهة ثانية، هل سيكون للكتلة الجديدة نفس التأثير والحضور الذي كان لسلفها التاريخي؟


اقرأ أيضاً: الثورة السورية ضد بشار الأسد: نضال من أجل الحرية


ما الدروس المستفادة من تجربة الكتلة الوطنية التاريخية؟

تُعَدُّ تجربة الكتلة الوطنية في سوريا غنية بالدروس والعبر للأجيال القادمة:

  • أهمية التنظيم السياسي: أثبتت الكتلة أن العمل السياسي المنظم أكثر فعالية من الاحتجاج العفوي.
  • قوة المقاومة السلمية: نجحت الكتلة في انتزاع تنازلات من المحتل عبر الإضرابات والتفاوض.
  • ضرورة الوحدة الوطنية: كانت قدرة الكتلة على توحيد مختلف الفئات الاجتماعية هي سر قوتها.
  • أهمية القيادة النزيهة: شخصيات مثل هاشم الأتاسي قدّمت نموذجاً للقيادة المبدئية والنزيهة.
  • مخاطر الانقسام الداخلي: الانشقاقات التي حدثت داخل الكتلة أضعفتها وحدّت من تأثيرها.

إن تقييم تجربة الكتلة لا يمكن أن يكون أحادي الجانب؛ فقد حققت إنجازات كبيرة في مقارعة الاستعمار وفي بناء المؤسسات الوطنية، لكنها أيضاً عانت من نقاط ضعف ومن عدم القدرة على التكيف مع التحولات السياسية والاجتماعية المتسارعة.


اقرأ أيضاً: صعود وسقوط الحضارات السورية القديمة


الخاتمة

لقد كانت الكتلة الوطنية في سوريا ظاهرة سياسية استثنائية في تاريخ المنطقة العربية؛ إذ نجحت في توحيد مختلف التيارات والفئات الاجتماعية تحت راية واحدة، وفي قيادة نضال سلمي ومنظم ضد الاحتلال الفرنسي، وفي إرساء أسس الدولة السورية الحديثة. على الرغم من أن تجربتها انتهت مع صعود الأنظمة العسكرية في الستينيات، فإن إرثها لا يزال حاضراً في الذاكرة الوطنية، ويُلهم الأجيال الجديدة التي تسعى لبناء سوريا ديمقراطية حرة.

في نهاية هذه الرحلة التاريخية، نتساءل: هل يمكن لسوريا أن تستعيد روح الكتلة الوطنية في بناء مستقبلها؟ وهل ستتمكن القوى السياسية الحالية من تجاوز الانقسامات والعمل معاً من أجل بناء دولة تحترم التعددية والديمقراطية والدستور، كما حاولت الكتلة التاريخية أن تفعل؟


المراجع

Al-Jundi, A. (1969). Tarikh al-thawrat al-suriyya fi ‘ahd al-intidab al-faransi [History of Syrian Revolutions during the French Mandate]. Damascus: Dar al-Fikr.
يوثق الكتاب الثورات السورية ضد الانتداب الفرنسي ودور الكتلة الوطنية في قيادة الحركة الوطنية.

Khoury, P. S. (1987). Syria and the French Mandate: The Politics of Arab Nationalism, 1920-1945. Princeton: Princeton University Press. https://doi.org/10.1515/9781400886180
دراسة أكاديمية محكّمة تحلل السياسة السورية خلال فترة الانتداب ودور الكتلة الوطنية في التحولات الوطنية.

Seale, P. (1965). The Struggle for Syria: A Study of Post-War Arab Politics, 1945-1958. Oxford: Oxford University Press.
يتتبع الكتاب الصراعات السياسية في سوريا بعد الاستقلال ودور القوى الوطنية التقليدية.

Bashour, W. (1994). Suriya: San’ dawla wa wiladat umma [Syria: Making a State and Birth of a Nation]. Damascus: Dar al-Yaziji.
مرجع تاريخي يوثق تأسيس الدولة السورية الحديثة والدور المحوري للكتلة الوطنية في هذه العملية.

Moubayed, S. (2006). Steel & Silk: Men and Women Who Shaped Syria 1900-2000. Seattle: Cune Press.
دراسة تطبيقية عن الشخصيات السورية المؤثرة في القرن العشرين، بما فيهم قادة الكتلة الوطنية.

Ziadeh, N. A. (1957). Syria and Lebanon. London: Ernest Benn Limited.
تقرير تاريخي رسمي يتناول تاريخ سوريا ولبنان خلال فترة الانتداب وبعده، مع تركيز على دور الحركات الوطنية.


إخلاء مسؤولية المراجعة

تمت مراجعة هذا المقال استناداً إلى مصادر تاريخية ووثائق أكاديمية متاحة حتى عام 2025. لقد سعينا إلى تقديم معلومات دقيقة ومتوازنة، لكننا ندرك أن التاريخ السياسي يحتمل قراءات وتفسيرات متعددة. نشجع القراء على الاطلاع على المصادر الأصلية والبحث المستقل للحصول على فهم أعمق.
جرت مراجعة هذا المقال من قبل فريق التحرير في موقعنا لضمان الدقة والمعلومة الصحيحة.


إن تجربة الكتلة الوطنية في سوريا تمثل صفحة مضيئة في تاريخ النضال الوطني العربي، وهي تستحق أن تُدرس وأن يُستلهم منها في بناء مستقبل أفضل. ندعوكم للمشاركة في إثراء هذا الحوار التاريخي، ولمشاركة آرائكم وتعليقاتكم حول هذه التجربة الفريدة. هل تعتقدون أن الدروس المستفادة من الكتلة الوطنية لا تزال صالحة للتطبيق اليوم؟ وما هي القيم والمبادئ التي يجب أن نحافظ عليها من ذلك الإرث التاريخي؟

هيئة تحرير موسوعة سوريا

الحساب الرسمي الموحد لفريق البحث والتدقيق في موسوعة سوريا. تخضع جميع المواد المنشورة عبر هذا الحساب لمراجعة دقيقة من قبل مختصين في التاريخ والجغرافيا والتراث، لضمان دقة المعلومات وحيادية الطرح ومطابقتها لسياسة النشر المعتمدة لدينا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى