زلازل سوريا: كيف شكّلت الهزات الأرضية تاريخ المنطقة ومستقبلها؟
ما الذي يجعل الأراضي السورية عرضة للنشاط الزلزالي المتكرر عبر القرون؟

تقع سوريا في قلب منطقة جيولوجية نشطة جعلتها عبر التاريخ مسرحاً لكوارث زلزالية مدمرة غيّرت مجرى حضارات بأكملها. لقد سجّل التاريخ عشرات الزلازل الكبرى التي ضربت هذه الأرض منذ آلاف السنين.
ما هي البنية الجيولوجية التي تجعل سوريا معرضة للزلازل؟
إن فهم زلازل سوريا يبدأ من فهم التركيب الجيولوجي للمنطقة. تقع البلاد على تقاطع عدة صفائح تكتونية (Tectonic Plates) تتحرك باستمرار؛ إذ يمر عبر أراضيها فالق البحر الميت التحويلي (Dead Sea Transform Fault) الذي يمتد من خليج العقبة جنوباً حتى جبال طوروس شمالاً. هذا الصدع يُعَدُّ من أنشط الصدوع في منطقة الشرق الأوسط، وقد تسبب في معظم الكوارث الزلزالية التي شهدتها سوريا. كما أن فالق شرق الأناضول (East Anatolian Fault) يؤثر بشكل مباشر على المناطق الشمالية من البلاد.
من ناحية أخرى، تتميز القشرة الأرضية في سوريا بوجود شبكة معقدة من الصدوع الثانوية. فالق الغاب مثلاً يمتد عبر سهل الغاب في غرب البلاد. وكذلك توجد صدوع عديدة في منطقة حلب ومحيطها. هذه الصدوع تتراكم فيها الطاقة الزلزالية على مدى عقود أو قرون، ثم تُطلقها فجأة على شكل هزات أرضية. الجدير بالذكر أن الحركة النسبية بين الصفيحة العربية والصفيحة الأفريقية تصل إلى نحو 5-7 ملليمترات سنوياً، وهي حركة بطيئة لكنها كافية لتوليد زلازل مدمرة.
كيف أثرت الزلازل القديمة على الحضارات السورية؟
لقد شهدت الأراضي السورية زلازل كارثية منذ فجر التاريخ المدوَّن. ففي عام 526 ميلادي، ضرب زلزال أنطاكيا المدمر المنطقة بقوة تُقدَّر بنحو 7 درجات. راح ضحيته ما يزيد عن 250,000 شخص وفق التقديرات التاريخية. كانت أنطاكيا آنذاك إحدى أعظم مدن العالم القديم ومركزاً تجارياً ودينياً مهماً. دمّر الزلزال معظم مبانيها وأشعل حرائق هائلة استمرت أياماً. هذه الكارثة غيّرت مسار المدينة إلى الأبد.
بالمقابل، يبقى زلزال حلب عام 1138م من أكثر زلازل سوريا شهرة في العصور الوسطى. بلغت قوته نحو 7.1 درجة على مقياس العزم الزلزالي (Moment Magnitude Scale). قُدِّر عدد الضحايا بأكثر من 230,000 شخص، مما يجعله من أكثر الزلازل فتكاً في التاريخ البشري. امتدت أضراره من حلب إلى حماة وحمص والمناطق المحيطة. هذا وقد وصف المؤرخون المسلمون هول الدمار الذي لحق بالقلعة والأسواق والمساجد. استغرقت إعادة بناء المدينة عقوداً طويلة.
اقرأ أيضاً: زلزال حلب عام 1138 م: الكارثة الطبيعية التي غيرت مجرى التاريخ
ما هي أبرز الزلازل التاريخية التي ضربت سوريا؟
الزلازل الكبرى المسجلة تاريخياً
شهدت سوريا عبر تاريخها الطويل سلسلة من الهزات الأرضية المدمرة، ومن أبرزها:
- زلزال عام 1202م الذي ضرب منطقة البحر الميت والساحل السوري بقوة تُقدَّر بـ 7.6 درجة، وامتدت آثاره من دمشق حتى القاهرة، وتسبب في مقتل أكثر من 30,000 شخص ودمار واسع في صور وعكا ونابلس.
- زلزال حماة عام 1925م الذي ضرب منطقة حماة ومحيطها، وتسبب في أضرار جسيمة بالمنطقة.
- زلزال حلب سنة 1822 الذي أصاب المنطقة الشمالية ودمّر أجزاء كبيرة من المدينة.
- سلسلة زلازل 1872م في منطقة أنطاكيا واللاذقية التي استمرت أشهراً، وتسببت في أضرار جسيمة بالبنية التحتية العثمانية.
وعليه فإن دراسة هذه الزلازل التاريخية تُقدِّم دروساً مهمة لفهم أنماط النشاط الزلزالي في المنطقة وتوقع المخاطر المستقبلية.
لماذا كان زلزال فبراير 2023 كارثياً بهذا الحجم؟
في السادس من فبراير 2023، استيقظ العالم على كارثة زلزالية لم تشهد المنطقة مثيلاً لها منذ قرون. ضرب زلزال مدمر جنوب تركيا وشمال سوريا بقوة 7.8 درجة على مقياس العزم الزلزالي. تبعه زلزال ثانٍ بقوة 7.7 درجة بعد ساعات قليلة. كانت البؤرة الزلزالية (Hypocenter) على عمق نحو 18 كيلومتراً، ومركز الزلزال السطحي (Epicenter) قرب مدينة كهرمان مرعش التركية.
فما الذي جعل هذا الزلزال مدمراً بهذا الشكل؟ الإجابة تكمن في عدة عوامل متداخلة. أولاً، حدث الزلزال في الساعة 4:17 فجراً بالتوقيت المحلي، حين كان معظم السكان نائمين. ثانياً، كانت البنية التحتية في شمال سوريا متهالكة أصلاً بسبب سنوات الحرب. ثالثاً، أعاقت العقوبات الدولية وصول المساعدات في الأيام الأولى الحرجة. أما في سوريا تحديداً، فقد سقط أكثر من 8,400 ضحية وأُصيب الآلاف. دُمِّرت مدن بأكملها في إدلب وحلب واللاذقية وحماة.
من جهة ثانية، كشف الزلزال عن هشاشة المباني في المنطقة. كثير منها بُني دون الالتزام بمعايير البناء المقاوم للزلازل (Seismic-Resistant Construction). انهارت مبانٍ حديثة نسبياً بسهولة مخيفة. الأحياء القديمة في حلب، التي نجت من القصف خلال الحرب، سقطت خلال ثوانٍ. هذه المأساة أعادت تسليط الضوء على أهمية كودات البناء الصارمة في المناطق الزلزالية النشطة.
اقرأ أيضاً: زلزال عام 2023 في سوريا: تحليل شامل للحدث وتأثيراته
كيف استجاب العالم لكارثة زلزال 2023؟
شكّلت الاستجابة الدولية لزلزال 2023 تحدياً غير مسبوق. فالوضع السياسي المعقد في سوريا أعاق جهود الإغاثة في البداية. كانت المناطق الأكثر تضرراً منقسمة بين مناطق سيطرة الحكومة ومناطق المعارضة. لقد تطلب الأمر أياماً قبل أن تصل المساعدات الأممية إلى شمال غرب سوريا عبر المعابر الحدودية.
بينما تدفقت فرق الإنقاذ الدولية إلى تركيا خلال ساعات، واجهت سوريا عقبات إضافية. العقوبات الاقتصادية، رغم الاستثناءات الإنسانية، خلقت ارتباكاً لدى المانحين والمنظمات. بعض الدول ترددت في إرسال مساعدات مباشرة. هذا التأخير كلّف أرواحاً كان يمكن إنقاذها. لكن تدريجياً، تكاتف المجتمع الدولي وأُرسلت فرق إنقاذ من عشرات الدول. منظمات مثل الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) لعبت دوراً بطولياً في انتشال الناجين من تحت الأنقاض. وقد كان دور الأمم المتحدة في إغاثة الكوارث السورية محورياً رغم التحديات.
ما هي الآثار طويلة المدى لزلزال 2023 على سوريا؟
امتدت تداعيات الزلزال لتشمل جوانب متعددة من الحياة في سوريا. على الصعيد الإنساني، نزح مئات الآلاف من منازلهم المدمرة. كثيرون فقدوا كل ما يملكون في لحظات. الصدمة النفسية أصابت أجيالاً كاملة، خاصة الأطفال الذين عاشوا رعب الانهيار والفقدان. برامج الدعم النفسي باتت ضرورة ملحة في مخيمات النازحين، وهو ما يرتبط بشكل وثيق بـتأثير الحرب على الصحة النفسية في سوريا.
إن الأضرار الاقتصادية كانت هائلة أيضاً. قدّرت الأمم المتحدة الخسائر المباشرة بمليارات الدولارات. دُمِّرت منشآت صناعية ومزارع وبنى تحتية حيوية. شبكات المياه والكهرباء تعطلت في مناطق واسعة. المستشفيات والمدارس التي نجت من الحرب انهارت أو تضررت بشدة. كل هذا في بلد يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية خانقة وعقوبات دولية. ويمكن الاطلاع على المزيد حول التأثير الاقتصادي للكوارث في سوريا.
اقرأ أيضاً: التأثير الاقتصادي للكوارث في سوريا
كيف يعمل نظام رصد الزلازل في سوريا والمنطقة؟
يعتمد رصد الهزات الأرضية في سوريا على شبكة من محطات الرصد الزلزالي (Seismograph Stations). الهيئة العامة للاستشعار عن بعد في دمشق تدير بعض هذه المحطات. لكن الحرب دمرت كثيراً من البنية التحتية العلمية في البلاد. محطات رصد في مناطق مختلفة خرجت عن الخدمة لسنوات. هذا أضعف القدرة على المراقبة الدقيقة للنشاط الزلزالي المحلي.
على المستوى الإقليمي، تتعاون دول المنطقة في تبادل البيانات الزلزالية. المركز الأورومتوسطي لرصد الزلازل (EMSC) يجمع البيانات من محطات عديدة. وكذلك هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) توفر معلومات فورية عن الزلازل حول العالم. هذه الشبكات الدولية تعوض جزئياً عن ضعف الرصد المحلي. لكن تبقى الحاجة ماسة لتطوير منظومة وطنية متكاملة للإنذار المبكر (Early Warning System). وقد يسهم البحث العلمي في سوريا في تطوير هذه المنظومات مستقبلاً.
هل يمكن التنبؤ بالزلازل قبل وقوعها؟
فهل يا ترى يستطيع العلم التنبؤ بموعد الزلزال القادم؟ الحقيقة أن التنبؤ الدقيق بالزلازل يبقى حلماً بعيد المنال حتى عام 2026. لا تستطيع أي تقنية حالية تحديد مكان وزمان وقوة الزلزال مسبقاً. ما يمكن فعله هو تقدير الاحتمالات الزلزالية لمنطقة معينة خلال فترة زمنية طويلة. خرائط الخطورة الزلزالية (Seismic Hazard Maps) تُظهر المناطق الأكثر عرضة للخطر. لكنها لا تخبرنا متى سيقع الزلزال بالضبط.
على النقيض من ذلك، حققت أنظمة الإنذار المبكر تقدماً ملموساً. هذه الأنظمة لا تتنبأ بالزلزال، بل ترصده لحظة وقوعه وترسل تحذيرات قبل وصول الموجات الزلزالية (Seismic Waves) المدمرة. الفارق الزمني قد يكون ثواني أو عشرات الثواني فقط. لكن هذا كافٍ لإيقاف القطارات وإغلاق صمامات الغاز وتحذير الناس للاحتماء. دول مثل اليابان والمكسيك طوّرت أنظمة فعّالة. سوريا والمنطقة العربية بحاجة ماسة لمثل هذه الأنظمة.
ما هي معايير البناء المقاوم للزلازل؟
المتطلبات الأساسية للمباني في المناطق الزلزالية
يتطلب البناء الآمن في مناطق مثل سوريا الالتزام بمعايير هندسية صارمة، ومن أبرزها:
- تصميم الأساسات العميقة والمتينة التي توزع الأحمال الزلزالية بشكل متساوٍ، مع استخدام تقنيات العزل القاعدي (Base Isolation) للمباني المهمة.
- استخدام الخرسانة المسلحة عالية الجودة مع نسب حديد تسليح كافية، وتطبيق وصلات لدنة (Ductile Connections) تمتص الطاقة الزلزالية.
- تجنب الطوابق الرخوة (Soft Story) التي تنهار بسهولة، وضمان التماثل في التصميم المعماري لتجنب الالتواء أثناء الاهتزاز.
- إجراء دراسات جيوتقنية للتربة قبل البناء لتحديد مخاطر التميع (Liquefaction) وتضخيم الموجات الزلزالية.
- التفتيش الدوري على المباني القائمة وتقييم مقاومتها الزلزالية، مع تدعيم المباني التراثية والقديمة بطرق حديثة.
للأسف، كثير من المباني في سوريا لا تستوفي هذه المعايير. الفساد وضعف الرقابة أديا إلى تجاوزات خطيرة. زلزال 2023 كشف هذا الواقع بشكل مأساوي. وقد تأثرت العمارة السكنية التقليدية في سورية بشكل خاص بهذه الكارثة.
كيف تغير المشهد بعد سقوط نظام الأسد في 2024؟
شهد عام 2024 تحولات سياسية جذرية في سوريا انعكست على ملف إعادة الإعمار. فالحكومة الجديدة ورثت بلداً مدمراً من الحرب والزلازل معاً. أولويات إعادة البناء تتنافس فيها احتياجات لا حصر لها. المناطق المتضررة من زلازل سوريا تحتاج استثمارات ضخمة. لكن الموارد شحيحة والتحديات هائلة. ويمكن الاطلاع على المزيد حول الثورة السورية ضد بشار الأسد.
بالإضافة إلى ذلك، فتح التغيير السياسي آفاقاً جديدة للتعاون الدولي. دول كانت تتحفظ على التعامل مع النظام السابق بدأت تعيد حساباتها. ملف إعادة الإعمار بات على طاولة النقاشات الدولية. منظمات دولية ومؤسسات تمويل أبدت اهتماماً بالمشاركة. لكن الطريق لا يزال طويلاً ومليئاً بالعقبات السياسية والاقتصادية.
اقرأ أيضاً: إعادة الإعمار في سوريا بعد سقوط نظام الأسد
ماذا يعني إلغاء قانون قيصر لجهود إعادة الإعمار؟
في ديسمبر 2025، أُعلن إلغاء قانون قيصر للعقوبات الأمريكية على سوريا. هذا القانون كان يفرض عقوبات صارمة على أي جهة تتعامل مع الحكومة السورية. أثّر بشدة على قدرة البلاد على استيراد مواد البناء والمعدات. حتى المشاريع الإنسانية واجهت صعوبات بسبب التعقيدات المصرفية. إلغاؤه يُعَدُّ نقطة تحول مهمة.
إذاً كيف سينعكس هذا على إعادة بناء المناطق المتضررة من الزلازل؟ نظرياً، باتت الشركات الدولية قادرة على المشاركة في مشاريع البناء دون مخاوف قانونية. مواد البناء والمعدات الثقيلة يمكن استيرادها بسهولة أكبر. التمويل الدولي قد يتدفق لدعم مشاريع الإسكان والبنية التحتية. لكن الواقع أكثر تعقيداً. إعادة بناء الثقة تستغرق وقتاً، والبيروقراطية لا تختفي بين ليلة وضحاها. وللمزيد حول هذا الموضوع، يمكن الاطلاع على التحديات الاقتصادية بعد سقوط نظام الأسد في سوريا.
ما هي خطط إعادة إعمار المناطق المتضررة حتى 2026؟
تتضمن الخطط المعلنة حتى عام 2026 عدة محاور متوازية. أولاً، إزالة الأنقاض التي لا تزال تغطي مساحات واسعة في حلب وإدلب. هذه عملية ضخمة تتطلب معدات متخصصة وإدارة آمنة للنفايات. ثانياً، بناء وحدات سكنية مؤقتة للنازحين الذين يعيشون في خيام منذ سنوات. ثالثاً، ترميم المباني القابلة للإصلاح وتدعيمها زلزالياً.
ومما يثير التفاؤل الحذر أن بعض المشاريع بدأت فعلاً على أرض الواقع. منظمات دولية تعمل على بناء مدارس ومستشفيات بمواصفات مقاومة للزلازل. الحكومة أعلنت عن كودات بناء جديدة أكثر صرامة. برامج تدريب للمهندسين والعمال على تقنيات البناء الآمن انطلقت في عدة محافظات. لكن الفجوة بين الاحتياجات والإمكانيات لا تزال هائلة. ملايين الأشخاص ينتظرون سقفاً آمناً يأويهم. ويرتبط هذا بشكل وثيق بـالمشهد الحضري في سوريا: الدمار وإعادة الإعمار.
كيف يمكن الاستعداد للزلزال القادم؟
من الأهمية بمكان أن يدرك سكان سوريا أن زلازل أخرى ستحدث حتماً. السؤال ليس “هل” بل “متى”. الاستعداد يمكن أن يُحدث فرقاً كبيراً بين الحياة والموت. على مستوى الأفراد والعائلات، يجب معرفة كيفية التصرف لحظة وقوع الزلزال. قاعدة “انبطح، احتمِ، تمسّك” (Drop, Cover, Hold On) يجب أن تكون معروفة للجميع.
كما أن تجهيز حقيبة طوارئ يُعَدُّ ضرورة لكل منزل. يجب أن تحتوي على ماء ومواد غذائية غير قابلة للتلف تكفي لعدة أيام. مصباح يدوي وبطاريات احتياطية ومذياع لمتابعة الأخبار. إسعافات أولية ونسخ من الوثائق المهمة. يجب تحديد نقاط تجمع آمنة للعائلة وطرق إخلاء بديلة. هذه الاستعدادات البسيطة قد تنقذ حياتك وحياة من تحب.
ما هو دور التعليم والتوعية في الحد من مخاطر الزلازل؟
عناصر برنامج توعوي فعال
يتطلب بناء ثقافة الاستعداد للكوارث برامج توعية شاملة ومستمرة، وتشمل:
- إدراج موضوعات الزلازل والسلامة ضمن المناهج الدراسية منذ المراحل الابتدائية، مع تدريبات إخلاء دورية في المدارس.
- حملات إعلامية منتظمة عبر التلفزيون والإذاعة ووسائل التواصل الاجتماعي، تشرح ما يجب فعله قبل وأثناء وبعد الزلزال.
- تدريب الأهالي في الأحياء على الإسعافات الأولية وتقنيات البحث والإنقاذ البسيطة، مع تشكيل فرق استجابة محلية.
- نشر خرائط الخطورة الزلزالية بشكل مبسط ومفهوم للعامة، مع تحديد مناطق الإخلاء والملاجئ الآمنة.
- تنظيم تمارين محاكاة دورية على مستوى المدن تشارك فيها كل الجهات المعنية من دفاع مدني وصحة وأمن.
هذه الجهود تحتاج استمرارية ودعماً حكومياً ومجتمعياً. ثقافة الاستعداد لا تُبنى بين ليلة وضحاها. ويمكن أن يسهم مستقبل التعلم الإلكتروني في سوريا في نشر هذه الثقافة على نطاق واسع.
ما هي أحدث التقنيات في مجال علم الزلازل؟
يشهد علم الزلازل (Seismology) تطورات متسارعة في السنوات الأخيرة. تقنيات الذكاء الاصطناعي باتت تُستخدم لتحليل البيانات الزلزالية بسرعة ودقة غير مسبوقتين. خوارزميات التعلم الآلي (Machine Learning) تساعد في تمييز الإشارات الزلزالية عن الضوضاء. هذا يحسّن من دقة تحديد مواقع الزلازل وأعماقها. وقد يكون لـتطور تكنولوجيا المعلومات في سوريا دور في تطبيق هذه التقنيات محلياً.
انظر إلى تقنية الألياف الضوئية الموزعة (Distributed Acoustic Sensing – DAS) مثلاً. هذه التقنية تحوّل كابلات الألياف الضوئية الموجودة إلى أجهزة رصد زلزالي. شبكات الاتصالات تحت الأرض تصبح شبكات رصد ضخمة. هذا يوفر تغطية لم تكن ممكنة سابقاً بتكلفة معقولة. دول عديدة بدأت تجرّب هذه التقنية بنتائج واعدة. سوريا والمنطقة يمكن أن تستفيد منها في المستقبل.
كيف يؤثر التغير المناخي على النشاط الزلزالي؟
قد يبدو السؤال غريباً للوهلة الأولى. ما علاقة المناخ بالزلازل؟ الزلازل تنتج من حركة الصفائح التكتونية العميقة، بينما التغير المناخي يؤثر على الغلاف الجوي والمحيطات. لكن الأبحاث الحديثة تكشف روابط غير مباشرة مثيرة للاهتمام. ذوبان الجليد في المناطق القطبية يخفف الضغط على القشرة الأرضية. هذا قد يؤثر على بعض الصدوع في تلك المناطق.
من جهة ثانية، لا يوجد دليل علمي قاطع على أن التغير المناخي يؤثر على زلازل سوريا والمنطقة. الصدوع التكتونية هنا تعمل وفق ديناميكيات جيولوجية عميقة. لكن التغير المناخي يُفاقم من تأثيرات الكوارث عموماً. الجفاف والفيضانات تُضعف البنية التحتية، فتصبح أكثر هشاشة أمام الزلازل. هذا التشابك بين أنواع الكوارث المختلفة يستدعي نهجاً متكاملاً في إدارة المخاطر.
اقرأ أيضاً: المياه والجفاف وتغير المناخ في سوريا
ما الذي يمكن أن نتعلمه من تجارب الدول الأخرى؟
اليابان نموذج عالمي في التعامل مع الزلازل. رغم تعرضها لهزات متكررة، فإن الخسائر البشرية انخفضت بشكل ملحوظ على مدى العقود. السر يكمن في كودات بناء صارمة يُطبَّق الالتزام بها بحزم. مبانٍ مصممة لتتمايل مع الزلزال بدلاً من أن تقاومه فتنهار. أنظمة إنذار مبكر ترسل تنبيهات للهواتف المحمولة خلال ثوانٍ. تدريبات منتظمة للسكان منذ الطفولة.
وبالتالي يمكن لسوريا الاستفادة من هذه الخبرات. ليس بالضرورة نسخها حرفياً، فالسياق مختلف. لكن المبادئ الأساسية قابلة للتطبيق. بناء آمن، ورصد فعّال، وتوعية مستمرة، واستجابة منظمة. تشيلي أيضاً قدمت نموذجاً ناجحاً بعد زلزال 2010 المدمر. أعادت بناء مدنها بمعايير أفضل وطوّرت أنظمتها. هذه التجارب تثبت أن التقدم ممكن حتى في ظروف صعبة. ويمكن الاستفادة من تأثير العلماء السوريين المغتربين على البحوث المحلية في نقل هذه الخبرات.
ما هي التحديات التي تواجه إدارة مخاطر الزلازل في سوريا؟
تواجه سوريا تحديات فريدة ومعقدة في هذا المجال. أولاً، الموارد المالية شحيحة بعد سنوات من الحرب والعقوبات. ميزانيات البنية التحتية والتعليم والصحة كلها تتنافس على أموال محدودة. أين مكان الاستعداد للزلازل من هذه الأولويات؟ هذا سؤال صعب لا إجابة سهلة له.
ثانياً، الكوادر البشرية المتخصصة هاجرت بأعداد كبيرة خلال الحرب. مهندسون وجيولوجيون وخبراء إدارة كوارث غادروا البلاد. استعادتهم أو تأهيل بدائل يستغرق سنوات. ثالثاً، البنية التحتية العلمية تحتاج إعادة بناء شاملة. محطات الرصد ومختبرات التحليل ومراكز البحث كلها بحاجة لتأهيل. هذه التحديات حقيقية، لكنها ليست مستحيلة التجاوز إذا توفرت الإرادة والدعم. ويرتبط هذا بشكل وثيق بـالتغيرات الاجتماعية في سوريا بسبب الحرب.
كيف يبدو مستقبل سوريا في ظل المخاطر الزلزالية؟
المستقبل يحمل مخاطر حقيقية لا يمكن إنكارها. الصدوع الجيولوجية لن تتوقف عن الحركة. زلازل أخرى ستضرب المنطقة حتماً، ربما بعد عقود أو ربما غداً. لكن المستقبل يحمل أيضاً فرصاً للتغيير. إعادة الإعمار فرصة لبناء مدن أكثر أماناً. يمكن تطبيق معايير حديثة منذ البداية بدلاً من ترميم مبانٍ قديمة.
الوعي المجتمعي بالمخاطر الزلزالية ارتفع بعد كارثة 2023. هذا الوعي يمكن ترجمته إلى مطالبة بمباني آمنة وإجراءات وقائية. التعاون الإقليمي والدولي في مجال رصد الزلازل والاستجابة للكوارث يتطور. سوريا يمكن أن تكون جزءاً من هذه الشبكات. التقنيات الحديثة تجعل الرصد والإنذار المبكر أكثر إمكانية وأقل تكلفة. مستقبل أكثر أماناً ممكن، لكنه يتطلب عملاً جاداً ومستمراً. ويمكن الاطلاع على المزيد حول الاقتصاد السوري في 2025 لفهم السياق الاقتصادي لهذه التحديات.
اقرأ أيضاً: الجغرافيا الطبيعية لسورية
خاتمة
لقد مرّت سوريا عبر تاريخها الطويل بزلازل كارثية شكّلت ملامح حضارتها وأثّرت في مصير مدنها. من زلزال أنطاكيا القديم إلى كارثة فبراير 2023، تبقى هذه الأرض معرضة لمخاطر زلزالية حقيقية. فهم طبيعة زلازل سوريا وأسبابها الجيولوجية خطوة أولى نحو الاستعداد لها. البناء الآمن والتوعية المستمرة وأنظمة الرصد المتطورة يمكن أن تقلل الخسائر بشكل كبير.
إن مرحلة ما بعد 2024 تحمل تحديات وفرصاً في آن معاً. إلغاء العقوبات يفتح أبواباً لإعادة الإعمار. لكن الطريق طويل ويتطلب إرادة سياسية وموارد ضخمة وخبرات متخصصة. الدروس المستفادة من الماضي يجب أن تُترجم إلى سياسات وإجراءات عملية. كل مبنى جديد يجب أن يكون آمناً. كل مواطن يجب أن يعرف كيف يتصرف عند وقوع زلزال. هذا هو الطريق نحو مستقبل أكثر أماناً لسوريا وأجيالها القادمة.
برأيكم ماذا يمكن لكل فرد أن يفعل اليوم لحماية نفسه وعائلته من زلزال قادم؟
الأسئلة الشائعة
ما هي المدة الزمنية التي تفصل عادةً بين الزلازل الكبرى في سوريا؟
تتراوح الفترات بين الزلازل الكبرى في سوريا من 150 إلى 350 سنة تقريباً، وذلك بحسب معدل تراكم الإجهاد على الصدوع الرئيسية. لكن هذا لا يعني انتظاماً دقيقاً، فالنشاط الزلزالي لا يتبع جدولاً زمنياً محدداً، وقد تحدث زلازل متقاربة أحياناً وفترات هدوء طويلة أحياناً أخرى.
هل يمكن أن تتسبب الزلازل في سوريا بحدوث تسونامي؟
نعم، الزلازل البحرية القوية قرب الساحل السوري يمكن نظرياً أن تولّد موجات تسونامي، لكن احتمالية حدوثها منخفضة مقارنة بالمحيط الهادئ. البحر المتوسط شهد تاريخياً بعض أمواج التسونامي الصغيرة، وأبرزها تلك المرتبطة بزلزال كريت عام 365 ميلادي الذي أثر على السواحل الشرقية للمتوسط.
كم تستمر الهزات الارتدادية بعد الزلزال الرئيسي؟
تستمر الهزات الارتدادية عادةً أسابيع إلى أشهر بعد الزلزال الرئيسي، وتتناقص تدريجياً في القوة والتواتر. بعد زلزال 2023، استمرت الهزات الارتدادية لأشهر عديدة، وبعضها تجاوز قوته 5 درجات وتسبب في أضرار إضافية وذعر بين السكان.
هل توجد علاقة بين استخراج النفط والغاز وحدوث الزلازل في سوريا؟
الزلازل المحفزة بالنشاط البشري ممكنة نظرياً لكنها نادرة وضعيفة عموماً. في سوريا، لا توجد أدلة علمية موثقة تربط بين عمليات استخراج النفط والغاز وحدوث زلازل ملموسة، إذ إن الزلازل الكبرى ناتجة عن حركة الصفائح التكتونية وليس عن النشاط الصناعي.
ما الفرق بين قوة الزلزال وشدته؟
القوة تقيس الطاقة المنطلقة من بؤرة الزلزال وهي قيمة واحدة ثابتة لكل زلزال تُقاس بمقياس العزم الزلزالي. أما الشدة فتقيس التأثيرات الفعلية على سطح الأرض وتختلف من مكان لآخر حسب البعد عن المركز ونوع التربة، وتُقاس بمقياس ميركالي المعدل الذي يتدرج من الأول حتى الثاني عشر.
هل المباني الأثرية في سوريا أكثر مقاومة للزلازل من المباني الحديثة؟
ليس بالضرورة. بعض المباني الأثرية صمدت لقرون بفضل تقنيات بناء تقليدية ذكية كالجدران السميكة والأقواس الموزعة للأحمال. لكن كثيراً منها تضرر أو انهار في زلازل سابقة. المباني الحديثة المصممة وفق كودات زلزالية صارمة أكثر أماناً، لكن المشكلة أن كثيراً من المباني الحديثة في سوريا لم تلتزم بهذه المعايير.
كيف تؤثر طبيعة التربة على أضرار الزلازل؟
التربة الرخوة والرسوبية تضخّم الموجات الزلزالية وتزيد من شدة الاهتزاز مقارنة بالتربة الصخرية الصلبة. ظاهرة تميع التربة تحدث في التربة الرملية المشبعة بالماء حيث تفقد تماسكها وتتصرف كسائل، مما يتسبب في غرق المباني أو ميلانها حتى لو كانت سليمة إنشائياً.
ما هي تكلفة بناء منزل مقاوم للزلازل مقارنة بالبناء العادي؟
تزيد تكلفة البناء المقاوم للزلازل بنسبة 5 إلى 15 بالمئة تقريباً عن البناء التقليدي، وذلك حسب درجة المقاومة المطلوبة ونوع التصميم. هذه الزيادة تشمل تكلفة الدراسات الجيوتقنية وزيادة كميات حديد التسليح وتحسين جودة الخرسانة وتنفيذ التفاصيل الإنشائية الخاصة.
هل يمكن تدعيم المباني القائمة لتصبح مقاومة للزلازل؟
نعم، توجد تقنيات متعددة لتدعيم المباني القائمة زلزالياً، منها إضافة جدران قص خرسانية أو تغليف الأعمدة بألياف الكربون أو تركيب دعامات فولاذية. التكلفة والجدوى تعتمدان على حالة المبنى وعيوبه الإنشائية، وبعض المباني قد يكون هدمها وإعادة بنائها أجدى اقتصادياً من تدعيمها.
ما هو أفضل مكان للاحتماء داخل المنزل أثناء الزلزال؟
أفضل مكان هو تحت طاولة متينة أو مكتب قوي بعيداً عن النوافذ والمرايا والأثاث الثقيل القابل للسقوط. إذا لم تتوفر طاولة، يُنصح بالاحتماء بجانب جدار داخلي متين مع حماية الرأس والرقبة باليدين. فكرة الوقوف تحت إطار الباب قديمة ولم تعد تُنصح بها لأن الأبواب الحديثة ليست أقوى من بقية الجدران.
المراجع
Ambraseys, N. N., & Melville, C. P. (1982). A history of Persian earthquakes. Cambridge University Press.
— مرجع أساسي للزلازل التاريخية في الشرق الأوسط ويوثق زلازل سوريا القديمة.
Meghraoui, M., et al. (2003). Evidence for 830 years of seismic quiescence from palaeoseismology, archaeoseismology and historical seismicity along the Dead Sea fault in Syria. Earth and Planetary Science Letters, 210(1-2), 35-52. https://doi.org/10.1016/S0012-821X(03)00144-4
— دراسة ميدانية مهمة عن النشاط الزلزالي على فالق البحر الميت في سوريا.
Sbeinati, M. R., Darawcheh, R., & Mouty, M. (2005). The historical earthquakes of Syria: an analysis of large and moderate earthquakes from 1365 B.C. to 1900 A.D. Annals of Geophysics, 48(3), 347-435. https://doi.org/10.4401/ag-3206
— توثيق شامل لزلازل سوريا التاريخية بمنهجية علمية.
Yeats, R. S. (2012). Active faults of the world. Cambridge University Press.
— كتاب أكاديمي يغطي الصدوع النشطة عالمياً بما فيها منطقة الشرق الأوسط.
United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs [OCHA]. (2023). Syria/Türkiye earthquakes situation reports. UN OCHA.
— تقارير رسمية عن زلزال فبراير 2023 وآثاره الإنسانية.
Guidoboni, E., & Comastri, A. (2005). Catalogue of earthquakes and tsunamis in the Mediterranean area from the 11th to the 15th century. Istituto Nazionale di Geofisica e Vulcanologia.
— فهرس أكاديمي للزلازل التاريخية يشمل منطقة سوريا والشام.
المصداقية وإخلاء المسؤولية
اعتمدت هذه المقالة على مصادر أكاديمية محكّمة وتقارير مؤسسات دولية معترف بها. المعلومات الجيولوجية والتاريخية مستقاة من دراسات منشورة في دوريات علمية متخصصة. أرقام الضحايا التاريخية تستند إلى تقديرات المؤرخين والباحثين وقد تتفاوت بين المصادر. المعلومات المتعلقة بالأحداث بعد يناير 2025 مبنية على التوقعات والتقارير المتاحة وقد تحتاج تحديثاً مع تطور الأوضاع.
جرت مراجعة هذا المقال من قبل فريق التحرير في موقعنا لضمان الدقة والمعلومة الصحيحة.
إذا وجدت هذا المقال مفيداً، شاركه مع أصدقائك وعائلتك ليستفيدوا من المعلومات الواردة فيه. تذكّر أن الاستعداد للكوارث الطبيعية مسؤولية فردية وجماعية، وكل خطوة صغيرة تتخذها اليوم قد تنقذ حياة غداً. تابع آخر الأخبار والتحديثات عن النشاط الزلزالي في المنطقة، واحرص على تجهيز حقيبة الطوارئ في منزلك، ولا تتردد في المشاركة في برامج التوعية والتدريب المتاحة في مجتمعك.




