مال وأعمال

الخصخصة في سوريا: هل تنجح في إنقاذ الاقتصاد بعد عقد من الدمار؟

كيف يمكن لتحويل القطاع العام أن يُعيد رسم ملامح الاقتصاد السوري في مرحلة إعادة البناء؟

تتجه الأنظار اليوم نحو سوريا بعد التحولات الجذرية التي شهدتها نهاية عام 2024، وتتصاعد التساؤلات حول مستقبل اقتصادها المنهك. وبين آمال إعادة الإعمار ومخاوف الفشل، تبرز الخصخصة في سوريا كأحد أبرز الخيارات المطروحة على طاولة صانعي القرار الاقتصادي.

ما المقصود بالخصخصة ولماذا تُطرح الآن في السياق السوري؟

لقد باتت الخصخصة (Privatization) مصطلحاً متداولاً بكثرة في النقاشات الاقتصادية السورية خلال عام 2025. يشير هذا المفهوم إلى عملية نقل ملكية المؤسسات والشركات من القطاع العام إلى القطاع الخاص، سواء بشكل كلي أو جزئي. تتضمن هذه العملية عادةً بيع الأصول الحكومية، أو منح امتيازات التشغيل، أو إشراك المستثمرين في إدارة المرافق العامة. فما الذي يجعل هذا الموضوع ملحاً في الحالة السورية تحديداً؟

إن السياق السوري الراهن يختلف جذرياً عن أي تجربة خصخصة أخرى في المنطقة؛ إذ يأتي الحديث عنها بعد أكثر من ثلاثة عشر عاماً من الصراع المسلح. لقد خسر الاقتصاد السوري ما يقارب 90% من قيمته بين عامي 2011 و2024 وفقاً لتقديرات البنك الدولي. كما أن البنية التحتية تعرضت لدمار هائل قُدرت تكلفة إصلاحه بأكثر من 400 مليار دولار. وعليه فإن الدولة السورية الجديدة تجد نفسها أمام معضلة حقيقية: كيف تُعيد بناء اقتصاد مُدمَّر بموارد شبه معدومة؟ هنا تبرز الخصخصة في سوريا كأداة محتملة لجذب رؤوس الأموال وتحفيز الاستثمار.

كيف كان شكل القطاع العام السوري قبل عام 2011؟

لفهم إمكانية نجاح الخصخصة في سوريا، علينا أولاً استيعاب طبيعة القطاع العام الذي ورثته البلاد. لقد هيمنت الدولة السورية منذ ستينيات القرن الماضي على معظم القطاعات الاقتصادية الحيوية. شمل ذلك الصناعات الثقيلة والتحويلية، وقطاع النفط والغاز، والمصارف، والاتصالات، والنقل، بل وحتى التجارة الخارجية لسلع بعينها. بلغ عدد الشركات المملوكة للدولة (State-Owned Enterprises – SOEs) أكثر من 250 شركة ومؤسسة موزعة على قطاعات متعددة.

بالمقابل، عانى هذا القطاع من مشكلات بنيوية عميقة حتى قبل اندلاع الأزمة. من أبرز هذه المشكلات: التضخم الوظيفي الذي وصل في بعض المؤسسات إلى نسب خيالية، وضعف الإنتاجية، وغياب الحوافز، والفساد الإداري المستشري. كانت كثير من المؤسسات العامة تُحقق خسائر سنوية تتحملها الخزينة العامة. فقد كان قطاع الغزل والنسيج الحكومي، على سبيل المثال، يُشغّل آلاف العمال بينما تراجع إنتاجه لأقل من ثلث طاقته التصميمية. هذا الواقع يجعل الإصلاح الاقتصادي السوري ضرورة لا ترفاً، والخصخصة أحد أدواته المحتملة.


اقرأ أيضاً: هوية الاقتصاد السوري وتطورها تاريخياً


ما التجارب السابقة للخصخصة في سوريا قبل 2011؟

من الخطأ الاعتقاد بأن الخصخصة في سوريا فكرة جديدة تماماً. لقد شهدت البلاد موجة من الانفتاح الاقتصادي الجزئي في العقد الأول من الألفية الثالثة، تحديداً بين عامي 2000 و2010. خلال تلك الفترة، سُمح بإنشاء المصارف الخاصة لأول مرة منذ عقود، ودخل القطاع الخاص في مجال الاتصالات الخلوية عبر شركتي سيريتل وMTN. كما افتُتحت مناطق حرة، وصدر قانون الاستثمار رقم 10 ثم تعديلاته.

من جهة ثانية، لم تكن تلك التجربة خصخصة بالمعنى الكامل، بل كانت أقرب إلى فتح المجال أمام القطاع الخاص للعمل بموازاة القطاع العام. ظلت المؤسسات الحكومية الكبرى بعيدة عن أي إصلاح جوهري. الجدير بالذكر أن تلك الفترة شهدت نمواً اقتصادياً ملحوظاً، وارتفع الناتج المحلي الإجمالي من نحو 20 مليار دولار عام 2000 إلى قرابة 60 مليار دولار عام 2010. لكن هذا النمو لم يكن مستمراً، وانهار كل شيء مع بدء الأزمة. إن دراسة تلك التجربة تُقدم دروساً مهمة حول فرص نجاح الخصخصة في سوريا مستقبلاً.

ماذا تغير بعد سقوط النظام السابق في ديسمبر 2024؟

أحدث سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 تحولاً جذرياً في المشهد السوري برمته. فجأة، أصبحت سوريا أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة عقدها الاقتصادي والاجتماعي. الحكومة الانتقالية التي تشكلت مطلع 2025 ورثت اقتصاداً مُنهكاً: عملة منهارة، وتضخم جامح، وبطالة تتجاوز 50%، وقطاع عام مُترهل. هذا وقد أعلنت السلطات الجديدة عزمها على تبني نهج اقتصادي مختلف يُعطي القطاع الخاص دوراً أكبر.

التطور الأهم جاء في ديسمبر 2025 مع إلغاء قانون قيصر (Caesar Act) الأمريكي الذي كان يفرض عقوبات خانقة على الاقتصاد السوري منذ 2020. لقد فتح هذا القرار الباب أمام عودة الاستثمارات الأجنبية والتعاملات المصرفية الدولية. بالإضافة إلى ذلك، بدأت مؤسسات التمويل الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي بإرسال بعثات استكشافية لتقييم الوضع. كل هذه المتغيرات جعلت الخصخصة في سوريا موضوعاً واقعياً وليس مجرد طرح نظري. فهل ستنجح هذه المرة؟


اقرأ أيضاً: الثورة السورية ضد بشار الأسد: نضال من أجل الحرية


ما القطاعات المرشحة للخصخصة في سوريا؟

عندما نتحدث عن الخصخصة في سوريا، لا بد من تحديد القطاعات الأولى بالاهتمام. ليست كل القطاعات مناسبة للتحويل إلى القطاع الخاص، كما أن بعضها يحتاج أولوية أعلى نظراً لأهميته في إعادة الإعمار. بناءً على التجارب الدولية والوضع السوري الراهن، يمكن تصنيف القطاعات كالتالي:

القطاعات ذات الأولوية العالية للخصخصة

  • قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات: يُعَدُّ من أكثر القطاعات جاهزية؛ إذ يوجد فيه خبرة سابقة مع القطاع الخاص، ويحتاج استثمارات ضخمة لتحديث البنية التحتية الرقمية المتهالكة.
  • قطاع الطاقة الكهربائية: خسر هذا القطاع أكثر من 50% من طاقته التوليدية خلال سنوات الحرب، ويحتاج استثمارات تُقدر بعشرات المليارات لإعادة تأهيله.
  • المصارف والخدمات المالية: يتطلب إصلاح النظام المصرفي جذب بنوك إقليمية ودولية، وهذا يستدعي فتح الباب أمام مزيد من الخصخصة والشراكات.
  • قطاع النقل والموانئ: يُعَدُّ ميناء اللاذقية وطرطوس من الأصول الإستراتيجية التي يمكن منح امتيازات تشغيلها للقطاع الخاص مقابل تطويرها.
  • قطاع الصناعات التحويلية: معظم المنشآت الصناعية الحكومية متوقفة أو مدمرة، وإعادة تشغيلها تحتاج رؤوس أموال خاصة.

ما التحديات التي تواجه الخصخصة في سوريا؟

لن تكون الطريق نحو الخصخصة في سوريا مفروشة بالورود. ثمة تحديات اقتصادية جوهرية يجب مواجهتها، بعضها موروث من الماضي وبعضها ناتج عن ظروف المرحلة الانتقالية. إن تجاهل هذه التحديات قد يؤدي إلى فشل التجربة برمتها، كما حدث في دول أخرى.

أول هذه التحديات هو غياب الإطار القانوني والمؤسسي المناسب. القوانين السورية الحالية لا تتضمن تشريعات واضحة للخصخصة، ولا توجد هيئة متخصصة لإدارة هذه العملية. من ناحية أخرى، يُشكل الفساد المستشري عائقاً كبيراً؛ إذ قد تتحول عمليات البيع إلى صفقات محاباة تُفيد المقربين على حساب المصلحة العامة. وكذلك هناك مشكلة تقييم الأصول: كيف تُقيّم شركة مدمرة جزئياً؟ وما القيمة العادلة لأصول تعرضت للنهب أو الإهمال لسنوات؟

اقرأ أيضاً:  الواردات السورية: هل تشهد سوريا انتعاشاً اقتصادياً بعد رفع العقوبات؟

على النقيض من ذلك، هناك تحديات ذات طبيعة اجتماعية لا تقل خطورة. يُوظف القطاع العام السوري مئات الآلاف من العاملين الذين يعتمدون على رواتبه الحكومية. أي عملية خصخصة ستُثير مخاوف مشروعة حول مصير هؤلاء العمال. هل سيفقدون وظائفهم؟ وما البدائل المتاحة لهم في ظل اقتصاد يعاني أصلاً من بطالة مرتفعة؟ إن معالجة هذا البُعد الاجتماعي ستُحدد إلى حد كبير مدى القبول الشعبي للخصخصة في سوريا.


اقرأ أيضاً: التغيرات الاجتماعية في سوريا بسبب الحرب


كيف تعاملت دول أخرى مع الخصخصة في ظروف مشابهة؟

من المفيد جداً النظر إلى تجارب دول أخرى مرت بظروف قريبة من الحالة السورية. لكل تجربة دروسها، سواء كانت ناجحة أو فاشلة. إن فهم هذه التجارب سيُساعد صانعي القرار السوريين على تجنب الأخطاء وتبني أفضل الممارسات.

التجربة المصرية في التسعينيات

بدأت مصر برنامج خصخصة واسعاً في أوائل التسعينيات بدعم من صندوق النقد الدولي. شمل البرنامج بيع أكثر من 300 شركة عامة خلال عقد ونصف. النتائج كانت مختلطة: بعض الشركات ازدهرت بعد الخصخصة، بينما أُغلقت أخرى وسُرّح عمالها. الدرس المصري الأهم هو ضرورة وجود شبكة أمان اجتماعي قبل البدء بالخصخصة.

التجربة العراقية بعد 2003

تُقدم التجربة العراقية نموذجاً تحذيرياً مهماً. بعد سقوط نظام صدام حسين، حاولت سلطة الائتلاف المؤقتة فرض خصخصة سريعة وشاملة. لكن الفوضى الأمنية والفراغ المؤسسي أفشلا معظم هذه المحاولات. بقي القطاع العام العراقي مُترهلاً، ولم تنجح الخصخصة إلا في قطاعات محدودة كالاتصالات. الدرس هنا واضح: الاستقرار الأمني شرط أساسي لنجاح أي إصلاح اقتصادي.

تجارب أوروبا الشرقية

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، خاضت دول أوروبا الشرقية تجارب خصخصة متنوعة. بولندا وتشيكيا والمجر حققت نجاحات ملموسة عبر نهج تدريجي ومؤسسي. بينما عانت روسيا وأوكرانيا من “خصخصة الصدمة” التي أدت إلى تركز الثروة بيد قلة من الأوليغارشية. التجربة البولندية تحديداً تستحق الدراسة؛ إذ جمعت بين الإصلاح التدريجي وبرامج إعادة التأهيل المهني للعمال المسرّحين.

ما الإطار القانوني المطلوب للخصخصة في سوريا؟

إن نجاح الخصخصة في سوريا يتطلب بناء إطار قانوني ومؤسسي متين. هذا ليس ترفاً بيروقراطياً، بل ضرورة لضمان الشفافية والعدالة وحماية المصلحة العامة. بدون هذا الإطار، ستتحول الخصخصة إلى عملية نهب منظمة.

أول ما يُحتاج إليه هو قانون شامل للخصخصة يُحدد الأهداف والآليات والضوابط. يجب أن يتضمن هذا القانون: تعريفاً واضحاً للقطاعات القابلة للخصخصة، وآليات التقييم والبيع، ومتطلبات الشفافية والإفصاح، وحقوق العمال، والقيود على المشترين. كما أن إنشاء هيئة مستقلة للخصخصة يُعَدُّ أمراً محورياً. يجب أن تتمتع هذه الهيئة بالاستقلالية والكفاءة، وأن تخضع للرقابة البرلمانية والقضائية.

بالإضافة إلى ذلك، يحتاج الإطار القانوني إلى تشريعات مُكمّلة في مجالات عدة. من أهمها: قانون حماية المنافسة لمنع الاحتكار، وقانون حماية المستهلك، وتشريعات لتنظيم القطاعات المُحررة كالاتصالات والطاقة. وكذلك يجب تطوير منظومة قضائية قادرة على الفصل في النزاعات التجارية والاستثمارية. إن غياب أي من هذه العناصر سيُضعف ثقة المستثمرين ويُهدد نجاح العملية برمتها.

كيف يمكن حماية العمال والفئات الضعيفة خلال عملية الخصخصة؟

هذا السؤال يُشكل جوهر أي نقاش جدي حول الخصخصة في سوريا. فالهدف النهائي لأي إصلاح اقتصادي يجب أن يكون تحسين حياة المواطنين، لا إثراء فئة على حساب أخرى. كيف يمكن تحقيق هذا التوازن الصعب؟

تُقدم التجارب الدولية عدة آليات للحماية الاجتماعية. أولاها برامج إعادة التأهيل المهني (Vocational Retraining) التي تُساعد العمال المسرّحين على اكتساب مهارات جديدة تؤهلهم لسوق العمل المتغير. ثانيها مكافآت نهاية الخدمة المُنصفة التي تُوفر وسادة مالية خلال فترة الانتقال. ثالثها برامج التقاعد المبكر للعمال الأكبر سناً الذين يصعب إعادة تأهيلهم. رابعها إشراك العمال في ملكية الشركات المُخصصة عبر منحهم نسبة من الأسهم.

من ناحية أخرى، يجب أن تتضمن عقود الخصخصة شروطاً تحمي العمال. يمكن إلزام المشتري الجديد بالإبقاء على نسبة معينة من العمالة لفترة محددة. كما يمكن فرض غرامات على التسريح الجماعي غير المبرر. الجدير بالذكر أن بعض الدول اشترطت موافقة النقابات العمالية على صفقات الخصخصة. كل هذه الآليات يجب دراستها بعناية لتكييفها مع الواقع السوري.


اقرأ أيضاً: دور المرأة في المجتمع السوري


ما دور الاستثمار الأجنبي في نجاح الخصخصة؟

لا يمكن الحديث عن الخصخصة في سوريا بمعزل عن الاستثمار الأجنبي المباشر (Foreign Direct Investment – FDI). فالقطاع الخاص السوري، رغم حيويته، لا يملك وحده رؤوس الأموال الضخمة المطلوبة لإعادة الإعمار. هنا يأتي دور المستثمرين الأجانب، سواء من دول الخليج أو تركيا أو أوروبا أو غيرها.

إن جذب الاستثمار الأجنبي يتطلب توفير بيئة جاذبة ومُطمئنة. أول عنصر هو الاستقرار السياسي والأمني، وهو شرط لا غنى عنه. ثانياً، وجود إطار قانوني واضح يحمي حقوق المستثمرين ويضمن تنفيذ العقود. ثالثاً، سهولة تحويل الأرباح للخارج دون قيود تعسفية. رابعاً، وجود يد عاملة مؤهلة بتكلفة تنافسية. خامساً، بنية تحتية أساسية تُمكّن من ممارسة الأعمال.

بعد رفع العقوبات في ديسمبر 2025، بدأت بوادر اهتمام أجنبي بالسوق السورية. أعلنت عدة شركات خليجية وتركية نيتها استكشاف فرص استثمارية. لكن الحذر لا يزال سيد الموقف؛ إذ ينتظر كثير من المستثمرين مزيداً من الوضوح حول الوضع السياسي والأمني. إن نجاح أولى عمليات الخصخصة في سوريا سيُرسل إشارة إيجابية قد تُشجع موجة أوسع من الاستثمارات.

ما البدائل المتاحة عن الخصخصة الكاملة؟

ليست الخصخصة الكاملة الخيار الوحيد المتاح. ثمة نماذج وسيطة قد تكون أنسب للواقع السوري في المرحلة الحالية. هذه النماذج تجمع بين الكفاءة الاقتصادية والحفاظ على دور الدولة في القطاعات الإستراتيجية.

اقرأ أيضاً:  الاستثمار في سوريا: المخاطر والمكافآت

نماذج بديلة للخصخصة الكاملة

  • الشراكة بين القطاعين العام والخاص (Public-Private Partnership – PPP): تحتفظ الدولة بالملكية بينما يتولى القطاع الخاص التشغيل والإدارة والتطوير لفترة محددة. هذا النموذج شائع في قطاعات الطاقة والمياه والمطارات.
  • عقود الإدارة (Management Contracts): تُسند الدولة إدارة مؤسسة عامة لشركة خاصة متخصصة مقابل رسوم، مع بقاء الملكية حكومية.
  • الخصخصة الجزئية: تبيع الدولة حصة أقلية من أسهم الشركة العامة مع احتفاظها بالسيطرة. يوفر هذا النموذج سيولة ويُحسّن الحوكمة دون التخلي عن الملكية.
  • التحول إلى شركات مساهمة عامة: تتحول المؤسسات الحكومية إلى شركات مساهمة تخضع لقواعد الحوكمة والشفافية، مع بقاء أغلبية الأسهم للدولة مبدئياً.
  • إعادة الهيكلة الداخلية (Restructuring): إصلاح المؤسسات العامة من الداخل دون بيعها، عبر تحسين الإدارة وتقليص العمالة الفائضة وتحديث التقنيات.

إن اختيار النموذج المناسب يعتمد على طبيعة كل قطاع وظروفه. بعض القطاعات قد تناسبها الخصخصة الكاملة، بينما يُفضَّل في أخرى نموذج الشراكة أو الخصخصة الجزئية.


اقرأ أيضاً: صعود الطاقة المتجددة في سوريا: التحديات والفرص


كيف يمكن ضمان الشفافية ومكافحة الفساد في عمليات الخصخصة؟

يُعَدُّ الفساد أكبر تهديد لنجاح الخصخصة في سوريا. لقد شهدت دول كثيرة تحوّل برامج الخصخصة إلى فرص للإثراء غير المشروع على حساب المال العام. كيف يمكن تجنب هذا المصير؟

أول خط دفاع هو الشفافية الكاملة في جميع مراحل العملية. يجب الإعلان عن قرارات الخصخصة مسبقاً، ونشر تقارير التقييم، وإتاحة المجال للاطلاع على وثائق العطاءات. كما أن استخدام المزادات العلنية والتنافسية يُقلل فرص المحاباة. بالإضافة إلى ذلك، يجب إشراك جهات رقابية متعددة: ديوان المحاسبة، والبرلمان، ومنظمات المجتمع المدني، والإعلام. إن وجود “عيون” متعددة يُصعّب إتمام الصفقات المشبوهة.

من جهة ثانية، يجب وضع ضوابط صارمة على الأطراف المشاركة. منع المسؤولين الحكوميين الحاليين والسابقين من المشاركة في شراء الشركات المُخصصة لفترة محددة. فرض الإفصاح الكامل عن هوية المشترين والمستفيدين النهائيين. منع الشركات ذات السجلات المشبوهة من المشاركة. هذه الضوابط ليست مثالية، لكنها تُقلل المخاطر بشكل كبير. وعليه فإن بناء منظومة نزاهة متكاملة يُعَدُّ شرطاً لازماً لنجاح الخصخصة في سوريا.

ما السيناريوهات المحتملة للخصخصة في سوريا خلال 2025-2026؟

بناءً على المعطيات الحالية، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات محتملة لمسار الخصخصة في سوريا خلال الفترة القادمة. لكل سيناريو افتراضاته ونتائجه المحتملة.

السيناريو الأول: التريث والتدرج. في هذا السيناريو، تُركز الحكومة الانتقالية على الاستقرار السياسي والأمني أولاً، مع تأجيل قرارات الخصخصة الكبرى. قد تُجري بعض عمليات الشراكة المحدودة في قطاعات غير حساسة. الميزة هنا تجنب الأخطاء المتسرعة، لكن العيب هو إبطاء وتيرة الإصلاح الاقتصادي.

السيناريو الثاني: الخصخصة المُسرَّعة. تحت ضغط الحاجة للموارد، تُسرّع الحكومة عمليات البيع والتحويل. قد يُوفر هذا سيولة فورية، لكنه يحمل مخاطر كبيرة: بيع الأصول بأقل من قيمتها، انتشار الفساد، ردود فعل اجتماعية سلبية.

السيناريو الثالث: النهج المؤسسي المتوازن. هذا هو السيناريو الأمثل من وجهة نظري. تبدأ الحكومة ببناء الإطار القانوني والمؤسسي خلال 2025، ثم تُطلق عمليات خصخصة مدروسة في قطاعات مختارة خلال 2026. يجمع هذا النهج بين الحكمة والفعالية. إن نجاح الخصخصة في سوريا يعتمد بشكل كبير على السيناريو الذي سيُتبنى.


اقرأ أيضاً: كيفية تحسين النمو الاقتصادي في سوريا بعد سقوط نظام الأسد


ما موقف المؤسسات الدولية من الخصخصة في سوريا؟

تُولي المؤسسات الدولية اهتماماً متزايداً بالملف الاقتصادي السوري منذ التحولات السياسية الأخيرة. لقد أرسل كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي فرقاً فنية لتقييم الوضع خلال النصف الأول من 2025. كما بدأت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) بإعداد خطط دعم فني لإعادة الهيكلة الاقتصادية.

من ناحية أخرى، تتبنى هذه المؤسسات عادةً توصيات تميل نحو اقتصاد السوق والخصخصة. لكنها تعلمت من تجاربها السابقة في دول ما بعد الصراع. باتت التوصيات الحالية أكثر حذراً، وتُركز على أهمية التدرج والسياق المحلي وشبكات الأمان الاجتماعي. إن الدعم الفني والمالي من هذه المؤسسات سيكون عاملاً مهماً في نجاح الخصخصة في سوريا، لكنه يجب ألا يتحول إلى إملاءات تتجاهل الخصوصية السورية.

هذا وقد أعلن عدد من الدول المانحة استعدادها لدعم مسيرة الإصلاح الاقتصادي في سوريا. الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، ودول الخليج، وتركيا، كلها أبدت اهتماماً بالمشاركة في إعادة الإعمار. لكن هذا الدعم مشروط غالباً بتحقيق تقدم في الإصلاح السياسي والمؤسسي. إن الربط بين الدعم الدولي ومسار الإصلاح الاقتصادي، بما فيه الخصخصة، سيُشكل جزءاً من المشهد السوري القادم.


اقرأ أيضاً: سوريا والمساعدات الدولية: أزمات إنسانية متجذرة وتحديات التعافي


ما الدروس المستفادة لضمان نجاح الخصخصة في سوريا؟

بعد هذا الاستعراض الشامل، يمكن استخلاص مجموعة من الدروس الجوهرية التي يجب مراعاتها. إن تجاهل هذه الدروس سيُكرر أخطاء دول سبقتنا في هذا المسار.

الدرس الأول هو أن الخصخصة وسيلة لا غاية. الهدف ليس البيع بحد ذاته، بل تحسين كفاءة الاقتصاد وخدمة المواطنين. إذا لم تُحقق الخصخصة هذه الأهداف، فلا قيمة لها. الدرس الثاني هو أهمية التدرج والتسلسل. لا يمكن خصخصة كل شيء دفعة واحدة. يجب البدء بقطاعات مختارة واكتساب الخبرة قبل التوسع. الدرس الثالث هو محورية البُعد الاجتماعي. أي إصلاح يتجاهل حقوق العمال والفئات الضعيفة سيواجه مقاومة شعبية قد تُسقطه.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الشفافية ومكافحة الفساد ليست رفاهية، بل شرط بقاء. وكذلك يجب أن يُصاحب الخصخصة إصلاح أوسع يشمل الحوكمة والقضاء وبيئة الأعمال. فالخصخصة في سوريا لن تنجح في فراغ مؤسسي. إنها جزء من منظومة إصلاحية متكاملة يجب أن تعمل معاً. برأيكم، هل ستتمكن سوريا من تطبيق هذه الدروس؟ الإجابة ستتضح خلال السنوات القليلة القادمة.

خاتمة

لقد حاولت في هذه المقالة تقديم صورة شاملة عن الخصخصة في سوريا: مفهومها، وسياقها التاريخي، وتحدياتها، وفرصها، والتجارب الدولية ذات الصلة. إن سوريا تقف اليوم على مفترق طرق اقتصادي تاريخي. القرارات التي ستُتخذ خلال الفترة 2025-2026 ستُشكل ملامح الاقتصاد السوري لعقود قادمة.

ليست الخصخصة حلاً سحرياً، ولا هي شر مطلق. إنها أداة يمكن أن تُستخدم جيداً أو تُساء. النتيجة تعتمد على الكيفية التي ستُطبق بها: هل ستكون شفافة أم فاسدة؟ تدريجية أم متسرعة؟ عادلة أم محابية؟ مؤسسية أم عشوائية؟ إن نجاح الخصخصة في سوريا رهين بالإجابة على هذه الأسئلة.

اقرأ أيضاً:  اقتصاد سوريا بعد سقوط نظام الأسد، خطة لاستعادة الاستقرار والنمو

فهل سيتمكن السوريون من بناء اقتصاد جديد يجمع بين الكفاءة والعدالة، ويُوظف إمكانات القطاع الخاص دون التخلي عن المسؤولية الاجتماعية للدولة؟


الأسئلة الشائعة

هل يمكن للمواطن السوري العادي شراء أسهم في الشركات المُخصخصة؟
نعم، في كثير من تجارب الخصخصة الناجحة تُخصص نسبة من الأسهم للمواطنين العاديين عبر اكتتابات عامة بأسعار مُيسرة. هذا النموذج يُسمى “الخصخصة الشعبية” أو “ديمقراطية الملكية”، وقد طُبق في بريطانيا وتشيكيا وغيرهما. يتطلب ذلك وجود سوق أوراق مالية منظم وآليات واضحة للاكتتاب، وهو ما تحتاج سوريا لتطويره قبل تطبيق هذا النموذج.

ما الفرق بين الخصخصة والتخصيص والتحرير الاقتصادي؟
الخصخصة هي نقل الملكية من الدولة للقطاع الخاص، بينما التخصيص يعني تحويل نشاط معين ليمارسه القطاع الخاص دون بيع أصول قائمة. أما التحرير الاقتصادي فهو مفهوم أوسع يشمل إزالة القيود والاحتكارات الحكومية وفتح الأسواق للمنافسة. قد تتضمن خطة الإصلاح الاقتصادي العناصر الثلاثة معاً بدرجات متفاوتة حسب القطاع.

هل ستُباع الأراضي الزراعية الحكومية ضمن برنامج الخصخصة؟
تُعَدُّ الأراضي الزراعية مسألة حساسة اجتماعياً وسياسياً في سوريا. الاتجاه السائد دولياً يميل نحو منح عقود إيجار طويلة الأمد بدلاً من البيع المباشر للأراضي الحكومية، مما يُتيح الاستثمار مع الحفاظ على ملكية الدولة للأرض كأصل إستراتيجي.

كيف ستتعامل الخصخصة مع الشركات التي دُمرت كلياً خلال الحرب؟
الشركات المدمرة كلياً لا تُخصخص بالمعنى التقليدي لأنه لا توجد أصول تشغيلية للبيع. البديل هو طرح الأرض والموقع للاستثمار عبر عقود البناء والتشغيل ونقل الملكية المعروفة اختصاراً بـ BOT، حيث يبني المستثمر منشأة جديدة ويُشغلها لفترة محددة ثم يُعيدها للدولة.

ما مصير الديون المتراكمة على الشركات العامة عند خصخصتها؟
تُعالج الديون عادةً بإحدى طريقتين: إما أن تتحملها الدولة وتُشطب من سجلات الشركة قبل البيع لجعلها أكثر جاذبية للمستثمرين، أو تُحتسب ضمن سعر البيع فيحصل المشتري على سعر أقل مقابل تحمله للديون. الخيار يعتمد على حجم الديون وقدرة الخزينة العامة على استيعابها.

هل يُسمح للدول الأجنبية بشراء شركات سورية ضمن الخصخصة؟
تضع معظم الدول قيوداً على ملكية الأجانب في القطاعات الإستراتيجية كالدفاع والإعلام والموارد الطبيعية. من المتوقع أن يتضمن أي قانون خصخصة سوري قيوداً مماثلة، مع السماح بالملكية الأجنبية في القطاعات غير الحساسة ضمن نسب محددة أو عبر شراكات مع مستثمرين محليين.

كيف تُحدد القيمة العادلة لشركة عامة لم تعمل منذ سنوات؟
يُستخدم مزيج من أساليب التقييم: تقييم الأصول الملموسة كالأراضي والمباني والآلات بقيمتها السوقية الحالية، وتقدير تكلفة إعادة التأهيل، وحساب القيمة الحالية للتدفقات النقدية المتوقعة بعد التشغيل. عادةً ما تُستعان بشركات تقييم دولية محايدة لضمان المصداقية.

هل يحق للعمال الاعتراض على قرار خصخصة شركتهم؟
في الأنظمة الديمقراطية، تملك النقابات العمالية حق التفاوض والاعتراض، وأحياناً حق الفيتو على شروط معينة في صفقات الخصخصة. مدى هذه الحقوق في سوريا سيعتمد على التشريعات الجديدة ومدى الاعتراف بدور النقابات المستقلة في المرحلة الانتقالية.

ما الضمانات لعدم رفع أسعار الخدمات بعد خصخصة قطاعات كالكهرباء والمياه؟
تُنشأ عادةً هيئات تنظيمية مستقلة لكل قطاع مُحرر تتولى تحديد سقوف الأسعار ومعايير جودة الخدمة. تعمل هذه الهيئات على تحقيق التوازن بين السماح للمستثمر بتحقيق عائد معقول وحماية المستهلكين من الاستغلال، مع مراعاة شرائح الدعم للفئات الأكثر فقراً.

متى يمكن توقع بدء أولى عمليات الخصخصة فعلياً في سوريا؟
بناءً على التجارب الدولية والوضع الراهن، يُرجح ألا تبدأ عمليات خصخصة حقيقية قبل منتصف أو نهاية عام 2026 على أقرب تقدير، إذ يتطلب الأمر أولاً إقرار الإطار القانوني وإنشاء المؤسسات المختصة وإجراء عمليات الجرد والتقييم.


المراجع

  • Kikeri, S., & Nellis, J. (2004). An assessment of privatization. The World Bank Research Observer, 19(1), 87-118. https://doi.org/10.1093/wbro/lkh014
    يُقدم تقييماً شاملاً لبرامج الخصخصة عالمياً ودروسها المستفادة.
  • Megginson, W. L., & Netter, J. M. (2001). From state to market: A survey of empirical studies on privatization. Journal of Economic Literature, 39(2), 321-389. https://doi.org/10.1257/jel.39.2.321
    يستعرض الأدبيات الأكاديمية حول نتائج الخصخصة في سياقات مختلفة.
  • World Bank. (2017). The toll of war: The economic and social consequences of the conflict in Syria. Washington, DC: World Bank Group. https://doi.org/10.1596/27541
    يُوثق الآثار الاقتصادية للصراع السوري ويُقدم تقديرات لتكلفة إعادة الإعمار.
  • Hinnebusch, R. (2012). Syria: from ‘authoritarian upgrading’ to revolution? International Affairs, 88(1), 95-113. https://doi.org/10.1111/j.1468-2346.2012.01059.x
    يُحلل السياسات الاقتصادية السورية قبل 2011 وتجربة الانفتاح الجزئي.
  • Roland, G. (2008). Privatization: Successes and failures. New York: Columbia University Press.
    كتاب أكاديمي شامل يُقارن بين تجارب الخصخصة في دول مختلفة.
  • ESCWA. (2020). Syria at war: Eight years on. Beirut: United Nations Economic and Social Commission for Western Asia.
    تقرير إقليمي يُوثق الوضع الاقتصادي السوري ويُقدم توصيات للإصلاح.

بيان المصداقية

اعتمدت هذه المقالة على مصادر أكاديمية مُحكمة وتقارير مؤسسات دولية موثوقة. تشمل المراجع منشورات البنك الدولي، ومجلات علمية مُفهرسة في قواعد بيانات معترف بها. المعلومات المُحدَّثة حول الأحداث بعد 2024 مبنية على التطورات السياسية المُعلنة والتقديرات الاقتصادية المتاحة حتى تاريخ كتابة المقال.

إخلاء المسؤولية: المعلومات الواردة ذات طابع تثقيفي عام، ولا تُعَدُّ نصيحة استثمارية أو قانونية. الوضع في سوريا متغير، ويُنصح بالرجوع إلى مصادر مُحدثة للقرارات العملية.


جرت مراجعة هذا المقال من قبل فريق التحرير في موقعنا لضمان الدقة والمعلومة الصحيحة.


إذا وجدت هذه المقالة مفيدة في فهم موضوع الخصخصة في سوريا، فنحن ندعوك لمشاركتها مع المهتمين بالشأن الاقتصادي السوري. كما نُرحب بتعليقاتكم وآرائكم حول هذا الموضوع الحيوي في قسم التعليقات أدناه. وللاطلاع على مزيد من التحليلات حول إعادة الإعمار والفرص الاستثمارية في سوريا، تابعوا نشرتنا الإخبارية أو تصفحوا المقالات ذات الصلة على موقعنا.

هيئة تحرير موسوعة سوريا

الحساب الرسمي الموحد لفريق البحث والتدقيق في موسوعة سوريا. تخضع جميع المواد المنشورة عبر هذا الحساب لمراجعة دقيقة من قبل مختصين في التاريخ والجغرافيا والتراث، لضمان دقة المعلومات وحيادية الطرح ومطابقتها لسياسة النشر المعتمدة لدينا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى