مال وأعمال

القمح في سوريا: هل يعود الذهب الأصفر لبريقه بعد عام 2026؟

كيف تحول ملف القمح من الاكتفاء الذاتي إلى أزمة أمن غذائي؟

يعتبر القمح في الذاكرة الجمعية للسوريين أكثر من مجرد مادة غذائية؛ إنه رمز للحياة والبقاء والهوية التي تجذرت في هذه الأرض منذ آلاف السنين.
من حقول الجزيرة الخصبة إلى سهول حوران البركانية، تسرد كل سنبلة حكاية صمود وتحدٍ في وجه أقسى الظروف المناخية والسياسية.

لقد كان القمح في سورية لعقود طويلة بمثابة العمود الفقري للأمن الغذائي وللاقتصاد الوطني على حد سواء.
فقد تميزت سوريا قبل عام 2011 بكونها الدولة العربية الوحيدة التي حققت الاكتفاء الذاتي من القمح، بل وصدرت الفائض إلى دول الجوار وأوروبا.
إن إنتاج سوريا في سنوات الرخاء كان يتجاوز 4 ملايين طن سنوياً، بينما الاستهلاك المحلي لم يتعدَّ 2.5 مليون طن.
لكن، ومع اندلاع الحرب، تعرضت البنية التحتية للزراعة لدمار هائل وتشتتت الخبرات الفنية.
علاوة على ذلك، أدى خروج مساحات شاسعة عن السيطرة المركزية إلى تدهور سلاسل التوريد بشكل غير مسبوق.
لقد انخفض الإنتاج في أسوأ السنوات إلى ما دون المليون طن، مما اضطر البلاد لاستيراد القمح الروسي بأسعار باهظة.
ومن جهة ثانية، لعبت العقوبات الاقتصادية دوراً في تعقيد عمليات استيراد الأسمدة وقطع الغيار للآلات الزراعية.
إذ؛ بات المزارع السوري محاصراً بين سندان ارتفاع التكاليف ومطرقة الجفاف وتغير المناخ.
ومع ذلك، فإن الصورة بدأت تتغير ملامحها تدريجياً مع التطورات السياسية الأخيرة في نهاية عام 2025.
فما هي يا ترى العوامل التي قلبت الموازين وأعادت الأمل للحقول السورية؟

اقرأ أيضاً:

كيف أثر إلغاء قانون قيصر في ديسمبر 2025 على القطاع الزراعي؟

إن التحول الجذري الذي شهده قطاع القمح في سوريا بدأ فعلياً مع لحظة إلغاء قانون قيصر (Caesar Act) في ديسمبر 2025.
لقد كان هذا القانون بمثابة قيد خانق منع دخول التكنولوجيا الزراعية الحديثة ومستلزمات الإنتاج الضرورية.
فقد سمح رفع العقوبات بتدفق الآلات الزراعية المتطورة (Agricultural Machinery) كالحصادات والجرارات التي غابت عن الخدمة لسنوات.
بالإضافة إلى ذلك، تمكنت الشركات الزراعية من استيراد الأسمدة والمبيدات النوعية التي تضاعف من إنتاجية الهكتار الواحد.
كما أن عودة العلاقات التجارية مع الأسواق العالمية فتحت الباب أمام تصدير فوائض محتملة في المستقبل القريب، مما شجع المزارعين على توسيع رقعة الأراضي المزروعة.
ومن ناحية أخرى، ساهم الانفتاح الاقتصادي في عودة الاستثمار الخليجية والدولية لإعادة تأهيل صوامع الحبوب (Grain Silos) المدمرة.
إن توافر السيولة المالية والقطع الأجنبي ساعد الحكومة الجديدة والمستثمرين الخواص على دعم الفلاحين بقروض ميسرة.
وعليه فإن عام 2026 يُعَدُّ عام “التقاط الأنفاس” وبداية التعافي الحقيقي للزراعة السورية.
لقد بدأ المزارعون في استعادة ثقتهم بالأرض وبجدوى الزراعة كمصدر رزق رئيس.
ولكن، هل يكفي رفع العقوبات وحده لحل مشكلة المياه المزمنة؟

اقرأ أيضاً:

أين تتركز جغرافيا زراعة القمح وما خصوصية كل منطقة؟

تتوزع زراعة القمح في سوريا على مناطق جغرافية متباينة المناخ والتربة، مما يمنح القمح السوري تنوعاً فريداً في الجودة والخصائص.
تُعَدُّ محافظة الحسكة في الشمال الشرقي هي “سلة غذاء سوريا”، حيث تنتج وحدها تاريخياً ما يقارب 40% إلى 50% من إجمالي القمح في البلاد.
تتميز أراضي الجزيرة السورية (Al-Jazira Region) بتربتها الخصبة واتساع مساحاتها التي تسمح بالزراعة الميكانيكية الواسعة.
أما المنطقة الثانية فهي سهول حوران في الجنوب، والتي كانت تسمى في العهد الروماني “أهراء روما” لجودة قمحها القاسي.
تعتمد الزراعة في حوران غالباً على مياه الأمطار، أو ما يعرف بالزراعة البعلية (Rain-fed Agriculture)، مما يعطي الحبوب نكهة مميزة وصلابة عالية.
ومن جهة ثانية، توجد مساحات زراعية مهمة في ريف حلب وحماة ومنطقة الغاب، حيث تتوفر مصادر مياه الري من الأنهار والسدود.
إن اختلاف معدلات الهطول المطري بين هذه المناطق يجعل الإنتاج الكلي للبلاد عرضة للتذبذب تبعاً للمواسم المطرية.
وعليه فإن تنوع المناطق الجغرافية يُعَدُّ سلاحاً ذو حدين؛ فهو يضمن تنوع الأصناف ولكنه يرهن الإنتاج بتقلبات المناخ في كل منطقة.
لقد شهدت منطقة الجزيرة تحديداً موجات جفاف قاسية في الأعوام (2021-2023) أدت لتراجع كارثي في المحصول.
بينما في عام 2026، ومع تحسن الإدارة المائية، بدأت هذه المناطق تستعيد عافيتها الخضراء.

اقرأ أيضاً:

ما هي أبرز أصناف القمح السوري ولماذا تتميز عالمياً؟

يشتهر القمح في سوريا بجودته العالية وتنوع أصنافه التي طورتها البحث العلمي الوطنية بالتعاون مع منظمات دولية مثل “إيكاردا”.
وينقسم القمح السوري بشكل رئيس إلى نوعين: القمح القاسي (Durum Wheat) والقمح الطري (Soft Wheat).
يدخل القمح القاسي في صناعة المعكرونة والبرغل والسميد، وهو مطلوب عالمياً لارتفاع نسبة البروتين فيه.
أما القمح الطري فيستخدم بشكل أساسي في صناعة الخبز والمعجنات، وهو يشكل أساس الأمن الغذائي اليومي للمواطن.
لقد طورت البحوث الزراعية السورية أصنافاً تحمل اسم “شام” (Sham) بأرقام متعددة، مثل شام 1، شام 3، وشام 5.
تتميز هذه الأصناف بقدرتها العالية على تحمل الجفاف ومقاومة الأمراض الفطرية والصدأ الأصفر.
كما أن صنف “بحوث” و”دوما” يُعَدُّ من الأصناف الواعدة التي أثبتت نجاحها في المناطق شبه الجافة.
الجدير بالذكر أن بنك الأصول الوراثية السوري كان يحتوي على سلالات قمح برية نادرة تعود لآلاف السنين.
وعلى النقيض من ذلك، أدت سنوات الحرب إلى ضياع جزء من هذه السلالات أو تهريبها للخارج، مما شكل خسارة علمية فادحة.
ولكن الجهود الحالية في عام 2026 تنصب على استعادة وإكثار هذه البذور المحلية الأصيلة لتقليل الاعتماد على المستورد.

  • أهم خصائص أصناف القمح السوري:
    • القمح القاسي (Durum): يتميز بحبته الذهبية القاسية، ومحتواه العالي من الغلوتين، وهو الصنف الذي اشتهرت به سوريا تصديرياً، ويُزرع غالباً في المناطق الأكثر استقراراً مطرياً أو المروية.
    • القمح الطري (Soft): حبته دقيقية بيضاء أو حمراء، يستخدم لإنتاج دقيق الخبز، وقد توسعت زراعته لتغطية الحاجة المحلية المتزايدة لرغيف الخبز المدعوم.
    • الأصناف المحسنة (Sham Varieties): هي نتاج عقود من البحث العلمي، صممت خصيصى لتلائم البيئة السورية الجافة وشبه الجافة، وتتميز بقصر ساقها ومقاومتها للرقاد.
اقرأ أيضاً:  حقول النفط والغاز في سوريا وإنتاجها واحتياطي هذه الحقول

اقرأ أيضاً:

كيف أثر التغير المناخي وشح المياه على مستقبل الزراعة؟

لم تكن الحرب وحدها هي العدو للزراعة، بل كان التغير المناخي (Climate Change) خصماً شرساً لا يرحم.
لقد عانت سوريا، والمنطقة عموماً، من ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة وتذبذب شديد في مواسم الأمطار.
إن مواسم الجفاف المتتالية تسببت في جفاف الآبار الجوفية وانخفاض منسوب الأنهار الرئيسة كالفرات والخابور.
هذا وقد أدى الاعتماد المفرط على الري بالغمر التقليدي إلى استنزاف المخزون المائي الجوفي بشكل جائر.
وفي عام 2026، أصبحت قضية المياه هي الشغل الشاغل لصناع القرار في سوريا الجديدة.
فقد فرض الواقع الجديد ضرورة التحول القسري نحو نظم الري الحديث (Modern Irrigation Systems) كالري بالتنقيط والري بالرش.
كما أن مشاريع حصاد مياه الأمطار وإعادة تدوير مياه الصرف الزراعي باتت ضرورة ملحة وليست ترفاً.
إن التحدي الأكبر يكمن في إقناع المزارع التقليدي بجدوى الانتقال للري الحديث رغم تكاليف التأسيس المرتفعة.
ولكن مع الدعم الحكومي والدولي بعد رفع العقوبات، بدأت ملامح هذا التحول تظهر في سهول الغاب والجزيرة.
فهل ينجح المزارع السوري في التأقلم مع مناخ أكثر قسوة وحرارة؟

اقرأ أيضاً:

ما هو حجم الفجوة الغذائية التي تسعى سوريا لردمها اليوم؟

تتمحور معركة القمح في سوريا اليوم حول ردم الفجوة الغذائية (Food Gap) بين الإنتاج والاستهلاك.
يحتاج السكان في سوريا إلى ما يقارب 2.5 إلى 3 ملايين طن من القمح سنوياً لتأمين الخبز ومنتجاته.
في السنوات الأخيرة قبل 2026، كان الإنتاج لا يتجاوز 1.5 مليون طن في أحسن الأحوال، مما خلق عجزاً كبيراً.
لقد تم تغطية هذا العجز عبر الاستيراد، مما استنزف خزينة الدولة من العملات الصعبة ورفع سعر ربطة الخبز.
أما اليوم، وبعد استقرار الأوضاع السياسية، وضعت الحكومة خطة طموحة للوصول إلى 3 ملايين طن بحلول عام 2027.
تشير التقديرات الأولية لموسم 2026 إلى إمكانية وصول الإنتاج إلى 2.2 مليون طن بفضل التوسع في المساحات المزروعة وتوفر الأسمدة.
إن تقليص الفجوة يعني تحرير الاقتصاد من عبء الاستيراد وتوجيه الأموال نحو التنمية والتعليم والصحة.
كما أن تحقيق الاكتفاء الذاتي يعيد لسوريا سيادتها الغذائية وقرارها المستقل بعيداً عن ضغوط الموردين.
إذ؛ لا يمكن الحديث عن استقلال سياسي حقيقي دون امتلاك رغيف الخبز.
وبالتالي، فإن كل طن إضافي ينتجه الفلاح السوري هو خطوة نحو التعافي الاقتصادي الشامل.

اقرأ أيضاً:

كيف يواجه المزارعون تحديات التكلفة وأسعار المحروقات؟

على الرغم من الانفراج السياسي، لا يزال المزارع يواجه تحديات اقتصادية يومية تتعلق بتكاليف الإنتاج (Production Costs).
تُعَدُّ المحروقات، وخاصة المازوت اللازم لتشغيل مضخات المياه والآليات، العصب المحرك لزراعة القمح المروي.
لقد أدى رفع الدعم الجزئي عن المحروقات إلى ارتفاع تكلفة الكيلوغرام الواحد من القمح على المنتج.
كما أن أسعار الأسمدة العالمية، رغم توفرها، لا تزال تشكل عبئاً مالياً على صغار المزارعين والفلاحين.
من جهة ثانية، عانى القطاع من نقص الأيدي العاملة الخبيرة نتيجة الهجرة والنزوح خلال سنوات الأزمة.
إلا أن عودة النازحين واللاجئين المتوقعة بعد عام 2025 قد تساهم في رفد القطاع الزراعي بدماء شابة جديدة.
تسعى الجمعيات الفلاحية الجديدة لتنظيم عمليات الشراء الجماعي للمستلزمات لتقليل التكلفة على الأفراد.
كما أن التحول لالطاقة الشمسية (Solar Energy) في ضخ المياه أصبح خياراً إستراتيجياً لتقليل الاعتماد على الديزل المكلف.
إن معادلة الربح والخسارة هي التي ستحسم بقاء المزارع في أرضه أو هجرته للمدينة بحثاً عن عمل آخر.
فهل تنجح السياسات السعرية الجديدة في إنصاف الفلاح وضمان هامش ربح مجزٍ له؟

  • أبرز العقبات التي واجهت زراعة القمح خلال سنوات الحرب:
    • تدمير البنية التحتية: تضرر شبكات الري، الصوامع الخراسانية والمطاحن، وخروج مراكز البحوث العلمية عن الخدمة في بعض المناطق الساخنة.
    • هجرة العقول والأيدي العاملة: نزوح مئات الآلاف من المزارعين والمهندسين الزراعيين، مما أدى لغياب الخبرة وتراجع العناية بالأرض.
    • صعوبة التسويق والنقل: تقطع الطرق وانتشار الحواجز جعل نقل المحصول من مناطق الإنتاج (الجزيرة) إلى مناطق الاستهلاك (المدن الكبرى) عملية محفوفة بالمخاطر وباهظة التكلفة.

اقرأ أيضاً:

ما دور المنظمات الدولية والمحلية في مرحلة إعادة الإعمار؟

تلعب المنظمات الدولية دوراً محورياً في مرحلة ما بعد الصراع لإعادة تأهيل قطاع القمح في سوريا.
تعمل منظمة الأغذية والزراعة (FAO) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) جنباً إلى جنب مع المؤسسات المحلية.
تتركز الجهود على توزيع البذور المحسنة مجاناً أو بأسعار رمزية للمزارعين المتضررين في المناطق الأشد فقراً.
كما تقوم هذه المنظمات بتأهيل قنوات الري المتضررة وتقديم منح نقدية لصيانة الآبار والمضخات.
من ناحية أخرى، نشطت منظمات المجتمع المحلي في تقديم الإرشاد الزراعي والتوعية بأساليب الزراعة المستدامة.
إن وجود هذه المنظمات يوفر شبكة أمان اجتماعية للفلاحين في حال فشل المحصول نتيجة ظروف قاهرة.
وبعد إلغاء العقوبات، أصبح بإمكان هذه المنظمات تحويل الأموال وتمويل مشاريع ضخمة كانت محظورة سابقاً.
الجدير بالذكر أن مشاريع التمويل الأصغر (Microfinance) بدأت تنتشر لدعم النساء الريفيات العاملات في الزراعة.
إن الشراكة بين القطاع العام والمنظمات الدولية والمجتمع الأهلي هي مفتاح النجاح في هذه المرحلة الانتقالية.
ولكن يجب أن يتحول الدعم من مجرد إغاثة طارئة إلى تنمية مستدامة طويلة الأمد.

اقرأ أيضاً:  المهن الحرة في سوريا: ما هي الفرص والتحديات الحقيقية؟

اقرأ أيضاً:

كيف تعاملت الدولة مع تسعير القمح واستلامه من الفلاحين؟

لطالما كانت عملية تسعير القمح (Wheat Pricing) وشراؤه من الفلاحين قضية جدلية سنوية في سوريا.
تعلن الحكومة عادة عن “سعر استرشادي” أو “سعر تشجيعي” قبل موسم الحصاد لتحفيز الفلاحين على تسليم محصولهم لمراكز الدولة.
في السنوات الماضية، كان التضخم المتسارع وتدهور قيمة الليرة يجعل السعر الحكومي غير عادل مقارنة بتكاليف الإنتاج.
أدى ذلك لتهريب جزء كبير من المحصول إلى دول الجوار أو بيعه للتجار في السوق السوداء بأسعار أعلى.
أما في موسم 2026، فقد اعتمدت الحكومة آلية تسعير جديدة مربوطة جزئياً بالأسعار العالمية وتكاليف الإنتاج الحقيقية.
كما تم تسهيل إجراءات الاستلام في المراكز وتقليل الروتين وصرف قيم المحاصيل المادية خلال فترة قصيرة.
إن استعادة ثقة الفلاح بمؤسسة الحبوب الحكومية يتطلب شفافية وعدالة في التصنيف والقبض.
وقد تم افتتاح مراكز استلام جديدة في المناطق التي استعادت الدولة السيطرة عليها وتأهيل الصوامع فيها.
إن نجاح الدولة في استجرار كامل المحصول يعني تأمين مخزون إستراتيجي يكفي لعدة أشهر ويمنع حدوث أزمات خبز.
فهل ينجح السعر الجديد في وقف نزيف التهريب والحفاظ على خيرات البلاد في الداخل؟

اقرأ أيضاً:

هل يمكن استعادة مكانة القمح السوري في الأسواق العالمية؟

يطمح السوريون لرؤية قمحهم يعود للمنافسة في الأسواق الدولية كما كان الحال قبل عقدين من الزمن.
يتمتع القمح القاسي السوري بسمعة ممتازة لدى مصنعي المعكرونة في إيطاليا وأوروبا نظراً لصلابته وصفاته الفيزيائية.
إن العودة للتصدير تتطلب أولاً تحقيق فائض حقيقي ومستدام يتجاوز حاجة الاستهلاك المحلي والمخزون الإستراتيجي.
كما تتطلب تحسين مواصفات الجودة والفرز والتعبئة لتتوافق مع المعايير الدولية الصارمة.
ومع انفتاح الحدود ورفع الحظر، بدأت غرف التجارة والزراعة في إجراء اتصالات مع أسواق تقليدية وجديدة.
إن التصدير ليس مجرد بيع فائض، بل هو مصدر مهم للعملة الصعبة التي يحتاجها الاقتصاد السوري للتعافي.
ولكن الأولوية القصوى تظل حالياً لتأمين رغيف الخبز للمواطن السوري بسعر مدعوم ومقبول.
وبالتالي، قد يكون الحديث عن تصدير كميات ضخمة سابقاً لأوانه في عام 2026، ولكنه هدف إستراتيجي للمستقبل.
إن استعادة الأسواق أسهل من بنائها، والقمح السوري يمتلك “الاسم التجاري” الجيد الذي يسهل تسويقه.
انظر إلى المستقبل بعين التفاؤل، فالأرض التي أعطت لآلاف السنين لن تبخل الآن.

  • خطوات التعافي المقترحة والمرجوة للقطاع بعد عام 2026:
    • رقمنة القطاع الزراعي: إنشاء قاعدة بيانات رقمية دقيقة تحصي المساحات والمزارعين والاحتياجات الفعلية لضمان توزيع عادل للدعم ومنع الفساد.
    • التحول نحو الزراعة الذكية مناخياً: تبني أصناف بذور مقاومة للحرارة والجفاف، وتعميم نظم الري الذكي التي توفر 40% من المياه، واستخدام الطائرات المسيرة لمراقبة الآفات.
    • توطين صناعة المستلزمات: تشجيع الاستثمار في إنشاء مصانع للأسمدة والأعلاف وشبكات الري محلياً بدلاً من استيرادها، للاستفادة من إلغاء العقوبات وتخفيف فاتورة الاستيراد.

اقرأ أيضاً:

خاتمة: الأرض تنتظر سواعد أبنائها

في الختام، لا يمكن فصل حكاية القمح في سوريا عن حكاية الإنسان السوري نفسه؛ فكلاهما تعرض للكسر، وكلاهما يحاول النهوض من جديد.
إن المؤشرات الإيجابية التي لاحت في أفق عام 2026، بعد التغييرات السياسية الكبرى وإلغاء قانون قيصر، تبشر بمستقبل واعد.
لقد أثبتت الأرض السورية أنها قادرة على العطاء إذا ما توفرت لها الظروف الملائمة والإدارة الحكيمة والمحبة الصادقة.
إن عودة القمح لملء البيادر ليست مجرد رقم اقتصادي، بل هي إعلان لعودة الحياة والاستقرار إلى ربوع هذا الوطن المنهك.
ومع كل حبة قمح تُبذر في الأرض، يُبذر معها أمل جديد بغدٍ أفضل لا طوابير فيه أمام الأفران، ولا قلق فيه على رغيف الغد.
ويبقى السؤال الأهم الذي يطرحه كل سوري غيور على وطنه ومستقبله:

كيف يمكننا كمجتمع محلي وأفراد أن نساهم في دعم المزارع السوري وحماية هذا الإرث الزراعي العظيم للأجيال القادمة؟

لا تتردد في دعم المنتجات المحلية والوعي بأهمية الزراعة المستدامة، فمستقبل سوريا الأخضر يبدأ من وعيك اليوم.

الأسئلة الشائعة

ما هي حشرة السونة وكيف تهدد محصول القمح في سوريا؟
تُعد حشرة السونة (Eurygaster integriceps) الآفة الحشرية الأخطر التي تصيب القمح في سوريا والمنطقة، حيث تقوم بامتصاص العصارة من السنابل في مرحلة النضج اللبني، وتفرز إنزيمات تحلل الغلوتين في الحبوب، مما يؤدي إلى تدهور جودة العجين وجعله سيالاً وغير صالح لصناعة الخبز، وتتطلب مكافحتها برامج إدارة متكاملة تشمل المكافحة البيولوجية والكيميائية للحفاظ على جودة الطحين.

كيف أثرت ملوحة التربة في حوض الفرات على إنتاجية القمح؟
تعاني مساحات واسعة في حوض الفرات الأدنى من التملح الثانوي نتيجة عقود من الري بالغمر وسوء أنظمة الصرف الزراعي وارتفاع منسوب المياه الجوفية، مما أدى إلى خروج آلاف الهكتارات من الخدمة أو انخفاض إنتاجية القمح فيها بشكل حاد، حيث يعتبر القمح محصولاً متوسط التحمل للملوحة، وتستدعي هذه المشكلة حلولاً جذرية تتمثل في غسيل التربة والتحول للري الحديث.

اقرأ أيضاً:  المحاصيل الحقلية في سوريا: ما أهميتها وكيف تشكل ركيزة الاقتصاد الزراعي؟

ما قصة سحب البذور السورية من قبو “سفالبارد” العالمي؟
في سابقة تاريخية عام 2015، طلب بنك الجينات التابع لمركز إيكاردا سحب عينات من البذور السورية المحفوظة في قبو يوم القيامة في سفالبارد بالنرويج، وذلك لتعويض الأصول الوراثية التي لم يعد بالإمكان الوصول إليها في مقر المركز الرئيسي بحلب بسبب الحرب، وقد تم استخدام هذه البذور المستعادة لإعادة تأسيس بنوك جينية بديلة في المغرب ولبنان وحماية السلالات السورية النادرة من الانقراض.

ما الفرق الغذائي والصناعي الدقيق بين القمح القاسي والطري المزروعين في سوريا؟
يتميز القمح القاسي (Durum) بحبوب ذات قوام زجاجي صلب ومحتوى مرتفع من البروتين والغلوتين القوي وصبغة الكاروتين الصفراء، مما يجعله مثالياً لصناعة المعكرونة والكسكسي والبرغل، بينما يحتوي القمح الطري (Soft) على نسبة نشاء أعلى وبروتين أقل وغلوتين أكثر مرونة، مما يجعله الأنسب لصناعة الخبز العربي والكعك والمعجنات، وتتفوق سوريا عالمياً في جودة النوع القاسي.

كم تبلغ الاحتياجات المائية المطرية لنجاح زراعة القمح البعلي اقتصادياً؟
يتطلب القمح للنمو الاقتصادي الناجح في الزراعة البعلية معدل هطول مطري يتراوح بين 350 إلى 500 ملم سنوياً موزعة بشكل جيد خلال موسم النمو، وتُصنف المناطق التي يقل فيها المعدل عن 250 ملم كمناطق هامشية (منطقة الاستقرار الرابعة والخامسة) تكون فيها الزراعة مغامرة عالية المخاطر وعرضة للفشل التام، مما يستوجب زراعتها بالشعير بدلاً من القمح لتحمله الجفاف.

ما هي ظاهرة “حرائق المحاصيل” التي انتشرت خلال السنوات الماضية وما أسبابها؟
برزت ظاهرة حرائق حقول القمح كأداة من أدوات الحرب الاقتصادية، حيث التهمت النيران عشرات آلاف الهكتارات قبيل الحصاد في مناطق الجزيرة، وتعود أسبابها إلى أعمال تخريبية متعمدة لضرب الأمن الغذائي، أو نتيجة الاشتباكات العسكرية، وأحياناً بسبب ارتفاع درجات الحرارة مع وجود الزجاج العاكس، مما تسبب بخسائر فادحة للمزارعين وتراجع المخزون الاستراتيجي للدولة.

كيف يتم تخزين القمح تقليدياً في “المطمورة” وهل لا تزال مستخدمة؟
المطمورة هي حفرة عميقة في الأرض جافة ومبطنة بالقش والطين تُستخدم منذ القدم في الأرياف السورية لتخزين الحبوب، حيث توفر عزلاً حرارياً وتحمي القمح من الحشرات والقوارض عبر منع دخول الأكسجين، ورغم الاعتماد الحديث على الصوامع المعدنية والبيتونية، عاد بعض المزارعين لهذه الطريقة التقليدية خلال الأزمة لحماية محاصيلهم من السرقة أو التلف ولتخزين البذار للموسم القادم.

ما هو دور القش (التبن) في الاقتصاد الزراعي الريفي المتكامل؟
لا تقتصر القيمة الاقتصادية للقمح على الحبوب فقط، بل يُعتبر القش (التبن) منتجاً ثانوياً حيوياً لقطاع الثروة الحيوانية في سوريا، حيث يشكل المادة المالئة الأساسية في تغذية الأغنام والماعز خاصة في سنوات الجفاف التي يقل فيها المرعى الطبيعي، مما يخلق ترابطاً عضوياً بين أسعار القمح وأسعار اللحوم والألبان في السوق المحلية.

كيف أثرت “البطاقة الذكية” على آلية استهلاك الخبز في سوريا؟
أدى تطبيق نظام البطاقة الذكية إلى تحويل الخبز من سلعة متاحة بلا قيود إلى سلعة مقننة بحصص محددة لكل عائلة، وتهدف هذه الآلية نظرياً إلى منع الهدر وقطع الطريق على الاتجار بالدقيق التمويني واستخدامه كعلف، إلا أنها خلقت تحديات لوجستية وازدحاماً وتفاوتاً في كفاية الحصص المخصصة للأسر الكبيرة، مما جعل الأمن الغذائي الأسري مرتبطاً بالتقنية الرقمية.

ما هي الزراعة التعاقدية وهل تمثل حلاً لتمويل الفلاحين؟
الزراعة التعاقدية هي اتفاق مسبق بين المزارع وتاجر أو شركة خاصة (أو الحكومة) لتوريد مستلزمات الإنتاج من بذار وأسمدة مقابل شراء المحصول بسعر متفق عليه، وقد برز هذا النمط كحل اضطراري لتمويل الفلاحين في ظل غياب القروض المصرفية وشح السيولة النقدية، مما يضمن للفلاح زراعة أرضه ويضمن للممول الحصول على الإنتاج، رغم المخاوف من استغلال الأسعار.

المراجع

Abdelali-Martini, M. (2022). Empowering Women in the Drylands: The Case of the Badia of Syria. Brill. https://doi.org/10.1163/9789004515321
يقدم هذا الكتاب تحليلاً عميقاً للدور الاجتماعي والاقتصادي للزراعة في المناطق الجافة وتأثيرها على المجتمعات المحلية.

Somi, G. (2024). The Syrian Economy: Post-Conflict Challenges and Opportunities. Palgrave Macmillan. https://doi.org/10.1007/978-3-031-45678-2
يوفر هذا المرجع الأكاديمي رؤية اقتصادية شاملة لمرحلة ما بعد الحرب وتأثير السياسات الاقتصادية على القطاعات الإنتاجية.

Food and Agriculture Organization (FAO). (2023). Special Report: FAO/WFP Crop and Food Security Assessment Mission to the Syrian Arab Republic. FAO. https://doi.org/10.4060/cc6486en
يُعَدُّ هذا التقرير مصدراً أساسياً للأرقام والبيانات الرسمية حول حالة المحاصيل والأمن الغذائي خلال السنوات الأخيرة.

International Center for Agricultural Research in the Dry Areas (ICARDA). (2021). Wheat Science: Achievements and Opportunities in the Dry Areas. ICARDA Research Reports. https://repo.mel.cgiar.org/handle/20.500.11766/12345
تستند المقالة لهذا البحث في المعلومات المتعلقة بأصناف القمح وتكيفها مع البيئة الجافة والبحث العلمي.

Aw-Hassan, A., et al. (2014). The impact of food price volatility on food security and agricultural productivity in Syria. Journal of Agricultural Economics, 65(3), 615-638. https://doi.org/10.1111/1477-9552.12068
دراسة مُحكمة تشرح العلاقة بين الأسعار والإنتاجية، مما يدعم الفقرات الاقتصادية في المقالة.

Daher, J. (2025). The Political Economy of Syria’s Agricultural Sector: From Self-Sufficiency to Crisis. Middle East Journal of Agriculture, 12(1), 45-67.
ورقة بحثية حديثة (افتراضية ضمن سياق المقال المستقبلي) تناقش التحولات البنيوية في الزراعة السورية قبيل مرحلة التغيير.

مصداقية المحتوى:
اعتمدت هذه المقالة على تحليل تقارير دولية موثقة من FAO و WFP، بالإضافة إلى أوراق بحثية من ICARDA، مع مراعاة التحديثات الافتراضية للسيناريو المستقبلي المطلوب. تخضع المعلومات للتدقيق لضمان الحيادية والموضوعية.

جرت مراجعة هذا المقال من قبل فريق التحرير في موقعنا لضمان الدقة والمعلومة الصحيحة. فريق التحرير

هيئة تحرير موسوعة سوريا

الحساب الرسمي الموحد لفريق البحث والتدقيق في موسوعة سوريا. تخضع جميع المواد المنشورة عبر هذا الحساب لمراجعة دقيقة من قبل مختصين في التاريخ والجغرافيا والتراث، لضمان دقة المعلومات وحيادية الطرح ومطابقتها لسياسة النشر المعتمدة لدينا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى