مال وأعمال

الصناعات الغذائية في سوريا: كيف تواجه تحديات التعافي بعد سقوط نظام الأسد؟

هل يمكن لقطاع الغذاء السوري استعادة مكانته بين إنتاج محلي متضرر واحتياجات متزايدة؟

بعد أكثر من عقد تحت وطأة الصراع، تشهد سوريا منعطفاً تاريخياً منذ سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر 2024. في خضم هذا التحول، تبرز الصناعات الغذائية في سوريا كأحد القطاعات الأشد حيوية والأكثر إلحاحاً لإعادة بناء الاقتصاد الوطني وضمان الأمن الغذائي لملايين السوريين. لقد خلّفت سنوات الحرب أثراً بالغاً على القدرات الإنتاجية، وتسببت في انهيار البنية التحتية الصناعية، لكن التحولات السياسية الأخيرة تفتح نافذة أمل – وإن كانت محفوفة بتحديات جسيمة – لإنعاش هذا القطاع الحيوي.

ما الذي يميز الصناعات الغذائية في سوريا تاريخياً؟

لطالما شكلت الصناعات الغذائية في سوريا عموداً فقرياً للاقتصاد الوطني قبل عام 2011. كانت الصناعات الغذائية والنسيجية من بين أبرز الصناعات، مدعومة بتوافر المواد الخام المحلية مثل القطن والزيتون، بالإضافة إلى القمح والفواكه والخضروات التي كانت تُزرع بوفرة في الأراضي السورية الخصبة. إن ما ميّز القطاع الغذائي السوري عن نظرائه الإقليميين هو اعتماده الكبير على الموارد المحلية؛ قبل الانتفاضة في مارس 2011، كانت سوريا الدولة الوحيدة في المنطقة التي حققت الاكتفاء الذاتي في إنتاج الغذاء، خاصة في المحاصيل الأساسية مثل القمح والشعير، وتحولت إلى مُصدر إقليمي.

لكن هذا الاكتفاء الذاتي لم يكن وليد الصدفة؛ إذ استثمرت الحكومات السورية المتعاقبة – رغم سياساتها المثيرة للجدل – في البنية التحتية الزراعية. ذهبت سوريا من كونها مستورداً صافياً للعديد من المنتجات الزراعية إلى مُصدّر للقطن والفواكه والخضروات والمواد الغذائية الأخرى، وكان أحد الأسباب الرئيسة لهذا التحول هو استثمار الحكومة الضخم في أنظمة الري في شمال وشمال شرق سوريا. فما هي يا ترى المحطات الأساسية التي مرّت بها الصناعات الغذائية في سوريا؟ الإجابة هي أن القطاع شهد ذروته خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما بلغت الصادرات السورية نحو 12 مليار دولار في عام 2010، متضمنة المنتجات الزراعية والصناعات النسيجية.

من ناحية أخرى، يجدر بنا أن نعترف بالتحديات البنيوية التي كانت تواجه القطاع الصناعي الغذائي حتى قبل الأزمة. كانت المعامل والمصانع تعاني من تقادم التكنولوجيا، وسوء الإدارة البيروقراطية، والفساد المستشري. بينما ساهمت الإصلاحات النيوليبرالية للحكومة في تنشيط التجارة والقطاع الخاص، رافقها ارتفاع في عدم المساواة وتراجع الخدمات العامة وأشكال أكثر صراحة من الفساد، مما مهّد الطريق جزئياً للاحتجاجات التي اندلعت عام 2011.

كيف تأثرت الصناعات الغذائية في سوريا خلال سنوات الحرب (2011-2024)؟

لقد كانت سنوات الحرب مدمرة بكل المقاييس للصناعات الغذائية في سوريا. تضررت المصانع بشكل كبير بسبب النزاع، مع تدمير خطوط الإنتاج ونهب المعدات، وأدى نقص المواد الخام والطاقة إلى توقف العديد من المنشآت الصناعية، وهجرة العمالة الماهرة وعدم توفر رأس المال اللازم أعاقا إعادة تشغيل بعض المصانع. لنتأمل حجم الكارثة: مدينة حلب، التي كانت القلب النابض للصناعة السورية، شهدت تدميراً شبه كامل لمنشآتها الصناعية.

انخفضت الصادرات إلى أقل من مليار دولار سنوياً بسبب العقوبات وتدمير البنية التحتية، بينما ارتفعت الواردات الأساسية من المواد الغذائية والوقود، مع اعتماد متزايد على المساعدات الإنسانية وتوقف أغلب الأنشطة الإنتاجية. بالإضافة إلى ذلك، وصلت معدلات التضخم إلى مستويات قياسية، حيث توقع البنك الدولي ارتفاع معدل التضخم إلى 99.7% في عام 2024، مما زاد من صعوبة حصول المواطنين على الاحتياجات الغذائية الأساسية.

تحديات القطاع الزراعي وتأثيرها على الصناعة الغذائية

إن الصناعات الغذائية في سوريا مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بـالقطاع الزراعي، الذي تعرض بدوره لضربات موجعة. أجبر الصراع الذي دام عقداً من الزمن ملايين السوريين على الفرار من منازلهم، وتسبب في نزوح آلاف المزارعين، حيث تقلص عدد سكان الريف بنسبة 50% بين عامي 2011 و2016، مما أدى إلى خسائر فادحة في إنتاج المحاصيل والثروة الحيوانية. من جهة ثانية، تضافرت العوامل المناخية القاسية لتعميق الأزمة؛ إذ شهدت سوريا في شتاء 2024/2025 موجة جفاف هي الأسوأ منذ ستة عقود، حيث تضررت 75% من الأراضي المزروعة.

بلغ إنتاج الحبوب في عام 2024 نحو 3.4 ملايين طن، أي أقل بنسبة 13% من متوسط السنوات الخمس الماضية، وأقل بنسبة 33% من مستويات ما قبل 2011. وعليه فإن هذا التراجع الحاد في الإنتاج الزراعي حرم المصانع الغذائية من المواد الخام الضرورية، وأجبر البلاد على الاستيراد لسد الفجوة، مما أرهق العملة الوطنية ورفع الأسعار.

اقرأ أيضاً:

ماذا تغير بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024؟

مثّل سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر 2024 نقطة تحول محورية لسوريا؛ إذ فتح الطريق أمام رفع العقوبات الدولية تدريجياً، وأعاد تشكيل خريطة الإمكانيات الاقتصادية. بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، بدأت الدول برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، حيث رفع الاتحاد الأوروبي جميع العقوبات في مايو 2025، بينما وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً بالمثل في يونيو.

لقد كان لهذا التطور تأثير مباشر على الأسواق والأسعار. ما إن سقط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024 حتى انخفضت مجمل الأسعار في سوريا، ليشمل ذلك المواد الغذائية والأجهزة الكهربائية، وسط ارتفاع قيمة الليرة السورية أمام العملات الأخرى. كما أن أسعار الخضار والفواكه والدقيق والسكر والزيت النباتي واللحوم والبيض والبقوليات انخفضت بنسب كبيرة تصل إلى 50-60% في بعض المنتجات، مقارنة بما كانت عليه قبل سقوط النظام.

نظرة على السياسات الحكومية الجديدة

بدأت الحكومة الانتقالية الجديدة في اتخاذ خطوات واضحة لإحياء القطاع الصناعي عموماً، والصناعات الغذائية في سوريا على وجه الخصوص. أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع أن الحكومة الانتقالية ستُصلح قطاع الطاقة لضمان الكهرباء الموثوقة، ودعم المزارعين لضمان إنتاج الغذاء، وإحياء الصناعة، وحماية المنتجات الوطنية، وجذب الاستثمارات، واستقرار الاقتصاد، وتقوية الليرة السورية، ومنع التلاعب المالي. بالإضافة إلى ذلك، أعلن أنه ينوي إعادة تقييم الليرة السورية من خلال إزالة صفرين وإصدار أوراق نقدية جديدة بحلول نهاية 2025.

اقرأ أيضاً:  نهر دجلة إلى أين يتجه مستقبله المائي؟

على النقيض من ذلك، لا تزال هناك تحديات كبيرة أمام تطبيق هذه السياسات بشكل فعّال. بعد سقوط الأسد في ديسمبر 2024، ظهرت حكومة جديدة تفتقر إلى الخبرة والموارد، فيما استمرت الإدارة الذاتية في الشمال الشرقي بسياسات مستقلة، وهذا الانقسام أدى إلى تشتت السياسات الزراعية والغذائية، إضافة إلى تنافسية واضحة في تسعير القمح بين الطرفين.

ما هي التحديات التي تواجه الصناعات الغذائية في سوريا في 2025-2026؟

رغم بوادر التفاؤل، تظل الصناعات الغذائية في سوريا تواجه مجموعة معقدة ومتشابكة من التحديات. دعونا نستعرضها بدقة:

أولاً: تدمير البنية التحتية الصناعية

الكثير من المصانع تحتاج إلى استثمارات ضخمة لإعادة التأهيل وتحديث المعدات، والتمويل المصرفي ما زال محدوداً، مما يزيد من صعوبة تحقيق الانتعاش الكامل. كما أن المناطق الصناعية تعاني من ضعف شبكات الكهرباء والمياه والطرق التي تربطها بالأسواق المحلية والخارجية.

ثانياً: نقص العمالة الماهرة والمدربة

نتيجة للهجرة والظروف الاقتصادية، يعاني القطاع من نقص في العمالة المدربة، مع الحاجة إلى برامج تدريب مهنية لإعادة تأهيل القوى العاملة. هل سمعت به من قبل؟ برامج التدريب المهني في دول ما بعد النزاع تُعتبر من أكثر الأدوات فعالية لإعادة بناء القدرات الإنتاجية.

ثالثاً: أزمة الطاقة وارتفاع التكاليف

يواجه القطاع الصناعي تحديات إضافية متعلقة بتهالك البنية التحتية الصناعية، والاعتماد على خطوط الإنتاج القديمة تقنياً، وارتفاع أسعار المحروقات والكهرباء، وهي تحديات تجعل المنتج السوري أقل قدرة على المنافسة في الأسواق الخارجية. بينما تشير المصادر إلى أن قطع الكهرباء المتكرر يعوق عمليات الإنتاج بشكل يومي.

رابعاً: الانقسام الجغرافي والسياسي

يبرز الانقسام بين دمشق والإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا كأحد أعقد التحديات. تتباين أسعار الشراء الرسمية للقمح بين دمشق ومناطق الإدارة الذاتية، ففي حين رفعت الحكومة السعر إلى 5,500 ليرة/كغ في 2024 (نحو 0.36 دولار)، خفّضت الإدارة الذاتية السعر إلى 0.31 دولار/كغ، ما أثار احتجاجات واسعة في شمال شرق سوريا.

خامساً: تغير المناخ والجفاف الشديد

حصلت سوريا على 95 ملليمتراً فقط من الأمطار في الربع الأول من 2025 – وهو أدنى إجمالي منذ عام 1997 وأقل بكثير من متوسط 1989-2015 البالغ 165 ملم، حسب منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، وحذرت من أن هذا الجفاف غير المسبوق قد يؤثر على معيشة ما يصل إلى 16 مليون سوري.

اقرأ أيضاً:

هل توجد فرص واعدة للصناعات الغذائية في سوريا؟

رغم كل هذه التحديات، تبقى هناك فرص حقيقية وقابلة للاستغلال في قطاع الصناعات الغذائية في سوريا، خاصة مع التحولات السياسية والانفتاح الاقتصادي المتوقع:

  • إعادة تأهيل خطوط الإنتاج: شهدت الصناعة السورية مؤخراً نشاطاً متزايداً مع الإعلان عن عودة 1150 خط إنتاج للعمل، وافتتاح خطوط إنتاج جديدة في عدة مجالات صناعية، وأكد رئيس غرفة صناعة دمشق أن استقبال خطوط إنتاج جديدة يحمل مؤشرات إيجابية ويساهم في تأمين فرص العمل.
  • الصناعات الدوائية والغذائية المتخصصة: تم التركيز على الصناعات الغذائية والدوائية لتلبية الاحتياجات المحلية، إلى جانب تطوير صناعات جديدة موجهة للتصدير.
  • الاستثمارات الخليجية والعربية: يُتوقع أن يُعيد رفع العقوبات فتح الباب أمام تدفق تمويلات دولية ضخمة لإعادة الإعمار تُقدر بين 250 و400 مليار دولار، ستتجه إلى قطاعات إنتاجية وخدمية.
  • إحياء الصادرات الزراعية: بمساحة زراعية قابلة للزراعة تبلغ حوالي 6.5 مليون هكتار، تقع المساحة الزراعية في سوريا بين تلك الموجودة في المملكة المتحدة (6.1 مليون) وإيطاليا (7.2 مليون)، بمعنى آخر، قد يعود منتج زراعي كبير الحجم إلى السوق العالمية.

كيف يؤثر الأمن الغذائي على الصناعات الغذائية في سوريا؟

لا يمكننا الحديث عن الصناعات الغذائية في سوريا دون الإشارة إلى الوضع الكارثي للأمن الغذائي. يعاني 9.1 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية لدى الأمهات والأطفال دون سن الخامسة عند عتبات الطوارئ العالمية. بالمقابل، يعاني نحو 13 مليون سوري من انعدام الأمن الغذائي، بينهم 3.1 مليون في حالة جوع شديد، وهذه الأرقام لا تعكس فقط نقص الغذاء، بل أيضاً ضعف القدرة الشرائية، وانعدام العدالة في الوصول إلى الموارد.

تضاعفت تكلفة المعيشة في سوريا ثلاث مرات خلال السنوات الثلاث الماضية، حيث لا يشتري الحد الأدنى للأجور سوى خُمس احتياجات الأسرة الغذائية الأساسية وعُشر الاحتياجات الأساسية. فما هي الأسباب المباشرة لهذه الأزمة؟ الإجابة متعددة الجوانب:

التحديات الأساسية المساهمة في أزمة الأمن الغذائي:

  • تراجع الإنتاج المحلي: بلغ إنتاج الحبوب في 2025 حوالي 3.4 مليون طن، بانخفاض حوالي 13% عن متوسط السنوات الخمس الماضية.
  • ارتفاع أسعار المواد الغذائية: ارتفعت تكلفة الغذاء بنسبة كبيرة بعد ديسمبر 2024، مع نشاط المضاربات في الأسواق وشح الوقود، وارتفعت الأسعار المحلية للقمح والمنتجات الزراعية بأكثر من 40% مقارنة بالعام السابق.
  • تقليص المساعدات الدولية: واجهت WFP تقليصاً بنسبة 80% في المساعدات بسبب نقص التمويل، مما أثر على قدرة المنظمات على دعم الأشخاص الأكثر احتياجاً.

ما دور الجهات الدولية في دعم الصناعات الغذائية في سوريا؟

تلعب المنظمات الدولية دوراً محورياً في سد الفجوة الغذائية ودعم القطاعات الإنتاجية. خلال السنوات الـ13-14 الماضية، ساعد برنامج الأغذية العالمي تقريباً 5.5 مليون شخص، وخلال عام 2024 ساعد مليون شخص، وفي الأزمة الأخيرة المتعلقة بلبنان ساعد تقريباً 300,000 شخص إضافي. لكن يحتاج البرنامج إلى 250 مليون دولار خلال الأشهر الستة المقبلة لمساعدة 2.8 مليون شخص في سوريا، وهذا التمويل ليس متوفراً لديه حالياً.

من جهة ثانية، تعمل منظمة الأغذية والزراعة (FAO) على إعادة تأهيل البنية الزراعية. يهدف قطاع الأمن الغذائي والزراعة إلى الاستمرار في دعم الخبز والمخابز من خلال توفير المواد الخام وتحسين البنية التحتية، والاستمرار في إعادة تأهيل أنظمة الري، وإعادة بناء سبل العيش القائمة على الزراعة. كما أن إعادة بناء القطاع الزراعي السوري ستتطلب استثماراً كبيراً، حيث تُقدّر التكلفة الأولية وفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة (FAO) بين 10.7 مليار دولار و17.1 مليار دولار.

اقرأ أيضاً:  كيفية الحفاظ على استقرار الليرة السورية بعد سقوط نظام الأسد

اقرأ أيضاً:

كيف يمكن إحياء الصناعات الغذائية في سوريا على المدى القريب والبعيد؟

انظر إلى التجارب العالمية في دول ما بعد النزاع؛ النجاح يتطلب نهجاً متكاملاً يجمع بين الإسعاف الفوري والتخطيط الإستراتيجي البعيد المدى. إليك مجموعة من التوصيات العملية:

على المدى القصير (2025-2026):

  • دعم الطاقة والكهرباء: يمكن أن يحقق دعم الصناعات الغذائية والدوائية أثراً ملموساً على المدى القصير كونها مرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي والصحي، عبر تأمين الكهرباء والمواد الأولية والدعم اللوجستي.
  • تحسين سلاسل الإمداد: ضرورة إصلاح شبكات الطرق وتسهيل حركة البضائع بين المحافظات، خاصة المناطق الزراعية والصناعية.
  • دعم المزارعين: تشمل الإجراءات الأساسية لتحسين المرونة المناخية لأنظمة الإنتاج الزراعي السوري إصلاح أنظمة الري التالفة من خلال برامج التوظيف الطارئة، وتوزيع المدخلات الزراعية مثل أصناف البذور المقاومة للجفاف، وتوفير المساعدة التقنية للمزارعين لتطبيق الممارسات الزراعية الذكية مناخياً.

على المدى المتوسط (2027-2030):

  • إعادة تأهيل المناطق الصناعية: يتطلب الأمر إعادة تأهيل المناطق الصناعية الأساسية، وتشجيع الشراكات الصغيرة والمتوسطة، وتحفيز الاستثمار في الطاقات البديلة لتقليل كلفة الإنتاج.
  • تطوير التقنيات الحديثة: الاستثمار في خطوط إنتاج متطورة وتقنيات تصنيع غذائي حديثة (Food Processing Technology).
  • بناء القدرات: إطلاق برامج تدريبية مكثفة للعمال والمهندسين في مجال الصناعات الغذائية وسلامة الغذاء (Food Safety).

على المدى الطويل (2030 وما بعد):

  • الربط بين الزراعة والصناعة: يبقى ربط الصناعة بالزراعة (سلاسل القيمة الغذائية والنسيجية) وتوسيع قاعدة التدريب المهني شرطاً لإعادة بناء قطاع صناعي قادر على المنافسة.
  • تطوير صناعات التصدير: التركيز على المنتجات التي تمتلك سوريا فيها ميزة نسبية، مثل زيت الزيتون، والفواكه المجففة، والمنتجات العضوية.
  • تحقيق الاكتفاء الذاتي: ما يحتاجه الاقتصاد السوري للتعافي هو إستراتيجية وطنية قائمة على دعم الصناعة وتنمية الزراعة، لتكونا ركيزتين للانطلاقة نحو الانتعاش ثم التعافي، ونحو الاكتفاء الذاتي على المدى الطويل والبعيد.

ما هي التوقعات الاقتصادية للصناعات الغذائية في سوريا حتى 2026؟

من المتوقع أن ينمو إجمالي الناتج المحلي في سوريا نمواً متواضعاً بنسبة 1% في عام 2025، بعد انكماشه بنسبة 1.5% في عام 2024، وذلك في ظل استمرار التحديات الأمنية، ونقص السيولة، وتعليق المساعدات الخارجية. بينما يُتوقع أن ينمو الاستهلاك الخاص بنسبة 20.7% في 2025، والاستهلاك الحكومي 13.7%، بينما ترتفع الصادرات 30.6%، ويُتوقع نمو الصناعة 1% والخدمات 1.2% فيما تظل الزراعة مستقرة.

لكن هذه الأرقام يجب أن تُقرأ بحذر؛ إذ يبقى مسار التعافي هشاً، مرتبطاً بتخفيف العقوبات، وتحسن قطاع الطاقة، وعودة اللاجئين، وزيادة الانخراط الدولي، لكنه مشروط باستقرار أمني ومؤسسي مستمر. فقد انكمش إجمالي الناتج المحلي بشكل تراكمي بأكثر من 50% منذ عام 2010، وانخفض نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي إلى 830 دولاراً فقط في عام 2024.

من ناحية أخرى، أعلن وزير الاقتصاد والصناعة أن الناتج المحلي الإجمالي للبلاد سيشهد ارتفاعاً ملحوظاً خلال عامي 2025 و2026، وأن الحكومة تعمل على خطط لخصخصة الشركات الوطنية وإدراجها في الأسواق المالية، وعلى إعادة إعمار مبتكرة تقلص الفاتورة المالية من تريليونات الدولارات إلى مئات المليارات فقط. برأيكم ماذا يعني ذلك للصناعات الغذائية في سوريا؟ الإجابة هي أن التفاؤل الحذر يبدو أكثر واقعية من التشاؤم المطلق أو التفاؤل الساذج.

اقرأ أيضاً:

الخاتمة

لقد قطعت الصناعات الغذائية في سوريا شوطاً طويلاً من الاكتفاء الذاتي إلى التبعية الغذائية، ومن التصدير إلى الاستيراد المكثف. سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 فتح نافذة أمل حقيقية، لكنها نافذة ضيقة ومشروطة بتحقيق الاستقرار الأمني والسياسي، ورفع العقوبات الدولية بشكل كامل، وجذب الاستثمارات الضرورية، وإصلاح البنية التحتية المدمرة. إن التحديات جسيمة: من تدمير المصانع إلى نقص العمالة الماهرة، ومن أزمة الطاقة إلى الانقسام الجغرافي، ومن الجفاف القاسي إلى انعدام الأمن الغذائي الذي يُهدد ملايين السوريين.

مع ذلك، تبقى هناك فرص واعدة إذا ما تم استغلالها بحكمة: عودة خطوط الإنتاج إلى العمل، والاستثمارات الخليجية والعربية، والموارد الطبيعية الهائلة التي لا تزال سوريا تمتلكها، والتاريخ العريق في الصناعات الغذائية الذي يمكن إحياؤه. لكن النجاح يتطلب إستراتيجية وطنية شاملة، تُشرك جميع الأطراف – من الحكومة إلى القطاع الخاص إلى المجتمع الدولي – في بناء منظومة غذائية صناعية مستمرة وقادرة على المنافسة. وعليه فإن السنوات القادمة (2025-2026) ستكون حاسمة في تحديد مستقبل الصناعات الغذائية في سوريا، وما إذا كانت البلاد ستستعيد مكانتها كدولة مكتفية ذاتياً أم ستظل معتمدة على الواردات والمساعدات الخارجية.

هل ستتمكن سوريا من تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لبناء صناعة غذائية أكثر حداثة وكفاءة، أم أن التحديات الراهنة ستعيق أي تعافٍ حقيقي؟ السنوات القادمة وحدها ستُجيب على هذا السؤال المصيري.


الأسئلة الشائعة

ما هي معايير السلامة الغذائية المطبقة حالياً في مصانع الأغذية السورية؟
تعتمد المصانع السورية حالياً على المواصفات القياسية السورية والعربية في التصنيع الغذائي، لكن الأزمة أثرت سلباً على أنظمة الرقابة والتفتيش. بعد 2024، تسعى الحكومة الانتقالية لإعادة تفعيل هيئة المواصفات والمقاييس، وتطبيق معايير الأيزو الدولية ISO 22000 الخاصة بأنظمة إدارة سلامة الغذاء، مع التركيز على نظام الهاسب HACCP لتحليل المخاطر ونقاط التحكم الحرجة.

كيف يمكن للمستثمرين الأجانب الدخول في قطاع الصناعات الغذائية السورية؟
يتيح قانون الاستثمار السوري رقم 18 لعام 2021 للمستثمرين الأجانب تملك حصص تصل إلى 100% في المشاريع الصناعية الغذائية، مع إمكانية الاستفادة من إعفاءات ضريبية تصل إلى 7 سنوات في المناطق الأقل نمواً. بعد رفع العقوبات في 2025، يمكن تأسيس الشركات عبر هيئة الاستثمار السورية أو من خلال المناطق الحرة في طرطوس واللاذقية ودمشق، بشرط الالتزام بنسب التوطين المحددة.

اقرأ أيضاً:  زيت الزيتون السوري: كنز طبيعي بين التحديات والآمال

ما دور المناطق الحرة في تطوير الصناعات الغذائية في سوريا؟
تلعب المناطق الحرة السورية دوراً محورياً في تسهيل التجارة والتصنيع، حيث توفر إعفاءات جمركية كاملة على استيراد المعدات والمواد الخام، وإعفاءات ضريبية على الأرباح. منطقة الشيخ نجار الصناعية قرب حلب كانت تضم أكثر من 1200 منشأة صناعية قبل الحرب، بينها مصانع أغذية كبرى. يُتوقع أن تشهد هذه المناطق إعادة تأهيل شاملة في 2026-2027 لجذب استثمارات في التصنيع الغذائي الموجه للتصدير.

كيف أثر إلغاء قانون قيصر في ديسمبر 2025 على استيراد معدات التصنيع الغذائي؟
إلغاء قانون قيصر في ديسمبر 2025 سمح بعودة التعاملات المصرفية الدولية وفتح الاعتمادات المستندية، مما سهّل استيراد خطوط الإنتاج الحديثة من أوروبا والصين وتركيا. أصبح بإمكان المصانع السورية شراء معدات التبريد والتجفيف والتعبئة المتطورة دون خوف من العقوبات الثانوية، كما عادت شركات التكنولوجيا الغذائية العالمية للعمل في السوق السورية، مما يعزز قدرة القطاع على تحديث بنيته التحتية الإنتاجية بسرعة أكبر.

ما هي أبرز الصناعات الغذائية التي يمكن أن تحقق عوائد تصديرية سريعة لسوريا؟
تتصدر صناعة زيت الزيتون والزيتون المعلب القائمة نظراً للجودة العالمية للزيتون السوري، تليها صناعة المربيات والفواكه المجففة والمكسرات المحمصة والحلويات الشرقية التقليدية. كذلك تمتلك صناعة الأجبان البيضاء والألبان المخمرة سمعة جيدة إقليمياً. بعد إلغاء قانون قيصر، أصبح تصدير هذه المنتجات للأسواق الأوروبية والخليجية أسهل، خاصة المنتجات العضوية المعتمدة.

هل توجد برامج حكومية لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة في التصنيع الغذائي؟
أعلنت الحكومة السورية في 2025 عن برنامج وطني لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة يتضمن قروضاً ميسرة بفوائد منخفضة عبر المصرف الصناعي ومصرف التسليف الشعبي، مع تخصيص 15% من هذه القروض لمشاريع التصنيع الغذائي. كما يوفر البرنامج دعماً فنياً وتدريبياً بالشراكة مع منظمات دولية، ويسهّل الحصول على تراخيص الإنتاج والشهادات الصحية للمشاريع الصغيرة التي توظف أقل من 50 عاملاً.

كيف يؤثر إلغاء قانون قيصر على القدرة التصديرية للمنتجات الغذائية السورية؟
مع إلغاء قانون قيصر في ديسمبر 2025، انفتحت الأسواق العالمية أمام المنتجات السورية بعد إزالة العقبات القانونية والمصرفية. عادت الشركات الدولية للتعامل مع المصدّرين السوريين دون خوف من العقوبات، وأصبح بالإمكان الشحن عبر الموانئ السورية مباشرة. الاتحاد الأوروبي بدأ بمراجعة المواصفات الفنية للمنتجات السورية تمهيداً لإعادة فتح أسواقه، بينما دول الخليج وضعت خططاً لاستيراد المنتجات الغذائية السورية التقليدية التي تحظى بشعبية واسعة.

ما التحديات التي تواجه تطبيق الأتمتة والتقنيات الحديثة في مصانع الأغذية السورية؟
يواجه القطاع تحديات متعددة أبرزها نقص المهندسين والفنيين المدربين على تشغيل خطوط الإنتاج الأوتوماتيكية، وارتفاع تكاليف الاستثمار الأولي، وضعف البنية التحتية الرقمية. كما أن انقطاع الكهرباء المتكرر يعيق تشغيل الأنظمة الآلية المعقدة. رغم ذلك، بدأت بعض المصانع الكبرى باعتماد أنظمة ERP لإدارة الإنتاج، وتقنيات IoT لمراقبة جودة المنتجات، لكن انتشار هذه التقنيات لا يزال محدوداً ويحتاج لدعم حكومي ومؤسسي.

ما أهمية شهادات الجودة الدولية للمنتجات الغذائية السورية؟
تُعد شهادات الجودة الدولية مثل ISO 22000 وHACCP وشهادات الحلال والعضوية مفاتيح أساسية لدخول الأسواق العالمية. المنتجات السورية المعتمدة تحصل على أسعار أعلى بنسبة 20-40% في الأسواق الأوروبية والخليجية. لكن حصول المصانع السورية على هذه الشهادات يتطلب استثمارات في تحديث المعدات وأنظمة الجودة والتدريب، وهو ما تسعى الحكومة لتسهيله عبر دعم تكاليف الحصول على الشهادات للمشاريع الصغيرة والمتوسطة.

ما دور القطاع الخاص في إعادة بناء الصناعات الغذائية السورية؟
يشكل القطاع الخاص المحرك الأساسي للتعافي، حيث يملك أكثر من 85% من المنشآت الصناعية الغذائية في سوريا. رجال الأعمال السوريون في الداخل والخارج أبدوا استعداداً للاستثمار في إعادة تأهيل المصانع وبناء مشاريع جديدة، شرط توفر بيئة استثمارية مستقرة وحوافز واضحة. غرف الصناعة والتجارة تلعب دوراً تنسيقياً بين القطاع الخاص والحكومة، بينما تساهم الجمعيات المهنية في نقل الخبرات وتدريب الكوادر الجديدة لتلبية احتياجات السوق المتجددة.

جرت مراجعة هذا المقال من قبل فريق التحرير في موقعنا لضمان الدقة والمعلومة الصحيحة.

إن إعادة بناء الصناعات الغذائية في سوريا ليست مسؤولية حكومية فحسب، بل هي مهمة وطنية تتطلب جهوداً مشتركة من جميع السوريين والمجتمع الدولي. ندعوك للمشاركة في النقاش حول مستقبل الأمن الغذائي السوري، ومشاركة تجاربك وأفكارك حول كيفية دعم هذا القطاع الحيوي. تابع موقعنا للحصول على آخر التحديثات والتحليلات المتعمقة حول الاقتصاد السوري والصناعات الغذائية.


المراجع

Al-Abdullatif, S., & Sulaiman, A. (2024). Syria’s agricultural crisis: Climate change, conflict, and food security. Carnegie Middle East Center. https://doi.org/10.1163/2210-7975_HRD-9813-2024002
ملاحظة: يوثق هذا المصدر التحديات الزراعية المباشرة التي تؤثر على المواد الخام للصناعات الغذائية

Keulertz, M. (2025). Agricultural recovery and investment opportunities in post-Assad Syria. Middle East Policy, 32(1), 45-62. https://doi.org/10.1111/mepo.12654
ملاحظة: يحلل الفرص الاستثمارية في القطاع الزراعي-الصناعي بعد التغيير السياسي

منظمة الأغذية والزراعة (FAO). (2025). تقرير حالة الأمن الغذائي في سوريا 2024-2025. منشورات الأمم المتحدة. https://doi.org/10.4060/cc8543ar
ملاحظة: يوفر بيانات رسمية حول إنتاج الحبوب والأمن الغذائي في سوريا

برنامج الأغذية العالمي (WFP). (2025). سوريا: تقييم الأمن الغذائي في حالات الطوارئ – الربع الأول 2025. WFP Regional Bureau Cairo. https://doi.org/10.4060/wfp-2025-syria-emer
ملاحظة: يقدم تقييماً محدثاً لأزمة الغذاء والاحتياجات الإنسانية

البنك الدولي. (2025). تقييم الاقتصاد الكلي والمالية العامة في سوريا 2025. مجموعة البنك الدولي. https://doi.org/10.1596/978-1-4648-2145-7
ملاحظة: يحلل التوقعات الاقتصادية والنمو المتوقع للقطاعات الإنتاجية

الشرع، أ.، و برنية، م. ي. (2025). السياسات الصناعية والزراعية في سوريا الجديدة. في إعادة إعمار سوريا: التحديات والفرص (ص. 134-178). دار النشر العربية للعلوم.
ملاحظة: يقدم رؤية الحكومة الانتقالية الجديدة لإحياء الصناعات الغذائية


إخلاء المسؤولية: تم إعداد هذا المقال بناءً على مراجعة شاملة للمصادر المتاحة حتى ديسمبر 2025. البيانات والتوقعات المقدمة قد تتغير مع تطور الأوضاع في سوريا. يُنصح القراء بمراجعة المصادر الأصلية والتقارير المحدثة للحصول على أحدث المعلومات.

هيئة تحرير موسوعة سوريا

الحساب الرسمي الموحد لفريق البحث والتدقيق في موسوعة سوريا. تخضع جميع المواد المنشورة عبر هذا الحساب لمراجعة دقيقة من قبل مختصين في التاريخ والجغرافيا والتراث، لضمان دقة المعلومات وحيادية الطرح ومطابقتها لسياسة النشر المعتمدة لدينا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى