الممالك الآرامية في سوريا: حجر الزاوية في هوية وتاريخ المنطقة
ما دور الممالك الآرامية في تشكيل التاريخ السوري وما إرثها الحضاري؟

تُشكل الممالك الآرامية جزءاً محورياً من التاريخ السوري القديم، حيث امتدت سيطرتها على مساحات واسعة من بلاد الشام. تركت هذه الممالك بصمات حضارية عميقة لا تزال آثارها باقية حتى اليوم في اللغة والثقافة والفنون.
المقدمة
شهدت الأراضي السورية خلال الألفية الأولى قبل الميلاد ظهور كيانات سياسية آرامية قوية غيرت وجه المنطقة. الممالك الآرامية في سوريا لم تكن مجرد تجمعات سياسية عابرة، بل كانت حضارة متكاملة ذات أنظمة إدارية متطورة واقتصاد مزدهر. تميزت هذه الممالك بموقعها الإستراتيجي على طرق التجارة الدولية التي ربطت بين الشرق والغرب، مما منحها أهمية تجارية واقتصادية استثنائية.
برزت الممالك الآرامية في سوريا في فترة زمنية شهدت تحولات كبرى في المشرق العربي القديم، حيث استطاعت القبائل الآرامية أن تؤسس ممالك مستقرة في دمشق وحلب وحماة ومناطق أخرى متعددة. لعبت هذه الممالك دوراً محورياً في نقل المعرفة والثقافة بين الحضارات المختلفة، كما أن لغتها الآرامية أصبحت لغة التواصل الدولي في الشرق الأدنى القديم لعدة قرون.
نشأة الممالك الآرامية وظهورها التاريخي
تعود جذور الممالك الآرامية في سوريا إلى مطلع الألفية الأولى قبل الميلاد، عندما بدأت القبائل الآرامية (Arameans) بالاستقرار في المناطق السورية. كانت هذه القبائل تنتقل من البادية السورية تدريجياً نحو المناطق الحضرية المستقرة، حيث أسست كيانات سياسية منظمة. يشير الباحثون إلى أن الآراميين ظهروا كقوة سياسية مؤثرة بعد انهيار الإمبراطوريات الكبرى في أواخر العصر البرونزي المتأخر.
شهدت الممالك الآرامية في سوريا تطوراً سريعاً خلال القرنين الحادي عشر والعاشر قبل الميلاد، حيث تمكنت من السيطرة على المدن القديمة وإعادة إحيائها. استفادت هذه الممالك من الفراغ السياسي الذي خلفه انحسار القوى الكبرى آنذاك، فأنشأت دويلات مستقلة ذات حكم ذاتي. تميزت هذه المرحلة التأسيسية بالتوسع التدريجي والسيطرة على الطرق التجارية الحيوية، مما وفر للممالك الآرامية موارد اقتصادية ضخمة ساعدتها على الازدهار والنمو.
اعتمدت الممالك الآرامية في سوريا على نظام المدن-الدول، حيث كانت كل مملكة تتمركز حول مدينة رئيسة تحكم المناطق المحيطة بها. هذا النظام منح كل مملكة استقلالاً سياسياً واقتصادياً، لكنها كانت تشترك في اللغة والثقافة والهوية الآرامية المشتركة. شكلت هذه الخصائص المشتركة رابطاً حضارياً قوياً بين مختلف الممالك الآرامية رغم استقلالها السياسي.
التوزيع الجغرافي والمدن الرئيسة
امتدت الممالك الآرامية في سوريا عبر مساحات جغرافية واسعة شملت معظم الأراضي السورية الحالية وأجزاء من لبنان والأردن. تركزت هذه الممالك في المناطق الخصبة والواحات وعلى ضفاف الأنهار، حيث توفرت الموارد المائية الضرورية للزراعة والحياة الحضرية. كانت السهول الداخلية والوديان الخصبة مواقع مفضلة لإقامة المدن والمراكز الحضرية الآرامية.
تُعَدُّ دمشق (Damascus) من أبرز مراكز الممالك الآرامية في سوريا وأكثرها أهمية تاريخياً. كانت دمشق عاصمة مملكة آرام دمشق القوية، وتحولت إلى مركز تجاري وثقافي بارز في المنطقة. استفادت دمشق من موقعها عند ملتقى الطرق التجارية القادمة من بلاد الرافدين باتجاه البحر المتوسط ومصر، مما جعلها نقطة عبور حيوية للقوافل التجارية. كما شكلت واحة غوطة دمشق بيئة زراعية غنية دعمت اقتصاد المملكة.
شمال سوريا شهد أيضاً قيام ممالك آرامية مهمة، أبرزها مملكة بيت أغوشي (Bit Agusi) التي تمركزت حول مدينة حلب وضواحيها. كانت هذه المملكة تسيطر على مناطق واسعة في شمال سوريا وتلعب دوراً تجارياً وعسكرياً بارزاً. كذلك برزت مملكة حماة (Hamath) في وسط سوريا كواحدة من الممالك الآرامية المؤثرة، حيث كانت تقع على نهر العاصي وتتحكم في طرق تجارية مهمة تربط الساحل بالداخل. تميزت حماة بثقافتها المتطورة وفنونها المعمارية المميزة التي تركت آثاراً أثرية قيمة.
أبرز الممالك الآرامية وخصائصها المميزة
الممالك الآرامية الرئيسة
تنوعت الممالك الآرامية في سوريا من حيث القوة والتأثير والامتداد الجغرافي. يمكن تصنيف أهم هذه الممالك كالتالي:
- مملكة آرام دمشق: كانت الأقوى والأكثر نفوذاً بين الممالك الآرامية، وامتد حكمها من القرن الحادي عشر حتى القرن الثامن قبل الميلاد، وشملت دمشق وجنوب سوريا وأجزاء من لبنان.
- مملكة بيت أغوشي: سيطرت على حلب وشمال سوريا، وكانت تُعَدُّ منافساً قوياً لمملكة آرام دمشق في النفوذ والسيطرة الإقليمية.
- مملكة حماة: تمركزت في وسط سوريا على نهر العاصي، وكانت تشكل حلقة وصل مهمة بين ممالك الشمال والجنوب.
- مملكة صوبة: قامت شمال دمشق في منطقة البقاع، وكانت من أقدم الممالك الآرامية التي برزت في المنطقة.
- مملكة بيت عديني: امتدت في منطقة الجزيرة السورية الشمالية بالقرب من نهر الفرات، وشكلت جسراً حضارياً بين سوريا وبلاد الرافدين.
تميزت الممالك الآرامية في سوريا بخصائص مشتركة رغم استقلالها السياسي. كانت جميعها تتحدث اللغة الآرامية وتستخدم الأبجدية الآرامية في التدوين والمراسلات الرسمية. شكلت هذه الوحدة اللغوية عاملاً أساسياً في التواصل الثقافي والتجاري بين مختلف الممالك الآرامية، كما سهلت انتشار الثقافة الآرامية عبر المنطقة بأكملها.
النظام السياسي والهيكل الإداري
اعتمدت الممالك الآرامية في سوريا نظاماً ملكياً وراثياً، حيث كان الملك يحكم بصلاحيات واسعة ويُعَدُّ رأس الدولة والقائد الأعلى للجيش. كان للملك الآرامي سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية، وكان يُنظر إليه كحامي الشعب والضامن للعدالة والأمن. تميز النظام الملكي الآرامي بوجود مجلس استشاري من الأعيان والنبلاء يساعد الملك في اتخاذ القرارات المصيرية، خاصة في المسائل المتعلقة بالحرب والسلم والتحالفات.
تطور الجهاز الإداري في الممالك الآرامية في سوريا ليشمل وظائف متخصصة مثل جباة الضرائب والقضاة ومسؤولي الري والزراعة. كانت المدن الكبرى تدار بواسطة حكام محليين يتبعون للملك مباشرة، وكان لكل مدينة مجلس محلي يشرف على الشؤون اليومية للسكان. هذا النظام الإداري المنظم ساعد الممالك الآرامية على إدارة مواردها بكفاءة والحفاظ على الاستقرار الداخلي.
كانت الممالك الآرامية في سوريا تحرص على بناء جيوش قوية لحماية حدودها وتأمين طرقها التجارية. تألف الجيش من قوات مشاة وفرسان وعربات حربية، وكان يُجنَّد من السكان المحليين إضافة إلى المرتزقة في بعض الأحيان. أولت هذه الممالك اهتماماً كبيراً بتحصين مدنها ببناء الأسوار والأبراج الدفاعية، مما يعكس الوعي الإستراتيجي والعسكري لدى القادة الآراميين.
الاقتصاد والتجارة وطرق الثراء
الموارد الاقتصادية والنشاط التجاري
ازدهر اقتصاد الممالك الآرامية في سوريا بفضل موقعها الإستراتيجي على تقاطع الطرق التجارية الدولية. قامت هذه الممالك بدور الوسيط التجاري بين حضارات الشرق والغرب، مما أتاح لها تحقيق أرباح ضخمة من رسوم العبور والتجارة. شملت الأنشطة الاقتصادية الرئيسة:
- التجارة الدولية: كانت الممالك الآرامية في سوريا تسيطر على طرق القوافل التجارية التي تنقل التوابل والعطور والمعادن والأقمشة بين بلاد الرافدين ومصر والبحر المتوسط.
- الزراعة: استفادت هذه الممالك من الأراضي الخصبة في الوديان والواحات لزراعة الحبوب والزيتون والكروم، مما وفر الأمن الغذائي والفائض للتصدير.
- الصناعات الحرفية: اشتهرت الممالك الآرامية بصناعة الأقمشة والمنسوجات والمعادن والفخار، وكانت منتجاتها تُصدَّر إلى الأقاليم المجاورة.
- تربية المواشي: شكلت تربية الأغنام والماعز والإبل نشاطاً اقتصادياً مهماً، خاصة في المناطق الانتقالية بين البادية والمناطق المستقرة.
شكلت الممالك الآرامية في سوريا شبكة تجارية واسعة ربطت بين مختلف المناطق. كانت القوافل التجارية الآرامية تنقل البضائع عبر طرق محددة ومؤمنة، وتوفر نقاط استراحة وخدمات للتجار. أسهم التجار الآراميون في نشر اللغة الآرامية عبر طرق التجارة، مما جعلها لغة التجارة الدولية في الشرق الأدنى القديم. كما طوروا نظاماً للمكاييل والموازين والعملات سهل عمليات التبادل التجاري.
تميزت الممالك الآرامية في سوريا بسياسة اقتصادية منفتحة شجعت التجارة الدولية والاستثمار. فرضت هذه الممالك ضرائب معتدلة على التجارة العابرة، مما جذب التجار من مختلف الأقاليم. كما أنشأت أسواقاً منظمة في المدن الكبرى حيث كان التجار يتبادلون البضائع ويعقدون الصفقات. هذا الانفتاح الاقتصادي جعل الممالك الآرامية مراكز ثراء وازدهار في عصرها.
اللغة والكتابة الآرامية وانتشارها
تُعَدُّ اللغة الآرامية (Aramaic Language) من أبرز المنجزات الحضارية للممالك الآرامية في سوريا. نشأت هذه اللغة كلهجة سامية شمالية غربية، وتطورت لتصبح لغة كتابة وتواصل متقدمة. استخدمت الممالك الآرامية الأبجدية الفينيقية في البداية، ثم طورت أبجدية آرامية خاصة بها تميزت بالبساطة وسهولة التعلم مقارنة بالكتابات المسمارية المعقدة.
انتشرت اللغة الآرامية انتشاراً واسعاً بفضل النشاط التجاري للممالك الآرامية في سوريا. حمل التجار الآراميون لغتهم إلى كافة المناطق التي وصلوا إليها، من بلاد فارس شرقاً إلى مصر غرباً. أصبحت الآرامية لغة التواصل الدولي في الإمبراطوريات الكبرى التي تلت الممالك الآرامية، بما في ذلك الإمبراطورية الآشورية الحديثة والإمبراطورية البابلية الحديثة والإمبراطورية الفارسية الأخمينية.
استُخدمت اللغة الآرامية في الممالك الآرامية في سوريا لأغراض متعددة شملت النقوش الملكية والمراسيم الرسمية والعقود التجارية والمراسلات الدبلوماسية. اكتُشفت نقوش آرامية عديدة في مواقع أثرية سورية تقدم معلومات قيمة عن تاريخ هذه الممالك وملوكها وإنجازاتهم. من أشهر هذه النقوش نقش تل الفخيرية ونقوش زنجرلي التي توثق أحداثاً سياسية وعسكرية مهمة في تاريخ الممالك الآرامية.
المعتقدات الدينية والممارسات الطقسية
اعتنقت الممالك الآرامية في سوريا ديانات وثنية متعددة الآلهة تشبه الديانات السامية القديمة في المنطقة. كان لكل مملكة آرامية آلهتها المحلية الخاصة، لكنها تشاركت في عبادة بعض الآلهة الرئيسة المشتركة. عُبد الإله هدد (Hadad) كإله رئيس في معظم الممالك الآرامية، وكان يُعتبر إله العواصف والمطر والخصوبة. كما عُبدت الآلهة عشتار كإلهة الحب والخصوبة، والإله رشف كإله الحرب.
بنت الممالك الآرامية في سوريا معابد فخمة لآلهتها في المدن الرئيسة، وكانت هذه المعابد تشكل مراكز دينية واقتصادية مهمة. قدم الكهنة القرابين والطقوس الدينية بانتظام لإرضاء الآلهة وطلب البركات. شملت القرابين الحيوانات والمنتجات الزراعية والبخور، وكانت تُقدم في مناسبات دينية محددة وأعياد موسمية. لعب الكهنة دوراً سياسياً واجتماعياً بارزاً في المجتمع الآرامي، حيث كانوا مستشارين للملوك ومسؤولين عن التعليم والحفاظ على التقاليد.
تأثرت المعتقدات الدينية في الممالك الآرامية في سوريا بالثقافات المجاورة من كنعانية وبابلية وحثية. أدى هذا التفاعل الثقافي إلى تطور منظومة دينية متنوعة تجمع بين العناصر المحلية والمستعارة. كانت الطقوس الدينية الآرامية تتضمن الصلوات والترانيم والموسيقى والرقص، وكانت المهرجانات الدينية مناسبات اجتماعية يشارك فيها جميع أفراد المجتمع.
الفنون والعمارة الآرامية
أنتجت الممالك الآرامية في سوريا إرثاً فنياً ومعمارياً متميزاً يعكس ذوقها الجمالي وقدراتها التقنية. تأثرت الفنون الآرامية بالتقاليد الفنية للحضارات المجاورة، لكنها طورت أسلوباً خاصاً يجمع بين مختلف التأثيرات. اشتهرت الممالك الآرامية بالنحت والنقش على الحجر، حيث أنتج الفنانون الآراميون تماثيل ومنحوتات بارزة تصور الملوك والآلهة ومشاهد دينية وحربية.
تميزت العمارة في الممالك الآرامية في سوريا باستخدام الحجر الجيري والبازلت المتوفر محلياً. بُنيت القصور الملكية والمعابد والتحصينات بأساليب معمارية متطورة تضمن المتانة والجمال. استخدم المعماريون الآراميون الأعمدة والأقواس والأسقف المسطحة، وزينوا المباني بالنقوش والزخارف الهندسية والنباتية. كانت المدن الآرامية محصنة بأسوار ضخمة وأبواب محروسة، مما يعكس الاهتمام بالأمن والدفاع.
أنتجت الممالك الآرامية في سوريا أيضاً حرفاً فنية متنوعة شملت صناعة الفخار والمعادن والمجوهرات والأقمشة. كانت الأواني الفخارية الآرامية مزينة بأشكال هندسية ونباتية وحيوانية، وتُستخدم للأغراض اليومية والطقوس الدينية. أما صناعة المعادن فشملت الأسلحة والأدوات والحلي، واستُخدمت تقنيات متقدمة في الصهر والطرق والتطعيم. عكست هذه الفنون مستوى الرقي الحضاري الذي بلغته الممالك الآرامية.
العلاقات الدولية والصراعات الإقليمية
دخلت الممالك الآرامية في سوريا في شبكة معقدة من العلاقات الدولية مع القوى الإقليمية المحيطة. كانت العلاقة مع المملكة الإسرائيلية إلى الجنوب متأرجحة بين التحالف والصراع، حيث دارت حروب متعددة وعُقدت تحالفات مؤقتة حسب المصالح السياسية. شكلت مملكة آرام دمشق منافساً قوياً للممالك الإسرائيلية القديمة، وخاضت معارك عديدة على السيطرة على المناطق الحدودية والطرق التجارية.
واجهت الممالك الآرامية في سوريا تهديداً متزايداً من الإمبراطورية الآشورية التي كانت تتوسع من الشرق. بدأ الآشوريون حملات عسكرية منتظمة ضد الممالك الآرامية منذ القرن التاسع قبل الميلاد، بهدف السيطرة على الطرق التجارية وفرض الجزية. قاومت الممالك الآرامية التوسع الآشوري بضراوة، وشكلت تحالفات مع بعضها البعض ومع القوى الأخرى في المنطقة لمواجهة الخطر المشترك.
نجحت الممالك الآرامية في سوريا في الحفاظ على استقلالها لعدة قرون، لكنها تعرضت في النهاية للغزو الآشوري في القرن الثامن قبل الميلاد. سقطت دمشق عام 732 قبل الميلاد على يد الملك الآشوري تغلات فلاسر الثالث، تلاها سقوط باقي الممالك الآرامية الواحدة تلو الأخرى. رغم السقوط السياسي، استمرت الثقافة الآرامية واللغة الآرامية في الازدهار تحت الحكم الآشوري، بل أصبحت الآرامية اللغة الإدارية للإمبراطورية الآشورية نفسها.
الإرث الحضاري والتأثير التاريخي
المساهمات الحضارية الدائمة
تركت الممالك الآرامية في سوريا إرثاً حضارياً ضخماً امتد تأثيره لقرون طويلة بعد زوالها السياسي. يمكن تلخيص أبرز مساهماتها الحضارية:
- اللغة والكتابة: أصبحت اللغة الآرامية لغة دولية استُخدمت في الإدارة والتجارة والدبلوماسية عبر الشرق الأدنى القديم لأكثر من ألف عام، وتفرعت منها لغات عديدة لا تزال مستخدمة حتى اليوم.
- التجارة الدولية: طور الآراميون نظاماً تجارياً متقدماً وشبكات طرق تجارية ربطت بين القارات، مما أسهم في التبادل الاقتصادي والثقافي بين الحضارات.
- النقل الثقافي: لعبت الممالك الآرامية دور الوسيط الثقافي الناقل للمعارف والتقنيات بين الحضارات المختلفة، مما أغنى التراث الإنساني.
- التطوير الإداري: قدمت الممالك الآرامية نماذج إدارية وسياسية تبنتها الإمبراطوريات اللاحقة، خاصة في مجالات جباية الضرائب والإدارة المحلية.
استمر التأثير الثقافي للممالك الآرامية في سوريا حتى في العصور اللاحقة. في العهد الهلنستي والرومان، ظلت الآرامية لغة حية يتحدث بها السكان المحليون في سوريا. استُخدمت الآرامية كلغة للمسيحية المبكرة في المنطقة، وكُتبت بها نصوص دينية مهمة. كما أن بعض اللهجات الآرامية لا تزال محكية في بعض القرى السورية حتى اليوم، مما يشكل استمرارية لغوية نادرة عبر آلاف السنين.
تُعَدُّ الممالك الآرامية في سوريا جزءاً لا يتجزأ من الهوية التاريخية السورية. تفخر سوريا الحديثة بهذا الإرث الحضاري العريق الذي يمتد لأكثر من ثلاثة آلاف عام. تشهد المواقع الأثرية السورية التي كانت مراكز للممالك الآرامية على عظمة هذه الحضارة، وتجذب الباحثين والمهتمين بالتاريخ من جميع أنحاء العالم. يستمر علماء الآثار في اكتشاف المزيد عن الممالك الآرامية من خلال التنقيبات الأثرية ودراسة النقوش والنصوص القديمة.
المجتمع والحياة اليومية
تألف المجتمع في الممالك الآرامية في سوريا من طبقات اجتماعية متدرجة شملت الطبقة الحاكمة من الملوك والأمراء والنبلاء، والطبقة الوسطى من التجار والحرفيين والكهنة، والطبقة الدنيا من الفلاحين والرعاة. كانت الحراك الاجتماعي ممكناً نسبياً، حيث كان التجار الناجحون قادرين على الارتقاء في السلم الاجتماعي وكسب النفوذ. لعبت العائلة دوراً مركزياً في البنية الاجتماعية، وكانت العلاقات القبلية والعشائرية لا تزال مؤثرة رغم التحضر.
عاش سكان الممالك الآرامية في سوريا حياة متنوعة حسب موقعهم الجغرافي والطبقة الاجتماعية. في المدن الكبرى، تركزت الحياة حول الأسواق والمعابد والقصور، وكانت البيوت مبنية من الحجر أو الطين المجفف. أما في الأرياف، فكان السكان يعتمدون على الزراعة وتربية المواشي، ويعيشون في قرى صغيرة أو مزارع متفرقة. اهتمت الممالك الآرامية بتوفير البنية التحتية الأساسية كالطرق وأنظمة الري والتحصينات.
تمتعت النساء في الممالك الآرامية في سوريا بمكانة معتبرة نسبياً، حيث كان بإمكانهن امتلاك الممتلكات والمشاركة في الأنشطة التجارية في بعض الحالات. لعبت النساء من الطبقات العليا أدواراً سياسية ودينية أحياناً، وظهرت بعضهن كملكات أو وصيات على العرش. كانت التربية والتعليم متاحين للذكور من الطبقات العليا والوسطى، حيث تعلموا القراءة والكتابة والحساب والمهارات العملية. استُخدمت اللغة الآرامية كلغة التعليم، مما ساهم في انتشارها الواسع.
العلوم والمعارف
ساهمت الممالك الآرامية في سوريا في تطوير مختلف المجالات المعرفية رغم أن معظم إنجازاتها العلمية لم توثق بشكل مفصل. طور الآراميون معارف فلكية استُخدمت لتحديد مواسم الزراعة والأعياد الدينية، كما استخدموا نظاماً رياضياً لحساب المسافات والأوزان والمكاييل في التجارة. استفادوا من المعارف البابلية والمصرية في هذه المجالات، وأضافوا إليها من خبراتهم الخاصة.
برعت الممالك الآرامية في سوريا في الهندسة والعمارة، وطورت تقنيات بناء متقدمة استُخدمت في تشييد المعابد والقصور والتحصينات. كما اهتموا بأنظمة الري والزراعة، وطوروا طرقاً لتخزين المياه واستغلالها الأمثل في الزراعة. انتقلت هذه المعارف التقنية عبر الأجيال وأثرت في الممارسات الزراعية في المنطقة لقرون لاحقة.
أسهمت الممالك الآرامية في سوريا في حفظ ونقل المعارف من خلال الكتابة والتدوين. رغم أن معظم الأرشيفات الآرامية فُقدت أو لم تُكتشف بعد، فإن النصوص الباقية تشير إلى وجود تقليد قوي في التوثيق والحفظ. استُخدمت الآرامية في تدوين النصوص الإدارية والتجارية والدينية والأدبية، مما ساعد في الحفاظ على الذاكرة الجماعية ونقل المعرفة عبر الأجيال.
الخاتمة
شكلت الممالك الآرامية في سوريا فصلاً مهماً من تاريخ الحضارة الإنسانية، حيث تركت بصمات عميقة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية. استطاعت هذه الممالك أن تبني حضارة مزدهرة في موقع إستراتيجي بالغ الأهمية، وأن تلعب دور الجسر الحضاري بين الشرق والغرب. رغم سقوطها السياسي أمام القوى الإمبراطورية الكبرى، فإن الممالك الآرامية في سوريا استمرت حية من خلال لغتها وثقافتها التي انتشرت عبر مساحات شاسعة واستمرت لقرون طويلة.
يُعَدُّ دراسة الممالك الآرامية في سوريا ضرورياً لفهم التاريخ السوري القديم والهوية الثقافية للمنطقة. تمثل هذه الممالك نموذجاً للحضارة السورية الأصيلة التي تفاعلت مع محيطها بانفتاح مع الحفاظ على خصوصيتها. لا يزال الإرث الآرامي حاضراً في سوريا الحديثة من خلال اللغة والثقافة والتراث المادي، مما يجعل الممالك الآرامية جزءاً حياً من الذاكرة الجماعية السورية وليس مجرد تاريخ قديم.
تستحق الممالك الآرامية في سوريا مزيداً من البحث والدراسة لكشف جوانب جديدة من تاريخها وحضارتها. تحتفظ الأراضي السورية بكنوز أثرية دفينة تنتظر الاكتشاف، والتي ستلقي المزيد من الضوء على هذه الحقبة المهمة. إن الحفاظ على المواقع الأثرية الآرامية وحمايتها من التدمير والإهمال واجب حضاري يضمن استمرار هذا الإرث للأجيال القادمة، ويعزز الفخر بالتاريخ الحضاري العريق لسوريا وإسهامها في الحضارة الإنسانية.


