سورية القديمة

عمريت: كنوز الحضارة الفينيقية المنسية على الساحل السوري

على شريط ساحلي غني بالتاريخ، جنوب مدينة طرطوس السورية، تستقر بقايا مدينة عمريت الفينيقية، كشاهد مادي على حضارة بحرية عظيمة هيمنت على شرق المتوسط. ورغم أن الكثير من أسرار عمريت لا يزال محفوظاً تحت الرمال، إلا أن ما تم الكشف عنه، وعلى رأسه المعبد الفريد الذي يميز موقع عمريت، يروي قصة مجتمع متطور ذي طقوس ومعتقدات استثنائية. تقدم مدينة عمريت اليوم نافذة نادرة على العالم الفينيقي، ليس فقط كمركز ديني، بل كمجمع حضاري متكامل يضم أحد أقدم الملاعب الرياضية في العالم ومقابر ملكية مهيبة. إن دراسة موقع عمريت الأثري لا تقتصر على فهم الفينيقيين في معزل، بل تكشف عن شبكة معقدة من التبادلات الثقافية والفنية التي ربطت بين مصر وبلاد فارس واليونان، وكانت عمريت مركزًا هامًا فيها.

الموقع الجغرافي والأهمية الاستراتيجية لمدينة عمريت

تقع مدينة عمريت الأثرية على بعد حوالي 7 كيلومترات جنوب مدينة طرطوس الحالية، على امتداد الساحل السوري. امتدت آثار عمريت على مساحة شاسعة تقدر بأكثر من ستة كيلومترات مربعة، مما يدل على أنها كانت حاضرة كبرى في زمانها. كان موقع عمريت استراتيجياً بامتياز؛ فهي لم تكن مجرد مدينة ساحلية، بل كانت بمثابة الضاحية البرية أو القاعدة القارية لمملكة جزيرة أرواد القوية، التي تقع قبالتها. هذا الارتباط العضوي بأرواد، إحدى أقوى الممالك الفينيقية، منح عمريت أهمية اقتصادية ودفاعية كبرى.

يخترق موقع عمريت نهر صغير كان يُعرف قديماً باسم “ماراتያስ” ويُعرف اليوم بنهر عمريت، والذي لعب دوراً محورياً في الحياة الدينية للمدينة، حيث كان يغذي المعبد الرئيسي في عمريت بمياهه التي اعتبرت مقدسة. إن اختيار هذا الموقع لم يكن عشوائياً، فقد وفر لمدينة عمريت ميناءً طبيعياً محمياً، وأرضاً خصبة للزراعة، ومصدراً للمياه العذبة، بالإضافة إلى محاجر الصخر الرملي التي استُخدمت بكثافة في نحت وتشييد معالم عمريت الأثرية الفريدة. هذا المزيج من العوامل الطبيعية جعل من عمريت مركزاً تجارياً ودينياً حيوياً على خارطة العالم القديم.

لمحة تاريخية عن عمريت: من النشأة إلى الأفول

تمتد جذور عمريت عميقاً في التاريخ، حيث تشير الأدلة الأثرية والتنقيبات في تلها الأثري إلى أن الموقع كان مأهولاً بالسكان منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد، في العصر الأموري. حملت مدينة عمريت اسمها الكنعاني القديم “أمريت” أو “عمريت“، وورد ذكرها في مصادر تاريخية متعددة، بما في ذلك النصوص المصرية القديمة التي عددتها ضمن المدن الفينيقية الهامة.

بلغت عمريت ذروة ازدهارها خلال الفترة الفينيقية الكلاسيكية، وتحديداً في العصر الفارسي (القرن السادس إلى الرابع قبل الميلاد) والفترة الهلنستية التي تلته. خلال هذه الحقبة الذهبية، لم تكن عمريت مجرد تابع لأرواد، بل تطورت لتصبح مدينة كبرى ومزدهرة بحد ذاتها، حتى أنها فاقت أرواد حجماً وغنى في بعض الفترات. وفي القرن الثالث والثاني قبل الميلاد، وصلت عمريت إلى درجة من الاستقلال والقوة الاقتصادية مكنتها من سك عملتها النقدية الخاصة التي حملت اسمها اليوناني “ماراتوس”.

شهدت عمريت أحداثاً تاريخية كبرى، ففي عام 333 قبل الميلاد، استسلمت للإسكندر الأكبر الذي اطلع فيها على الغنائم القادمة من دمشق وأدار منها مفاوضاته مع الملك الفارسي داريوس. لكن هذا الازدهار لم يدم، ففي أواخر القرن الثالث قبل الميلاد، تحررت عمريت من سيطرة أرواد، مما أدى إلى صراع بين المدينتين انتهى بقيام الأرواديين بتخريبها بشكل كبير حوالي عام 148 قبل الميلاد. كان هذا الحدث بداية النهاية لمدينة عمريت، فعندما زارها الجغرافي سترابون في القرن الأول قبل الميلاد، وصفها بأنها “مدينة قديمة للفينيقيين أمست الآن خراباً”. بعد هذا التاريخ، تلاشت أهمية عمريت تدريجياً وأهملت في العهد الروماني، لتتحول إلى أطلال ومحجر لنقل حجارتها لبناء مدن أخرى، وهو ما ساهم في الحفاظ على بعض منشآت عمريت الأصلية دون تغييرات لاحقة.

المعبد الرئيسي في عمريت (المَعْبَد): تحفة معمارية فريدة

يُعتبر المعبد الرئيسي، أو “المَعْبَد” كما يُعرف محلياً، أشهر وأهم أثر في موقع عمريت، وهو بحق تحفة معمارية لا مثيل لها في العالم الفينيقي. يعود تاريخ بنائه على الأرجح إلى أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، ويظهر فيه تأثيرات فارسية واضحة. ما يميز معبد عمريت بشكل جذري عن غيره من معابد المنطقة هو تصميمه الفريد كنظام مفتوح يرتكز على عبادة الماء.

فالمعبد بأكمله عبارة عن ساحة ضخمة منحوتة في الصخر الرملي، أبعادها تقارب 48 × 38 متراً، تم إغراقها بمياه نبع مقدس قريب لتشكل بحيرة أو بركة اصطناعية ضحلة. كان يتم تغذية هذه البركة باستمرار عبر قناة منحوتة في الصخر، مما يضمن تجدد المياه وطهارتها. وفي وسط هذه البحيرة المقدسة، ينتصب هيكل حجري (ناووس أو سيلا) منحوت أيضاً من قطعة صخرية واحدة، وهو مخصص لوضع تمثال الإله. كان هذا الهيكل هو قدس أقداس معبد عمريت.

يحيط بالبركة من ثلاث جهات رواق معمّد، مما يضفي على المكان طابعاً من الجلال والرهبة. كان الزوار والحجاج يطوفون حول الهيكل المركزي على الأرجح باستخدام قوارب صغيرة، في طقس فريد يعكس مركزية عنصر الماء في الديانة التي كانت تُمارس في عمريت. إن هذا التصميم المبتكر، الذي يدمج العمارة بالمياه الحية، يجعل من معبد عمريت ليس مجرد مكان للعبادة، بل تجربة روحانية متكاملة، وهو ما جعله “أفضل هيكل أثري محفوظ من الوطن الفينيقي” بحسب بعض علماء الآثار. إن تفرد هذا المعبد يعكس الأصالة والإبداع في الفكر الديني والمعماري لدى سكان عمريت القدماء.

الطقوس الدينية والحياة الروحية في عمريت

كانت الحياة الروحية في عمريت تتمحور حول معبدها المائي الفريد. تشير الأدلة، بما في ذلك كتابة فينيقية عُثر عليها في الموقع، إلى أن المعبد كان مكرساً لعبادة الإله “ملقارت”، وهو أحد أهم آلهة البانثيون الفينيقي، والذي ربطه اليونانيون لاحقاً بهرقل. كان ملقارت في عمريت يُعبد كإله شافٍ للأمراض، مما جعل المعبد وجهة للحجاج الباحثين عن الشفاء.

اقرأ أيضاً:  مدينة بصرى: جوهرة أثرية في قلب سوريا

كانت المياه التي تملأ حوض المعبد تعتبر مقدسة وذات قدرات علاجية. وكان الحجاج يأتون لملء الأواني الفخارية من هذا النبع المقدس، في طقس يهدف إلى التبرك والشفاء. إن عبادة الماء هذه لم تكن مجرد طقس هامشي، بل كانت جوهر العقيدة الدينية في عمريت، وهو ما يفسر المجهود الهندسي الهائل الذي بُذل لنحت المعبد وتزويده بالمياه بشكل دائم.

إلى جانب ملقارت، من المحتمل أن آلهة أخرى مثل “أشمون”، وهو إله فينيقي آخر مرتبط بالشفاء، كانت تُعبد أيضاً في عمريت. كما كشفت التنقيبات عن عدد كبير من التماثيل النذرية التي كان يقدمها المؤمنون كقرابين للآلهة، مما يدل على حيوية الحياة الدينية في عمريت ومكانتها كمركز ديني إقليمي مهم. إن الطقوس التي كانت تُمارس في عمريت تجمع بين عبادة قوى الطبيعة، ممثلة في نبع الماء المقدس، والإيمان بآلهة متخصصة قادرة على التدخل في حياة البشر، خاصة في مجال الصحة والشفاء.

الملعب (الاستاد): نافذة على الحياة الاجتماعية في عمريت

لا تقتصر عجائب عمريت على معبدها، بل تمتد لتشمل واحداً من أقدم الملاعب الرياضية في العالم. على بعد حوالي 200 متر من المعبد، يقع ملعب عمريت المنحوت أيضاً في الصخر الطبيعي، وهو ما يجعله منشأة معمارية مذهلة. يبلغ طول الملعب حوالي 230 متراً وعرضه 30 متراً، وهي أبعاد مشابهة لملعب أولمبيا الشهير في اليونان. وقد تم الحفاظ على سبع درجات من مقاعد المتفرجين المنحوتة في الصخر.

تشير الدراسات إلى أن ملعب عمريت قد يعود بتاريخه إلى القرن الرابع أو الثالث قبل الميلاد، وربما أقدم من ذلك. بل يذهب بعض الباحثين إلى القول بأن بناءه قد يسبق الألعاب الأولمبية اليونانية بقرون، وأن الفينيقيين، وتحديداً من عمريت، هم من نقلوا ألعابهم الرياضية وتقاليدها إلى اليونان.

لم يكن الملعب مجرد مكان للترفيه، بل كان جزءاً لا يتجزأ من الحياة الدينية والاجتماعية في عمريت. يُعتقد أن الملعب كان مسرحاً للمسابقات والألعاب الجنائزية والمهرجانات الدينية التي تقام تكريماً للآلهة، وعلى رأسهم ملقارت (هرقل). كانت هذه الألعاب تشمل على الأرجح سباقات الجري والمصارعة ورمي القرص. إن وجود الملعب على مقربة شديدة من المعبد يؤكد على العلاقة الوثيقة بين الطقوس الدينية والأنشطة الرياضية في عمريت، ويقدم دليلاً قوياً على مدى تطور الحياة المدنية والاجتماعية في هذه الحاضرة الفينيقية.

مدينة الموتى: أبراج عمريت الجنائزية (المغازل)

إلى الجنوب من المعبد والملعب، تقع مقبرة عمريت التي تضم مجموعة من أروع النصب الجنائزية في العالم الفينيقي. أبرز ما يميز هذه المقبرة هو وجود أبراج حجرية ضخمة وفريدة من نوعها، يطلق عليها السكان المحليون اسم “المغازل” بسبب شكلها الشامخ. هذه الأبراج لم تكن القبور بحد ذاتها، بل كانت بمثابة شواهد ضخمة (نصب تذكارية) تشير إلى غرف الدفن المنحوتة تحتها في الصخر.

يوجد في عمريت برجان رئيسيان لا يزالان قائمين. الأكبر منهما يرتفع إلى حوالي 7.5 أمتار، ويتألف من قاعدة مربعة يعلوها كتلة أسطوانية ضخمة كانت تنتهي بهرم. أما البرج الثاني، الأصغر حجماً، فيتكون من أجزاء أسطوانية متناقصة في القطر تعلوها قبة. تظهر على قواعد هذه الأبراج تأثيرات فنية متنوعة، بما في ذلك منحوتات لأسود غير مكتملة تظهر التأثير الفارسي، مما يؤكد على مكانة عمريت كملتقى للحضارات.

تؤدي السلالم المنحوتة في الصخر إلى غرف الدفن تحت الأرض، حيث كانت توضع توابيت الموتى. إن هذه العمارة الجنائزية المهيبة، التي لا نجد لها مثيلاً بنفس الحجم والجودة في مواقع فينيقية أخرى، تدل على الأهمية الكبيرة التي أولاها سكان عمريت لطقوس الدفن وتكريم الموتى، كما تعكس ثراء وقوة النخبة الحاكمة في المدينة التي كانت قادرة على تشييد مثل هذه الصروح الخالدة. إن “مغازل” عمريت هي بحق من العلامات الفارقة لهذه المدينة.

الاكتشافات الأثرية والتنقيب في موقع عمريت

ظلت أطلال عمريت مهجورة لقرون طويلة، مما ساعد على حفظها بشكل استثنائي. بدأ الاهتمام العلمي الحديث بالموقع في القرن الثامن عشر مع زيارات الرحالة الأوروبيين مثل ريتشارد بوكوك الذي وصف الملعب عام 1745. لكن العمل الأثري المنهجي لم يبدأ إلا في عام 1860 مع البعثة الفرنسية الشهيرة إلى فينيقيا بقيادة المستشرق إرنست رينان، الذي أدرك على الفور أهمية الموقع وطابعه الفينيقي الأصيل.

شهد القرن العشرون المزيد من أعمال التنقيب، أبرزها تلك التي قادها عالم الآثار الفرنسي موريس دونان ابتداءً من عام 1926، ثم البعثات الوطنية السورية بعد الاستقلال، خاصة في الخمسينيات والسبعينيات من القرن الماضي. كشفت هذه الحفريات عن تفاصيل معبد عمريت، وأبعاد الملعب، والعديد من القبور والمدافن التي احتوت على توابيت فخارية ورخامية على هيئة إنسان. كما تم اكتشاف أجزاء من الميناء القديم جنوب المعبد، ومستودع للمقدسات (فافيسا) احتوى على مئات التماثيل النذرية المحطمة.

في السنوات الأخيرة، استمرت أعمال التنقيب لتكشف عن المزيد من أسرار عمريت، بما في ذلك اكتشاف معبد ثانٍ وبقايا سكنية تعود للعصر الهلنستي. إن كل اكتشاف جديد في عمريت يضيف قطعة جديدة إلى أحجية فهم هذه المدينة الفينيقية الغامضة ويؤكد على ضرورة استمرار البحث الأثري في هذا الموقع الذي لا يقدر بثمن. إن تاريخ التنقيب في عمريت هو قصة جهد علمي متواصل لكشف النقاب عن واحدة من أهم مدن الساحل السوري القديم.

مكانة عمريت في العالم الفينيقي وخارجه

لم تكن عمريت مدينة منعزلة، بل كانت لاعباً فاعلاً في شبكة العلاقات التجارية والثقافية التي ميزت العالم الفينيقي. وبصفتها الميناء البري الرئيسي لمملكة أرواد، لعبت عمريت دوراً حيوياً في اقتصاد المملكة، حيث كانت بوابة لمنتجات الداخل السوري نحو البحر المتوسط، ومستقراً للسفن التجارية القادمة من مختلف أنحاء العالم القديم.

اقرأ أيضاً:  مملكة إيبلا: أسرار الحضارة السورية المنسية التي غيرت التاريخ

يتجلى هذا الانفتاح في الفن والعمارة المكتشفة في عمريت. فبينما يحافظ معبدها على طابع فينيقي محلي فريد، نجد في منحوتاتها وتصاميمها الجنائزية أصداء واضحة للفن المصري والفارسي (الأخميني) واليوناني. على سبيل المثال، تظهر المنحوتات التي تزين أبراج “المغازل” تأثراً بالأسلوب الفارسي، في حين أن بعض التوابيت التي عُثر عليها تتبع النمط المصري. هذا المزيج الفني لا يدل على التبعية، بل على قدرة حضارة عمريت على استيعاب التأثيرات الخارجية ودمجها في هوية فنية خاصة بها.

إن وجود ملعب رياضي على الطراز اليوناني في عمريت، والذي قد يكون سابقاً لنماذجه اليونانية، يطرح أسئلة مهمة حول اتجاه التأثير الثقافي. فهل كانت عمريت مجرد متلقٍ للثقافة الهلنستية، أم كانت مساهماً فاعلاً في تشكيلها؟ إن الأدلة من عمريت ترجح الاحتمال الثاني، وتظهر المدينة كمركز حضاري عالمي بكل معنى الكلمة، يتبادل الأفكار والتقاليد مع القوى الكبرى في عصره.

عمريت اليوم: تحديات الحفاظ على إرث تاريخي

على الرغم من أهميتها التاريخية والأثرية الاستثنائية، يواجه موقع عمريت اليوم تحديات جمة تهدد بقاءه. إن عقوداً من الإهمال، والتوسع العمراني العشوائي في محيط الموقع، إضافة إلى العوامل الطبيعية، كلها تشكل أخطاراً حقيقية على هذا الإرث الإنساني. وقد تم إدراج عمريت على قائمة مراقبة صندوق الآثار العالمي في عامي 2004 و 2006 للتنبيه إلى هذه المخاطر.

تبذل المديرية العامة للآثار والمتاحف في سوريا جهوداً لحماية الموقع وترميمه، حيث قامت في السنوات الأخيرة بأعمال ترميمية لهيكل المعبد الرئيسي باستخدام كوادر وطنية. كما أن هناك دعوات مستمرة من قبل المتطوعين والمهتمين بالتراث لتسجيل عمريت على قائمة التراث العالمي لليونسكو، لضمان حماية دولية أفضل لها.

إن الحفاظ على عمريت ليس مجرد مسؤولية سورية، بل هو مسؤولية عالمية. فهذا الموقع يقدم رؤى فريدة لا يمكن الحصول عليها من أي مكان آخر حول الحضارة الفينيقية، تلك الحضارة التي قدمت الأبجدية للعالم وأسهمت بشكل عميق في تاريخ البشرية. إن إنقاذ عمريت يعني إنقاذ فصل مهم من فصول هذا التاريخ. إن مستقبل عمريت يعتمد على تضافر الجهود لحماية ما تبقى من كنوزها وكشف المزيد من أسرارها للأجيال القادمة.

خاتمة: إرث عمريت

في الختام، تقف عمريت كشهادة على عبقرية الحضارة الفينيقية. هي ليست مجرد مجموعة من الأطلال الصامتة، بل هي سجل حجري ينبض بقصص الدين والفن والرياضة والحياة اليومية لمجتمع كان في يوم من الأيام في قلب العالم القديم. من معبدها المائي الذي لا مثيل له، إلى ملعبها الذي قد يكون مهد الألعاب الأولمبية، وأبراجها الجنائزية الشامخة، تقدم عمريت صورة متكاملة لمدينة فينيقية في أوج ازدهارها. إن كل حجر في عمريت يروي حكاية، وكل نقش يخفي سراً. ورغم مرور آلاف السنين، لا تزال عمريت تحتفظ بالكثير من ألغازها، داعية الباحثين والزوار إلى مواصلة استكشافها وفك طلاسمها، لتظل بذلك واحدة من أثمن درر التراث السوري والإنساني. إن إرث عمريت هو دعوة مفتوحة لفهم أعمق لجذور حضارتنا المشتركة.

الأسئلة الشائعة

1- ما هي مدينة عمريت الأثرية وما هي أهميتها الحضارية؟

الإجابة: مدينة عمريت هي موقع أثري فينيقي يقع على الساحل السوري، على بعد 7 كيلومترات جنوب طرطوس. تكمن أهميتها الحضارية في كونها نموذجاً متكاملاً ومحفوظاً بشكل استثنائي لمدينة فينيقية كلاسيكية. فهي لم تكن مجرد مستوطنة، بل مركزاً دينياً واجتماعياً رئيسياً، عمل كقاعدة قارية لمملكة جزيرة أرواد القوية. تقدم عمريت رؤى فريدة حول جوانب متعددة من الحضارة الفينيقية، من خلال معبدها المائي الذي لا مثيل له، وملعبها الذي يُعد من أقدم الملاعب في العالم، وأبراجها الجنائزية المهيبة. إن دراستها تكشف عن شبكة التفاعلات الثقافية بين الفينيقيين والمصريين والفرس واليونانيين، مما يجعلها موقعاً محورياً لفهم تاريخ شرق المتوسط القديم.

2- بماذا يتميز المعبد الرئيسي في عمريت عن غيره من المعابد الفينيقية؟

الإجابة: يتميز المعبد الرئيسي في عمريت، أو “المَعْبَد”، بتصميمه المعماري الفريد الذي يرتكز بشكل كلي على عبادة الماء. على عكس المعابد التقليدية المبنية، فإن معبد عمريت هو عبارة عن حوض ضخم منحوت مباشرة في الصخر الطبيعي (بأبعاد 48 × 38 متراً)، يتم غمره بمياه نبع مقدس قريب عبر قناة صخرية. وفي مركز هذه البحيرة الاصطناعية، ينتصب هيكل “الناووس” المخصص لتمثال الإله، وهو أيضاً منحوت من كتلة صخرية واحدة. هذا التصميم المفتوح والمائي جعل الطقوس الدينية، التي كانت تتضمن على الأرجح الطواف بقوارب صغيرة حول الهيكل، تجربة روحانية فريدة. هذا المزيج المبتكر بين العمارة والطبيعة الحية (الماء المتجدد) لا نظير له في أي موقع فينيقي آخر، مما يجعله تحفة معمارية ودينية تعكس أصالة الفكر الديني في عمريت.

3- ما هي الأهمية التاريخية لملعب عمريت، وما دوره في الحياة الاجتماعية والدينية؟

الإجابة: تكمن الأهمية التاريخية لملعب عمريت في كونه أحد أقدم المنشآت الرياضية المعروفة في العالم، حيث تشير بعض الدراسات إلى أن تاريخه قد يسبق الملاعب اليونانية الشهيرة بقرون. دوره لم يكن يقتصر على الترفيه، بل كان جزءاً لا يتجزأ من النسيج الديني والاجتماعي للمدينة. يؤكد موقعه القريب من المعبد الرئيسي على ارتباطه الوثيق بالطقوس الدينية، حيث يُعتقد أنه كان يستضيف الألعاب الجنائزية والمهرجانات التي تقام تكريماً للإله “ملقارت” (هرقل). هذه الفعاليات كانت تشمل مسابقات رياضية متنوعة كالجري والمصارعة. وبالتالي، لم يكن الملعب مجرد مكان لممارسة الرياضة، بل كان فضاءً عاماً حيوياً تُقام فيه الشعائر الدينية والاجتماعية التي تعزز هوية مجتمع عمريت.

اقرأ أيضاً:  قلعة حلب: جوهرة الأوابد السورية

4- ما هي “المغازل” في عمريت، وما الذي تكشفه عن المعتقدات الجنائزية لسكانها؟

الإجابة: “المغازل” هو الاسم المحلي الذي يُطلق على الأبراج الجنائزية الحجرية الشاهقة الموجودة في مقبرة عمريت. هذه الأبراج ليست القبور بحد ذاتها، بل هي نصب تذكارية ضخمة (تُعرف أثرياً باسم “نيفش”) شُيدت فوق غرف الدفن المنحوتة في الصخر تحت الأرض. تكشف هذه العمارة الجنائزية المهيبة عن الأهمية الكبيرة التي أولاها سكان عمريت، وخاصة النخبة الحاكمة، لطقوس تكريم الموتى والحياة الأخرى. إن ضخامة هذه النصب وتصميمها المتقن، الذي يظهر تأثرات فنية فارسية ومصرية، يعكس ثراء وقوة هذه النخبة، وإيمانها بضرورة تخليد ذكرى موتاها من خلال صروح أبدية، مما يجعلها دليلاً مادياً على بنية المجتمع ومعتقداته الجنائزية المتطورة.

5- كيف يعكس الفن والعمارة في عمريت تفاعلها مع الحضارات الأخرى كالفارسية واليونانية؟

الإجابة: يعكس الفن والعمارة في عمريت بوضوح مكانتها كملتقى للحضارات. ففي حين يحافظ المعبد على طابع فينيقي محلي أصيل، تظهر التأثيرات الخارجية في معالم أخرى. على سبيل المثال، المنحوتات غير المكتملة لأسود على قواعد “المغازل” الجنائزية تتبع الأسلوب الفني للإمبراطورية الفارسية الأخمينية، مما يدل على الروابط الوثيقة معها خلال تلك الفترة. أما وجود الملعب الرياضي بأبعاده وتصميمه المشابه لملعب أولمبيا، فيشير إلى تفاعل عميق مع العالم الهلنستي. هذا التفاعل لم يكن مجرد استقبال سلبي، بل يطرح فرضية أن عمريت ربما كانت مصدراً لبعض هذه التقاليد. هذا المزيج الفني يثبت أن حضارة عمريت كانت قادرة على استيعاب ودمج العناصر الأجنبية ضمن هويتها الفنية الخاصة، مما يعكس طبيعتها العالمية المنفتحة.

6- ما طبيعة العلاقة التي ربطت بين عمريت وجزيرة أرواد، وكيف أثرت على تاريخها؟

الإجابة: كانت العلاقة بين عمريت وأرواد علاقة تكاملية ثم صراعية. في البداية، كانت عمريت بمثابة الضاحية البرية والقاعدة القارية لمملكة جزيرة أرواد، حيث وفرت لها الأراضي الزراعية والمياه العذبة والميناء البري. هذا الارتباط منح عمريت أهمية استراتيجية واقتصادية. لكن مع مرور الوقت، نمت عمريت وازدهرت لتصبح مدينة كبرى بحد ذاتها، حتى أنها بدأت تنافس أرواد في القوة والثراء، ووصلت إلى حد سك عملتها الخاصة. هذا الصعود أدى إلى توتر في العلاقة، وفي أواخر القرن الثالث قبل الميلاد، تحررت عمريت من سيطرة أرواد. انتهى هذا الصراع بشكل مأساوي حوالي عام 148 ق.م عندما قامت أرواد بتدمير عمريت، مما كان السبب المباشر في أفول نجمها وتحولها إلى أطلال.

7- ما هي أبرز المعبودات والطقوس الدينية التي كانت سائدة في عمريت القديمة؟

الإجابة: تمحورت الحياة الدينية في عمريت حول عبادة الإله “ملقارت”، الذي يعتبر من أهم آلهة البانثيون الفينيقي، والذي طابقه اليونانيون لاحقاً بالإله هرقل. في عمريت، اتخذ ملقارت صفة الإله الشافي، مما جعل معبدها مقصداً للحجاج الباحثين عن العلاج. كان الطقس الرئيسي يتمثل في استخدام مياه النبع المقدس التي تغمر المعبد، حيث كان يعتقد أنها تمتلك قدرات علاجية. وكان الحجاج يملؤون الأواني من هذه المياه للتبرك والشفاء. إلى جانب ملقارت، يُحتمل أن آلهة أخرى مرتبطة بالشفاء مثل “أشمون” كانت تُعبد أيضاً. وتدل مئات التماثيل النذرية التي تم العثور عليها على حيوية الممارسات الدينية وكثافة الإقبال على المعبد كمركز ديني إقليمي.

8- ما هي الأسباب الرئيسية التي أدت إلى أفول نجم مدينة عمريت وتحولها إلى أطلال؟

الإجابة: السبب الرئيسي والمباشر لأفول نجم مدينة عمريت كان سياسياً وعسكرياً، ويتمثل في الصراع المدمر مع مدينة أرواد. بعد أن تحررت عمريت من سيطرة أرواد وأصبحت منافساً قوياً لها، نشب صراع بين المدينتين انتهى بقيام الأرواديين بتخريب عمريت بشكل شبه كامل حوالي عام 148 قبل الميلاد. هذا الحدث الكارثي قضى على مكانة المدينة وأنهى ازدهارها. وعندما زارها الجغرافي سترابون بعد قرن من الزمان، كانت بالفعل مدينة خربة. بعد ذلك، أُهملت المدينة تماماً في العصر الروماني ولم تعد تُبنى، بل تحولت إلى محجر، مما أدى إلى اندثارها التدريجي كمركز حضري حي، وإن كان ذلك قد ساهم في الحفاظ على هياكلها الأساسية دون تغيير.

9- متى وكيف بدأت الاكتشافات الأثرية الحديثة في موقع عمريت؟

الإجابة: بدأ الاهتمام العلمي الحديث بموقع عمريت في القرن الثامن عشر الميلادي من خلال زيارات الرحالة والمستكشفين الأوروبيين. لكن الانطلاقة الحقيقية للعمل الأثري المنهجي كانت في عام 1860 مع البعثة الفرنسية إلى فينيقيا بقيادة العالم والمستشرق إرنست رينان، الذي كان أول من أدرك الأهمية الاستثنائية للموقع وطابعه الفينيقي الأصيل وقام بتوثيق معالمه الرئيسية. تبع ذلك في القرن العشرين أعمال تنقيب أكثر شمولاً، أبرزها تلك التي قادها عالم الآثار الفرنسي موريس دونان منذ عام 1926، والتي كشفت عن تفاصيل المعبد والملعب. لاحقاً، استكملت البعثات الوطنية السورية العمل بعد الاستقلال، ولا تزال الاكتشافات مستمرة حتى اليوم.

10- ما هي التحديات المعاصرة التي تواجه موقع عمريت الأثري، وما أهمية الحفاظ عليه؟

الإجابة: يواجه موقع عمريت اليوم تحديات جسيمة تهدد بقاءه، أبرزها التوسع العمراني العشوائي الذي يزحف على محيط الموقع الأثري، بالإضافة إلى عقود من الإهمال النسبي والعوامل الطبيعية كالتآكل والتعرية. هذه الأخطار دفعت صندوق الآثار العالمي إلى إدراجه على قائمة المراقبة. تكمن أهمية الحفاظ على عمريت في كونها إرثاً إنسانياً عالمياً لا يقدر بثمن، فهي تقدم نافذة فريدة على الحضارة الفينيقية التي أثرت بعمق في تاريخ البشرية. إن حماية عمريت لا تعني فقط إنقاذ مجموعة من الحجارة، بل تعني الحفاظ على سجل مادي فريد يروي فصلاً مهماً من قصة التطور الديني والاجتماعي والثقافي في العالم القديم، وهو مسؤولية تقع على عاتق المجتمع المحلي والدولي على حد سواء.

هيئة تحرير موسوعة سوريا

الحساب الرسمي الموحد لفريق البحث والتدقيق في موسوعة سوريا. تخضع جميع المواد المنشورة عبر هذا الحساب لمراجعة دقيقة من قبل مختصين في التاريخ والجغرافيا والتراث، لضمان دقة المعلومات وحيادية الطرح ومطابقتها لسياسة النشر المعتمدة لدينا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى